145 و من كلام له عليه السّلام لعمر بن الخطاب ، و قد استشاره فى غزو الفرس بنفسه

إنّ هذا الأمر لم يكن نصره و لا خذلانه بكثرة و لا قلّة ، و هو دين اللّه الّذى أظهره ،

و جنده الّذى أعدّه و أمدّه ، حتّى بلغ ما بلغ و طلع حيثما طلع ، و نحن على موعود من اللّه ،

و اللّه منجز وعده ، و ناصر جنده . و مكان القيّم بالأمر مكان النّظام من الخرز : يجمعه و يضمّه ، فإذا انقطع النّظام تفرّق الخرز و ذهب ثمّ لم يجتمع بحذافيره أبدا . و العرب اليوم و إن كانوا قليلا فهم كثيرون بالإسلام ، عزيزون بالاجتماع ، فكن قطبا ، و استدر الرّحى بالعرب و أصلهم دونك نار الحرب ، فإنّك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها و أقطارها ، حتّى يكون ما تدع وراءك من العورات أهمّ إليك ممّا بين يديك .

إنّ الأعاجم إن ينظروا إليك غدا يقولوا : هذا أصل العرب فإذا قطعتموه استرحتم ،

فيكون ذلك أشدّ لكلبهم عليك ، و طمعهم فيك . فأمّا ما ذكرت من مسير القوم إلى قتال المسلمين فإنّ اللّه سبحانه هو أكره لمسيرهم منك ، و هو اقدر على تغيير ما يكره ، و أمّا ما ذكرت من عددهم فإنّا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة ، و إنّما كنّا نقاتل بالنّصر و المعونة . أقول : حتى بلغ ما بلغ اى : من الكثرة و العزّة . و طلع حيث طلع : من آفاق البلاد ،

و موعود اللّه : فى قوله : ( وعد اللَّه الّذين آمنوا ) الى قوله : ( من بعد خوفهم امناً ) 1 و القيّم بالامر :

الامام . و حذافير الشى‏ء : اطرافه جمع حذفار . و قوله : بحذافيره اى : بأسره . و استعار له لفظ القطب و لفظ الرّحى : لامور الاسلام او للحرب . و العورات : مواضع المخالفة على الاسلام و أهله . و الكلب : الشّر . و قد كان ذكر له مسير القوم ، و هم : الفرس ، فى وقعة القادسية الى قتال المسلمين و ذكر كثرة عددهم ، فأجابه عن هذين الوهمين بضميرين : صغرى الاولى ، قوله : فانّ اللّه سبحانه ، الى قوله : يكره . و تقدير كبراه : و كل

-----------
( 1 ) سورة النور 55 .

[ 308 ]

ما كان اكره له و اقدر على تغييره منك فيجب ان يفوّض امره اليه . و صغرى الثانى ، قوله :

فانا لم نكن ، الى آخره ، و تقدير كبراه : و كلّ ما كان كذلك فلا ينبغى ان ينظر الى كثرة العدد و يحفل به .