146 و من خطبة له عليه السّلام

فبعث محمّدا ، صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، بالحقّ ليخرج عباده من عبادة الأوثان إلى عبادته ، و من طاعة الشّيطان إلى طاعته ، بقرآن قد بيّنه و أحكمه ، ليعلم العباد ربّهم إذ جهلوه ، و ليقرّوا به إذ جحدوه ، و ليثبتوه بعد إذ أنكروه . فتجلّى لهم سبحانه فى كتابه من غير أن يكونوا رأوه : بما أراهم من قدرته ، و خوّفهم من سطوته ، و كيف محق من محق بالمثلات ، و احتصد من احتصد بالنّقمات .

و إنّه سيأتى عليكم من بعدى زمان ليس فيه شى‏ء أخفى من الحقّ ، و لا أظهر من الباطل ، و لا أكثر من الكذب على اللّه و رسوله و ليس عند أهل ذلك الزّمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلى حقّ تلاوته ، و لا أنفق منه إذا حرّف عن مواضعه ، و لا فى البلاد شى‏ء أنكر من المعروف و لا أعرف من المنكر ، فقد نبذ الكتاب حملته ، و تناساه حفظته ،

فالكتاب يومئذ و أهله طريدان منفيّان ، و صاحبان مصطحبان فى طريق واحد لا يؤويهما مؤو فالكتاب و أهله فى ذلك الزّمان في النّاس و ليسا فيهم و معهم ، لأنّ الضّلالة لا توافق الهدى ، و إن اجتمعا فاجتمع القوم على الفرقة و افترقوا عن الجماعة ، كأنّهم أئمّة الكتاب و ليس الكتاب إمامهم فلم يبق عندهم منه إلاّ اسمه ، و لا يعرفون إلاّ خطّه و زبره و من قبل ما مثّلوا بالصّالحين كلّ مثلة ، و سمّوا صدقهم على اللّه فرية ، و جعلوا فى الحسنة عقوبة السّيّئة .

و إنّما هلك من كان قبلكم بطول آمالهم ، و تغيّب آجالهم ، حتّى نزل بهم الموعود ،

الّذى تردّ عنه المعذرة ، و ترفع عنه التّوبة ، و تحلّ معه القارعة و النّقمة .

أيّها النّاس ، إنّه من استنصح اللّه وفّق ، و من اتّخذ قوله دليلا هدى للّتى هى أقوم ، فإنّ جار اللّه آمن ، و عدوّه خائف ، و إنّه لا ينبغى لمن عرف عظمة اللّه أن يتعظّم ، فإنّ رفعة

[ 309 ]

الّذين يعلمون ما عظمته أن يتواضعوا له ، و سلامة الّذين يعلمون ما قدرته أن يستسلموا له . فلا تنفروا من الحقّ نفار الصّحيح من الأحرب ، و البرى‏ء من ذى السّقم ، و اعلموا أنّكم لن تعرفوا الرّشد حتّى تعرفوا الّذى تركه ، و لن تأخذوا بميثاق الكتاب حتّى تعرفوا الّذى نقضه ، و لن تمّسكوا به حتّى تعرفوا الّذى نبذه ، فالتمسوا ذلك من عند أهله ، فإنّهم عيش العلم ، و موت الجهل : هم الّذين يخبركم حكمهم عن علمهم ، و صمتهم عن منطقهم ،

و ظاهرهم عن باطنهم : لا يخالفون الدّين ، و لا يختلفون فيه ، فهو بينهم شاهد صادق ،

و صامت ناطق . اقول : ذكر اغراض البعثة فى معرض مدح الرّسول صلّى اللّه عليه و آله ، و تجليه سبحانه فى كتابه : هو ظهور وجوده لقلوب عبيده بالتنبيهات التى اشتمل عليها ، كالتنبيه على أنواع المقدورات و اصنافها على كمال قدرته بانواع المبدعات المحكمة على كمال علمه و حكمته ، و بالتخويف بالمثلات : و هى العقوبات النازلة بالقرون الماضية ،

