149 و من خطبة له عليه السّلام فى الملاحم

و أخذوا يمينا و شمالا : طعنا فى مسالك الغىّ ، و تركا لمذاهب الرّشد ، فلا تستعجلوا ما هو كائن مرصد ، و لا تستبطئوا ما يجى‏ء به الغد فكم من مستعجل بما إن أدركه ودّ أنّه لم يدركه ، و ما أقرب اليوم من تباشير غد يا قوم ، هذا إبّان ورود كلّ موعود ، و دنوّ من طلعة ما لا تعرفون ، ألا و إنّ من أدركها منّا يسرى فيها بسراج منير ، و يحذو فيها على مثال الصّالحين ، ليحلّ فيها ربقا ، و يعتق رقّا ، و يصدع شعبا ، و يشعب صدعا ، فى سترة عن النّاس ، لا يبصر القائف أثره ، و لو تابع نظره ، ثمّ ليشحذنّ فيها قوم شحذ القين النّصل ،

تجلى بالتّنزيل أبصارهم ، و يرمى بالتّفسير فى مسامعهم ، و يغبقون كأس الحكمة بعد الصّبوح . اقول : الضمير فى قوله : و اخذوا : لمن ضلّ من المسلمين عن طريق الهدى . و اليمين و الشمال : طرفا التفريط و الافراط من الفضائل التى ذكرناها قبل ، و تلك الأطراف هى :

الرذائل ، و هى : مسالك الغى ، و مذاهب الرشد : و هى الفضائل النفسانية . و الكائن المرصد : هو ما كانوا يتوقّعونه من الفتن الموعود بها و كانوا كثيرا ما يسألونه عن وقتها فنهاهم عن استعجال ما لا بدّ من وقوعه و استبطائه . و أبان الشى‏ء : وقته . و من أدركها ، اى :

تلك الفتن منّا ، اى : من اهل البيت الائمة الاطهار . و استعار لفظ السراج : لكمالات النفس التى استضأءت بها فى طريق اللّه ، و استعار لفظ الربق ، و هو : الحبل فيه عدّة عرى يشدّ بها البهم : لما انعقد فى النفوس من العقائد الباطلة و الشبه ، و الامام يحلها و يعتق الرقاب من رقّ آثامها ، و يصدع ما انشعب و التأم من الباطل ، و يشعب ما انصدع من الحق و هو مغمور فى الناس . و القائف : قصّاص الأثر و اراد : انّه لا يعرفه من يتعرّفه ، و ما زال ائمة اهل البيت عليهم السلام مغمورين فى الناس ، لا يعرفهم الاّ من عرّفوه انفسهم . و قوله :

ثم ليشحذنّ الى قوله : النصل ، فاستعار وصف الشحذ ، و هو : التحذير : لأعداد اذهان قوم فيها لقبول العلوم و الحكمة ، كما يعد الحدّاد النصل للقطع بالشحذ .

[ 315 ]

و قوله : تجلّى بالتنزيل ، الى آخره : بيان لكيفية ذلك الشحذ و الاعداد ، و اسبابه و هى : تدبّر القرآن ، و جلاء ابصار بصائرها بأنوار علومه و حكمته ، و قذف تفسيره فى مسامعهم ، كما ينبغى من امام الوقت . و لفظ الصبوح و الغبوق : مستعاران .

منها :

و طال الامد بهم ، ليستكملوا الخزى ، و يستوجبوا الغير ، حتّى إذا اخلولق الأجل :

و استراح قوم إلى الفتن ، و أشالوا عن لقاح حربهم ، لم يمنّوا على اللّه بالصّبر ، و لم يستعظموا بذل أنفسهم فى الحقّ ، حتّى إذا وافق وارد القضاء انقطاع مدّة البلاء حملوا بصائرهم على أسيافهم ، و دانوا لربّهم بأمر واعظهم .

حتّى إذا قبض اللّه رسوله ، صلّى اللّه عليه و آله ، رجع قوم على الأعقاب ، و غالتهم السّبل ، و اتّكلوا على الولائج ، و وصلوا غير الرّحم ، و هجروا السّبب الّذى أمروا بمودّته ،

و نقلوا البناء عن رصّ أساسه ، فبنوه فى غير موضعه : معادن كلّ خطيئة ، و أبواب كلّ ضارب فى غمرة ، قد ماروا فى الحيرة ، و ذهلوا فى السّكرة على سنّة من آل فرعون من منقطع إلى الدّنيا راكن ، أو مفارق للدّين مباين . اقول : اشار بمن طال الأمد بهم : الى من كان من اهل الجاهلية . و قوله :

ليستكملوا ، الى قوله : الغير ، كقوله تعالى : ( و لا تحسبنّ الّذين كفروا انّما نملى لهم الى‏ قوله ليزدادوا اثما ) 1 . حتى اذا اخلولق الأجل و استراح قوم منهم الى الفتن و الوقائع . و اشالوا عن لقاح حربهم اى : اعدّوا أنفسهم لها كما تعد الناقة نفسها بشول ذنبها و رفعه للقاحها ، و تسمى شائلا . و الضمير فى قوله : لم تمنّوا : يرجع الى ذكر سبق للصحابة فى هذه الخطبة ،

حين قام رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فيهم و بهم للحرب فلم يمنّوا على اللّه بصبرهم معه ،

و لم يستعظموا بذل انفسهم فى نصرة الحق ، حتى اذا وافق وارد القضاء انقطاع مدّة البلاء بدولة الجاهلية ، حمل هؤلاء الذين لم يمنّوا على اللّه بنصرهم له بصايرهم اى : برؤوسهم على سيوفهم فى نصرة الدين ، و دانوا لربّهم بأمر عظيم ، و هو الرسول صلى اللّه عليه و آله

-----------
( 1 ) سورة آل عمران 178 .

[ 316 ]

حتى اذا قبض اللّه رسوله رجع قوم عن الاسلام ، على اعقابهم ، و اراد : من ارتدّ بعد الرسول صلى اللّه عليه و آله من العرب . و غيلة السبل لهم : استراق طرق الباطل المشبهة عليهم لهم ، و اتّكالهم على الولائج : اعتماد كل منهم فى نصرة رأيه الفاسد على شبهته التى بلج فيها ، او على خاصّته و بطانته و هى : الوليجة . و السبب الّذى امروا بمودّته : هم اهل البيت ، و استعار لهم لفظ السبب : باعتبار ايصالهم للتمسك بولائهم الى اللّه و الأمر بمودّتهم فى قوله تعالى : ( قل لا اسئلكم عليه اجرا الاّ المودّة فى القربى ) 1 و قوله : نقلوا ،

الى قوله : غير موضعه : اشارة الى عدول من عدل بأمر الخلافة عنه الى غير بينته . و استعار لهم لفظ الابواب : باعتبار انّهم مبادى الشبه و الآراء الفاسدة التى تدخل الناس فى الجهل منها . و الضارب فى الغمرة : الداخل فى غمرة الجهل . و ما روا : تردّدوا . و لفظ السكرة :

مستعار لغفلة الجهل .