151 و من خطبة له عليه السّلام

الحمد للّه الدّال على وجوده بخلقه ، و بمحدث خلقه على أزليّته ، و باشتباههم على أن لا شبه له ، لا تستلمه المشاعر ، و لا تحجبه السّواتر ، لافتراق الصّانع و المصنوع ، و الحادّ و المحدود ، و الرّبّ و المربوب ، الأحد بلا تأويل عدد ، و الخالق لا بمعنى حركة و نصب ،

و السّميع لا بأداة ، و البصير بلا تفريق آلة ، و الشّاهد لا بمماسّة ، و البائن لا بتراخى مسافة ،

و الظّاهر لا برؤية ، و الباطن لا بلطافة ، بان من الأشياء بالقهر لها ، و القدرة عليها ، و بانت الأشياء منه بالخضوع له و الرّجوع إليه ، من وصفه فقد حدّه ، و من حدّه فقد عدّه ، و من عدّه فقد أبطل أزله ، و من قال « كيف ؟ » فقد استوصفه ، و من قال « أين ؟ » فقد حيّزه ، عالم إذ لا معلوم ، و ربّ إذ لا مربوب ، و قادر إذ لا مقدور . اقول : حمد اللّه تعالى باعتبارات من أوصافه ، فالاوّل : الاشارة الى وجوده الواجب ،

و للناس فى اثباته طريقتان : احداهما : اثبات وجوده باعتبار الوجود نفسه ، و قسمته الى واجب ، و ممكن ، و بيان انّه لا بد من وجود الواجب فى الجملة ، و هو طريق العليّين .

و الثانية : الاستدلال بالنظر فى المخلوقات و طبائعها ، و تغيّراتها على مبدأ لها و هى طريق الطبعيّين ، و الملّيين ، و المتكلّمون فرّعوا هذه الطرق الى طرق اربع ، و ذلك انّهم استدلّوا بامكان الاشياء ثم بحدوثها على الصانع ، و على التقديرين فى ذواتها و فى صفاتها . و قد اشرنا الى تفصيلها فى الأصل ، و الكلام عليها مستوفى فى الكلام . و اشارته عليه السلام بقوله : الدالّ على وجوده بخلقه : الى الاستدلال بحدوث العالم على وجود صانعه ، و هى الطريقة المشهورة للمتكلّمين .

الثانى : فى ازليّته و اشار اليه بقوله : و بمحدث خلقه على ازليّته .

الثالث : لا شبيه له ، و اشار اليه بقوله : و باشتباههم على انّه لا شبيه له .

الرابع : تنزيهه عن الجسميّة و لواحقها ، و اشار اليه بقوله : لا تستلمه المشاعر و هى :

الحواسّ .

الخامس : انّ السماوات لا تحجبه ، و نبّه على دليل الاعتبارات الخمسة بقوله :

[ 320 ]

لأفتراق الصانع ، الى قوله : و المربوب . و بيانه انّ لكلّ من الصانع و المصنوع ، صفات تخصّه بها تفارق الآخر ، و تقرير الحجّة : انّ المخلوقية و الحدوث و الاشتباه ، و الملموسيّة بالمشاعر و الحجب بالسواتر من الصفات المختصّة بالمصنوع و المحدود و المربوب ، و كلّ ما كان كذلك فيجب أن ينزّه الصانع الحادث الكل عنه ، و بيانه بالتفصيل ، قد نبّهنا عليه فى الأصل .

السادس : فى وحدانيّته و قد سبق بيانها فى الخطبة الأولى . و قوله : ليس بمعنى العدد اى : كونه واحدا ليس كونه مبدأ لكثرة يعدّ بها .

السابع : كونه تعالى فى خالقيّته منزّها عن الحركات و المتاعب .

الثامن : كونه سميعا لا بأداة .

التاسع : كونه بصيرا لا بتفريق الآلة ، و اراد بتفريق الآلة : امّا توزيع آلة الأبصار ، و هو الشعاع على المبصرات او الآلة المفرّقة ، و هما القوّتان فى العينين ، او الأرواح الحاملة لهما .

العاشر : كونه شاهدا اى حاضرا مع الأشياء لا بمماسّة منها .

الحادى عشر : تنزيهه عن المباينة بمعنى الافتراق فى المسافة .