و افنائهم على انّ مثل ذلك واقع بهم فتعملوا لما بعد الموت . و أبور اى : اكسد . فامّا الكذب على اللّه و على رسوله : فروى عن شعبة ، و كان امام المحدّثين ، انّه قال : تسعة اعشار الحديث كذب . و عن الدار قطنى : ما الحديث الصحيح الاّ كالشعرة البيضاء فى الثور الأسود . و تلى حق تلاوته اى : وضع مواضعه ، و فسّر كما هو المراد ، و تحريفه عن مواضعه : حمله على غير محامله . و نبذ حملته له : اعراضهم عن تدبّر ما فيه و العمل به ، و اهله : هم الواعون له العاملون بما فيه . و الطريق المصطحبان فيه : طريق اللّه ، و اصطحابهما : ملازمة العمل به و اتّفاقهما على الدلالة فى طريق اللّه ، و هم فى الناس و معهم بأبدانهم ، و الكتاب معهم بألفاظه و كتبته ، و ليسوا فى الناس و لا معهم بقلوبهم ، و الكتاب بمقاصده و ثمرته ، و اشار الى وجه المباينة بينهما و بين الناس : بكونهما على هدى ، و الناس على ضلالة .

و الضدّان لا يجتمعان فى محل واحد هو القلب و ان اجتمعا الاجتماع المذكور . و القوم :

اهل زمانه كالخوارج و غيرهم ، و من بعده كأهل الآراء و المذاهب المختلفة . و زبره :

كتبته ، و شبّههم بأئمة الكتاب : فى جعله تبعا لآرائهم . و قوله : و من قبل ما مثّلوا بالصّالحين ، الى قوله : عقوبة السيئة : اشارة الى ما فعل امراء بنى اميّة ، و ولاتهم

[ 310 ]

كعبيد اللّه بن زياد ، و الحجّاج ، و مثّل : بالتخفيف و التشديد نكل ، و الاسم : المثلة ، بضم الميم و سكون الثاء . و « ما » مصدريّة محلها : الرفع بالابتداء و خبرها : من قبل ، و اراد :

الّذين فعلوا ذلك من قبل ، و بالنسبة الى من بعدهم من الداخلين فى وصفه . و القارعة :

الشديدة . و استنصاح اللّه تعالى : قبول قوله ، و اتّخاذه دليلا فى طريقه التى هى اقوم الطرق . و جار اللّه : من لزم بابه بالطاعة ، و بيّن معرفة اللّه و عظمته و التعظيم معاندة لأستلزام معرفة العارف به استصغار نفسه فى جنب عظمته ، و ذلك مناف لتكبّره ، و لذلك تواضع العارف لعظمته ، و استيلاء قدرته و استسلامه له مستلزمان لرفعته و سلامته فى الدارين ،

و معرفة تارك الرشد و ناقض الكتاب و نابذه ، شرط فى المعرفة التّامة للرشد ، و للتمسك التامّ بالكتاب و لزوم ميثاقه المأخوذ على العباد فى العمل به ، لانّ المعرفة التامة للشى‏ء ،

تستدعى معرفة ما عليه من الشكوك و الشبهات التى هى سبب نقصان معرفته ، و الشك فيه ، و لما كان الرشد هو الحق الّذي هو عليه و تابعوه ، و التارك لذلك هم مخالفوه من أئمة الضلال ، لاجرم كان من تمام الرشد الّذى يدعو اليه ، و يتمسّك به من الكتاب : معرفة خصومه الّذين تركوا الرشد و نقضوا الكتاب ، و معرفة شبههم الباطلة ، لتحصل المعرفة على بصيرة .

و لما نبّه على تلك المعرفة امر بالتماسها من عند أهلها ، و اراد : نفسه و اهل بيته عليهم السلام ، و استعار لهم : وصفى عيش العلم اى : حياته ، و موت الجهل ، باعتبار انّ بهم وجود العلم و الانتفاع به ، و عدم الجهل و التضرّر به ، و حكمتهم : منطقهم بالحكمة .

و لما كان صمت الحكيم فى موضعه كان من جملة حكمته ، و ظاهرهم هيئة الخاشعين العابدين ، و هو دالّ على اتّصاف نفوسهم بكمال قوّتى العلم و العمل . و استعار لفظ الصامت و الناطق : للدّين باعتبار افادة الاحكام الشرعيّة منه عند الرجوع اليه و عدمها .