144 و من خطبة له عليه السّلام

أيّها النّاس ، إنّما أنتم فى هذه الدّنيا غرض تنتضل فيه المنايا ، مع كلّ جرعة شرق ،

[ 306 ]

و فى كلّ أكلة غصص لا تنالون منها نعمة إلاّ بفراق أخرى ، و لا يعمّر معمّر منكم يوما من عمره إلاّ بهدم آخر من أجله ، و لا تجّدّد له زيادة فى أكله إلاّ بنفاد ما قبلها من رزقه ،

و لا يحياله أثر إلاّ مات له أثر ، و لا يتجدّد له جديد إلاّ بعد أن يخلق له جديد ، و لا تقوم له نابتة إلاّ و تسقط منه محصودة . و قد مضت أصول نحن فروعها ، فما بقاء فرع بعد ذهاب أصله ؟ اقول : استعار لهم لفظ الغرض : لرميهم بسهام المنايا ، و الانتضال : الرمى : و كنّى بالجرعة و الاكلة : عن لذّات الدنيا ، و بالشرق و الغصص : عما يلزمها من الاكدار . و قوله :

لا يبالون ، الى قوله : محصورة : فرق لطيف بين لذّات الدنيا و الآخرة ، هو : انّ لذّات الدنيا ،

لا يمكن ان يجتمع للانسان نوعان منها معا ، لكونها حاصلة من طرق الحوّاس المختلفة ،

فعند ما يتوجّه النفس الى تحصيل نوع منها و يستغلّ به ، يفارق غيره ، و لانّ ملذّاتها زمانيّة فهى فى معرض الزوال ، فلا يكاد يجتمع منها نوعان يستلّذ بهما فى حال واحد ، بخلاف اللذّات الاخرويّة . و اكله : بالهاء و ضمّ الهمزة : ما كوله . و الاثر : كالولد ، و النابتة و المحصورة : حقيقتان فى النبات ، و كنى بهما عما يتجدّد للانسان من خير و عما يعدم له .

و الأصول الماضية : الآباء .

منها :

و ما أحدثت بدعة إلاّ تركت بها سنّة ، فاتّقوا البدع ، و الزموا المهيع ، إنّ عوازم الأمور أفضلها ، و إنّ محدثاتها شرارها .

أقول : البدعة : كلّما احدث فى الدين من غير حجّة شرعية ، و وجه استلزامها لترك السّنة ان تركها من السّنة : فارتكابها يستلزم ترك السّنة . و المهيع : الطريق الواسع و هى :

الشريعة . و العوازم : جمع عوزم و اراد بها : قدائم السنن التى كانت على عهد الرسول صلّى اللّه عليه و آله . و محدثاتها : هى البدع و كونها شرارا لمخالفتها الدين .

[ 307 ]