150 و من خطبة له عليه السّلام

و أستعينه على مداحر الشّيطان و مزاجره ، و الاعتصام من حبائله و مخاتله . و أشهد أن لا اله الاّ اللّه و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله ، و نجيبه و صفوته ، لا يوازى فضله ، و لا يجبر فقده ، أضاءت به البلاد بعد الضّلالة المظلمة ، و الجهالة الغالبة ، و الجفوة الجافية ، و النّاس يستحلّون الحريم ،

و يستذلّون الحكيم ، يحيون على فترة ، و يموتون على كفرة ، ثمّ إنّكم معشر العرب أغراض بلايا قد اقتربت فاتّقوا سكرات النّعمة ، و احذروا بوائق النّقمة ، و تثبّتوا فى قتام العشوة ،

و اعوجاج الفتنة ، عند طلوع جنينها ، و ظهور كمينها ، و انتصاب قطبها ، و مدار رحاها : تبدو فى مدارج خفيّة ، و تؤول إلى فظاعة جليّة ، شبابها كشباب الغلام ، و آثارها كآثار السّلام .

تتوارثها الظّلمة بالعهود ، أوّلهم قائد لآخرهم ، و آخرهم مقتد بأوّلهم ، يتنافسون فى دنيا دنيّة ،

و يتكالبون على جيفة مريحة ، و عن قليل يتبرّأ التّابع من المتبوع ، و القائد من المقود فيتزايلون بالبغضاء ، و يتلاعنون عند اللّقاء ، ثمّ يأتى بعد ذلك طالع الفتنة الرّجوف ،

القاصمة الزّحوف ، فتزيغ قلوب بعد استقامة ، و تضلّ رجال بعد سلامة ، و تختلف

-----------
( 1 ) سورة الشورى 23 .

[ 317 ]

الأهواء عند هجومها ، و تلتبس الآراء عند نجومها من أشرف لها قصمته ، و من سعى فيها حطمته ، يتكادمون فيها تكادم الحمر فى العانة ، قد اضطرب معقود الحبل ، و عمى وجه الأمر ، تغيض فيها الحكمة ، و تنطق فيها الظّلمة ، و تدقّ أهل البدو بمسحلها ، و ترضّهم بكلكلها ، يضيع فى غبارها الوحدان ، و يهلك فى طريقها الرّكبان ، ترد بمرّ القضاء ، و تحلب عبيط الدّماء ، و تثلم منار الدّين ، و تنقض عقد اليقين ، تهرب منها الأكياس ، و تدبّرها الأرجاس ، مرعاد مبراق ، كاشفة عن ساق ، تقطع فيها الأرحام ، و يفارق عليها الإسلام ،

بريّها سقيم ، و ظاعنها مقيم . أقول : الدحر : الطرد ، و مداحر الشيطان : مظانّ دحره ، من العبادات و الطاعات ،

و استعار لفظ الحبائل : للشهوات التى هى شباك الشيطان ، و مخائله : مخادعه . و لا يوازى اى : لا يقابل بمثله اذ ليس لفضله مثل . و أضاءت البلاد : بسبب ما جاء به من نور الاسلام . و الضلالة : الكفر . و الجفوة : ما كانت العرب عليه من الغلظة ، و وصفها بما اشتق منها مبالغة . و الناس : اهل الجاهلية . و البلايا : الفتن الموعود بها . و استعار لفظ السكرات : للغفلة فى نعمة الله عن ذكره فانّها يعد لتعميرها ، و نزول بوائق النقمة : و هى :

الدواهى . و استعار لفظ العشوة : للفتنة . و لفظ القتام : لما يعرض من الشبهة بسببها ، و اراد فتنة بنى اميّة . و لفظ جنينها : لصغير ما يبدوا منها ، و كمينها : مستورها . و لفظ القطب :

