153 و من خطبة له عليه السّلام

و ناظر قلب اللّبيب : به يبصر أمده ، و يعرف غوره و نجده ، داع دعا و راع رعى ،

فاستجيبوا للدّاعى ، و اتّبعوا الرّاعى .

قد خاضوا بحار الفتن ، و أخذوا بالبدع دون السّنن ، و أرز المؤمنون و نطق الضّالّون المكذّبون . نحن الشّعار ، و الأصحاب ، و الخزنة و الأبواب و لا تؤتى البيوت إلاّ من أبوابها ،

فمن أتاها من غير أبوابها سمّى سارقا .

[ 325 ]

اقول : ناظر قلب اللبيب : فكره ، و به يبصر غايته : و هى الموت و ما بعده . و غوره ،

و نجده ، كنايتان : عن طريقى الخير و الشر . و اشار بالداعى : الى الرسول صلى اللّه عليه و آله ، و القرآن الكريم ، و بالراعي : الى نفسه . و الضمير فى خاضوا : لمحاربيه . و ارز بفتح الراء : تقبضوا و انضموا . و استعار لفظ الشعار : لنفسه و أهل بيته ، باعتبار قربهم من الرسول صلى اللّه عليه و آله كالثوب الذى يلى الجسد دون باقى الثياب . و الخزنة و الأبواب اى : خزنة علم الرسول و ابوابه كما قال صلى اللّه عليه و آله : ( انا مدينة العلم و على بابها ) 1 . و قوله : لا تؤتى : ارشاد للناس الى نفسه و اهل بيته بضمير صغراه قوله : فمن أتاها الى آخره . و تقدير كبراه ، و من سمى سارقا لحقه الاثم ، و العار ، و العقاب .

منها :

فيهم كرائم القرآن ، و هم كنوز الرّحمان ، إن نطقوا صدقوا و إن صمتوا لم يسبقوا ،

فليصدق رائد أهله ، و ليحضر عقله ، و ليكن من أبناء الآخرة فإنّه منها قدم ، و إليها ينقلب ،

فالنّاظر بالقلب العامل بالبصر يكون مبتدا عمله أن يعلم : أعمله عليه أم له ؟ فان كان له مضى فيه ، و إن كان عليه وقف عنه ، فإنّ العامل بغير علم كسائر فى غير طريق ، فلا يزيده بعده عن الطّريق إلاّ بعدا من حاجته ، و العامل بالعلم كسائر على الطّريق الواضح ، فلينظر ناظر أ سائر هو أم راجع .

و اعلم أنّ لكلّ ظاهر باطنا على مثاله ، فما طاب ظاهره طاب باطنه ، و ما خبث ظاهره خبث باطنه و قد قال الرّسول الصّادق صلّى اللّه عليه و آله و سلّم « إنّ اللّه يحبّ العبد ، و يبغض عمله ، و يحبّ العمل و يبغض بدنه » . و اعلم أنّ لكلّ عمل نباتا ، و كلّ نبات لا غنى به عن الماء ، و المياه مختلفة : فما طاب سقيه طاب غرسه و حلت ثمرته ، و ما خبث سقيه خبث غرسه و أمرّت ثمرته . اقول : الاشارة الى فضائل أهل البيت عليهم السلام . و كرائم الايمان : نفائسه كالاعتقادات الحقة ، و الاخلاق الفاضلة . و كنوز الرحمان : استعارة باعتبار كونهم خزان

-----------
( 1 ) راجع كتاب ( فتح الملك العلّي بصحة حديث باب مدينة العلم علّي ) .

[ 326 ]

علم اللّه . و خصّص وصف الرحمن لأنه مبدأ بعثة الأنبياء و الاولياء ، اذ جعلهم اللّه برحمته هداة خلقه . و قوله : لم يسبقوا اى : عند صمتهم لا يسبقون الى فضيلة نطق ، اذ كان صمتهم فى موضع الصمت حكمة . و قوله : فليصدّق رائد اهله : كالمثل و قد سبق مثله ،

و فائدته التنبيه على فضله ، و الأمر يصدق الخبر عنه لمن يعنيهم أمره و انّ عنده من مراعى النفوس و ماء حياتها ما ينبغى . و ليحضر عقله اى : ليفهم ما يقوله : و استعار لفظ الابناء :

للآخرة ، و وجه الشبه قوله : فانّه الى قوله ينقلب ، و ذلك انّ الانسان مبدأ الحضرة الألهية فعنها ينقلب و اليها يعود ، كالمنقلب عن الامّ الراجع اليها .

و قوله : و اعلم ، الى قوله : باطنه ، اشارة : الى ما اقتضته الحكمة الالهية من جعل العالم الجسمانى مثالا للعالم الروحانى ، و طريقا للنفوس البشريّة الى مثالها من المعقولات ، و انّه لو لا ذلك لتعذّر السفر الى الحضرة الالهية ، و من ذلك ما اشار اليه عليه السلام : من اشخاص الناس او افعالهم الظاهرة ، فانّها دالّة على ما يناسبها فى بواطنهم من الأخلاق و اعمال القلوب دلالة اكثريّة ، فرّب حسن الصورة قبيح الباطن ،

و ربّ خبيث الظاهر حسن الباطن ، و لذلك استشهد بالخبر النبوىّ ( فانّ اللّه يحب العبد من حيث صورته الحسنة ) لكونها مقتضى الحكمة الالهية ، و انسب الى الوجود من القبيحة التى هى انسب الى العدم الّذى هو الشر المحض ، و يبغض عمله من جهة ما هو شر مكروه بالذات و يحب و يبغض بالعكس من كان على العكس ، و من النص الحكيم على دلالة الظاهر على الباطن قوله تعالى : ( و الْبَلَدُ الطَّيِبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِاِذْنِ رَبِّهِ و الّذى خَبُثَ لا يَخْرُجُ اِلاّ نَكِدًا ) 1 و استعار لفظ النبات : لزيادة الأعمال و نموّها و لفظ الماء للمادية القلبيا من الارادات و النيّات المخالفة ، و ظاهر انّ طيب الأعمال بطيبها ، و خبثها بخبثها كالماء و ما يسقى به .

-----------
( 1 ) سورة الاعراف 58 .

[ 327 ]