الثانى عشر : كونه ظاهرا منزّها فى ظاهريّته عن رؤية الابصار ، و باطنا منزّها فى ذلك عن لطافة المقدار .

الثالث عشر : فى تفسير مباينته للأشياء ، و مباينتها له بالوجه اللائق بكماله و نقصانها .

الرابع عشر : تنزيهه عن الصفات الزائدة بالقياس الّذى ذكره ، و المراد بوصفه هنا :

اشارة الوهم اليه ، و لما كان عدّه ، امّا جعله مبدأ كثرة معدودة ، او ذا اجزاء معدودة و كان ذلك من لواحق المحدثات غير المستحقة الأزليّة بالذّات كان عدّه بأحد الاعتبارين مبطلا ازله الذّاتى .

الخامس عشر : تنزيهه عن السؤال عنه بكيف و اين ، لأمتناع المسؤول عنه بهما عليه . و قد مرّت الاشارة الى هذه الصفات و ما بعدها ، و الى براهينها فى الخطبة الاولى .

و باللّه التوفيق .

[ 321 ]

منها :

قد طلع طالع ، و لمع لامع ، و لاح لائح ، و اعتدل مائل ، و استبدل اللّه بقوم قوما ، و بيوم يوما ، و انتظرنا الغير انتظار المجدب المطر ، و إنّما الأئمّة قوّام اللّه على خلقه ، و عرفاؤه على عباده ، لا يدخل الجنّة إلاّ من عرفهم و عرفوه ، و لا يدخل النّار إلاّ من أنكرهم و أنكروه .

إنّ اللّه تعالى خصّكم بالإسلام ، و استخلصكم له ، و ذلك لأنّه اسم سلامة و جماع كرامة ، اصطفى اللّه تعالى منهجه ، و بيّن حججه ، من ظاهر علم ، و باطن حكم ، لا تفنى غرائبه ، و لا تنقضى عجائبه ، فيه مرابيع النّعم ، و مصابيح الظّلم ، لا تفتح الخيرات إلاّ بمفاتيحه ، و لا تكشف الظّلمات إلاّ بمصابيحه ، قد أحمى حماه ، و أرعى مرعاه ، فيه شفاء المشتفى ، و كفاية المكتفى . أقول : اشار بطلوع الطالع : الى ظهور امر الخلافة ، و انتقالها اليه . و بلموع اللامع :

الى ظهور نور العدل بانتقالها الى مقرّها . و بلوح اللائح : الى ما يلوح من امارات الفتنة .

و المائل : كونها فى غيره قبله . و اعتداله : انتقالها اليه . و القوم المستبدل بهم : من سبقه به و زمانهم بزمانه . و انتظاره للغير : توقّعه لتغيّر الأمر اليه . و العرفاء : النقباء . و لما ثبت فى الأصول انّ معرفتهم اى : معرفة حقية امانتهم ، و معرفتهم لأوليائهم بالولاية لهم شرطين متساويين للايمان ، و الايمان و استحقاق الجنة متلازمان ، ثبت انّ معرفتهم و المعرفة بهم ملازمة لدخول الجنة ، و حينئذ يكون انكارهم و دخول النار متلازمين ، و الاّ لصدق احدهما على بعض نقيض الآخر . و امّا ان يصدق انكارهم على بعض من لا يدخل النار فبعض من يدخل الجنة منكر لهم ، او يصدق دخول النار على بعض من لا ينكرهم فبعض من يعرفهم يدخل النار ، و كلاهما باطلان لما يتنافى الملازمة من دخول الجنة و معرفتهم ،

فظهر بذلك وجه الحصر فى القضيتين ، و فضيلة الاسلام من جهة اسمه كونه عبارة عن الدخول فى الطاعة التى هى : سلامة الدارين ، و من جهة معناه كونه جماع كرامة لانّ مداره على تعليم الفضائل ، و الطهارة عن الرذائل ، و منهجه طريقه ، و حججه ادلّته و اماراته و استعار لفظ المرابيع و هى : الامطار الربيعيّة للعلوم و الحكمة باعتبار احيائها القلوب . و لفظ المصابيح لها : للهداية بها من ظلمة الجهل . و لفظ المفاتيح : للتوصّل به الى

[ 322 ]

الخيرات الحقيقية الباقية . و لفظ الحمى : للمحرّمات التى منعها بنواهيه . و لفظ المرعى :

للمباحات التى اباحها و حلّلها بارشاده .