لصاحب الفتنة الداعى فيها . و كنى بانتصابه : عن قيامه فيها ، و بمدار رحاها : عن اجتماع الخلق عليه . و المدارج الخفية : صدور من ينوى القيام فيها . و الفظاعة : تجاوز الأمر الشديد المقدار . و السلام : الحجارة : و الظلمة : امراء بنى اميّة . و الضمير فى يتوارثها للفتنة و هى : امرة الظالمين ، باعتبار ابتلاء الخلق بها . و التكالب : التشاور . و المريحة :

ذات الريح . و الفتنة الاخرى يشبه ان تكون فتنة التتار . و قيل : فتنة تأتى فى آخر الزمان كفتنة الدجّال . و الرجوف : كثيرة الارجاف و اضطراب الخلق فيها . و الزحوف : كثرة الزحف . و نجومها : ظهورها . و المشرف لها : المتطلّع الى دفعها و مقاومتها . و الساعى فيها اى : فى قيامها ، و المراد : انّ قائمها و مقاومها يهلكان فيها . و استعار وصف التكادم :

للتغالب . و العانة : القطيع من حمر الوحش . و معقود الحبل : ما انتظم من امر الدين . و

[ 318 ]

وجه الأمر : وجه المصلحة ، و استعار وصف الغيض : لعدم الحكمة . و اوصاف الفرس للفتنة كالمسحل و هى : حلقة تكون فى طرف شكيمة اللجام . و العبيط الخالص من الدّم الطرىّ .

و مرّ القضاء : اصعبه كالقتل و نحوه . و منار الدين : مستعار لائمّته . و عقد اليقين : ما انعقد فى النفس من الأمور المتيقنة و نقضه : ترك العمل على وفقه . و الأكياس : أهل العقول و الآراء الصحيحة ، و كشفها عن ساق ، كناية : عن اقبالها مسرعة كالمشمّر فى مهمة . و قوله : بريّها الى آخره اى : من تبرّأ منها و هرب عنها ، لم ينج منها .

منها :

بين قتيل مطلول ، و خائف مستجير ، يختلون بعقد الأيمان ، و بغرور الإيمان ، فلا تكونوا أنصاب الفتن ، و أعلام البدع ، و الزموا ما عقد عليه حبل الجماعة ، و بنيت عليه أركان الطّاعة ، و اقدموا على اللّه مظلومين و لا تقدموا عليه ظالمين ، و اتّقوا مدارج الشّيطان ،

و مهابط العدوان ، و لا تدخلوا بطونكم لعق الحرام ، فإنّكم بعين من حرّم عليكم المعصية ،

و سهّل لكم سبل الطّاعة . أقول : قوله : بين قتيل ، الى قوله : مستجير ، يشبه ان يكون تفصيلا لحال المؤمنين فى الفتنة . و دم مطلول : اذا هدر فلم يطلب به . و قوله : يختلون بعقد الايمان : صفة استجلاب هؤلاء المقتولين ، و خديعتهم عن انفسهم . و انصاب الفتن و اعلامها : رؤساء المعتدى بهم فيها . و حبل الجماعة : نظام المسلمين بالدّين و ما عقدت عليه الألفة و التوازر و على ذلك بني الأسلام ، و اركان طاعة اللّه . و قوله : و اقدموا على اللّه مظلومين :

ليس فيه امر بالانظلام لكونه رذيلة بل اذا تعارض الظالمية و المظلومية ، فالمظلومية اولى ،

مع علم النفس بالعجز عن المقاومة او العلم بما تشتمل عليه المقاومة من فساد زائد على القدر الفائت بالانظلام ، و انّما يكون الانظلام رذيلة اذا كان مع مهانة لا تنبعث النفس معها الى دفع الظلم و المقاومة . و مدارج الشيطان : مذاهبه و طرقه . و مهابط العدوان :

المظالم . و كنّى بلعق الحرام : عما يؤكل منه ، و اللعقة : ما تتناوله الملعقة . و لفظ العين مجاز فى العلم .

[ 319 ]