155 و من خطبة له عليه السّلام خاطب به أهل البصرة على جهة اقتصاص الملاحم

فمن استطاع عند ذلك أن يعتقل نفسه على اللّه فليفعل فإن أطعتمونى فإنّى

[ 329 ]

حاملكم إن شاء اللّه على سبيل الجنّة ، و إن كان ذا مشقّة شديدة ، و مذاقة مريرة .

و أمّا فلانة فأدركها رأى النّساء ، و ضغن غلا فى صدرها كمرجل القين ، و لو دعيت لتنال من غيرى ما أتت إلىّ لم تفعل . و لها بعد حرمتها الأولى ، و الحساب على اللّه . أقول : مفهوم الفصل انّه سبق قبله ذكر فتن و حروب بعده بين المسلمين ، يجب على من ادركها ان يعتقل نفسه على اللّه اى : يحبسها عن الدخول فيها على طاعة . و سبيل الجنة هو : الدين القيم ، و لزوم المشقة فيه ظاهر كالجهاد . و فلانة : عائشة ، و رأي النساء رأيها فى حربه بالبصرة ، و رأيهنّ الضعف 1 . و امّا الطعن الذى كان لها و هو الحقد فقد نبّهنا عليه فى الأصل فلا نطول بذكره . و حرمتها الاولى : حرمتها برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله .

و فى قوله : و الحساب على اللّه : وعيد لها بلقائه .

منها :

سبيل أبلج المنهاج ، أنور السّراج ، فبالايمان يستدلّ على الصّالحات ، و بالصّالحات يستدلّ على الإيمان ، و بالإيمان يعمر العلم ، و بالعلم يرهب الموت ، و بالموت تختم الدّنيا ، و بالدّنيا تحرز الآخرة ، و إنّ الخلق لا مقصر لهم عن القيامة ، مرقلين فى مضمارها إلى الغاية القصوى . اقول : السبيل الابلج هو : الدين . و الأبلج : الواضح . و الإيمان : هو التصديق القلبىّ باللّه و برسله و ما جاؤا به من الاعمال الصالحات ثمراته ، و معلومات يستدلّ بوجودها من العبد على وجود الايمان فى قلبه على لزوم الصالحات استدلالا بالعلّة على المعلول .

و لما كانت ثمرات و كمالات له فبالحرىّ أن يكون بها عمارة العالم ، اى : الايمان بالمعنى المذكور اذا عضدها البرهان ، و هو قليل الفائدة كالخراب اذا لم يعضد بالعمل .

و لمّا كان من الايمان العلم بأحوال المعاد استلزم ذلك العلم دوام ملاحظة الموت المستلزم لرهبته . و لمّا كانت الدنيا محل الاستعداد لتحصيل الزاد ليوم المعاد ، كان بها

-----------
( 1 ) في نسخة ش : الضعيف .

[ 330 ]

احراز الآخرة . و الارقال : ضرب من السير سريع ، و هو مستعار لسيرهم المتوهّم فى مدة اعمارهم الى الآخرة . و الغاية القصوى هى السعادة ، و الشقاوة الاخرويّة . منها :

قد شخصوا من مستقرّ الأجداث ، و صاروا إلى مصائر الغايات ، لكلّ دار أهلها :

لا يستبدلون بها ، و لا ينقلون عنها ، و إنّ الأمر بالمعروف و النّهى عن المنكر لخلقان من خلق اللّه سبحانه ، و إنّهما لا يقرّبان من أجل و لا ينقصان من رزق ، و عليكم بكتاب اللّه فإنّه الحبل المتين ، و النّور المبين ، و الشّفاء النّافع ، و الرّىّ النّاقع ، و العصمة للمتمسّك ، و النّجاة للمتعلّق لا يعوجّ فيقام ، و لا يزيغ فيستعتب ، و لا تخلقه كثرة الرّدّ و ولوج السّمع . من قال به صدق ، و من عمل به سبق ،

و قام إليه رجل و قال : أخبرنا عن الفتنة ، و هل سألت عنها رسول اللّه صلى اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم ؟ فقال عليه السلام : لمّا أنزل اللّه سبحانه قوله : ( أَ لَمْ أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لاَ يُفْتَنُونَ ) علمت أنّ الفتنة لا تنزل بنا و رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه و آله ، بين أظهرنا ، فقلت : يا رسول اللّه ، ما هذه الفتنة الّتى أخبرك اللّه بها ؟ فقال : « يا علىّ ، إنّ أمّتى سيفتنون من بعدى » فقلت : يا رسول اللّه ، أو ليس قد قلت لى يوم أحد حيث استشهد من استشهد من المسلمين و حيزت عنّى الشّهادة ، فشقّ ذلك علىّ فقلت لى « أبشر ، فإنّ الشّهادة من ورائك » ؟ فقال لى « إنّ ذلك لكذلك ، فكيف صبرك إذا ؟ » فقلت : يا رسول اللّه ، ليس هذا من مواطن الصّبر ، و لكن من مواطن البشرى و الشّكر ، و قال « يا علىّ ، إنّ القوم سيفتنون بعدى بأموالهم ، و يمنّون بدينهم على ربّهم و يتمنّون رحمته ، و يأمنون سطوته ، و يستحلوّن حرامه بالشّبهات الكاذبة و الأهواء السّاهية ، فيستحلوّن الخمر بالنّبيذ ،

و السّحت بالهديّة ، و الرّبا بالبيع » فقلت : يا رسول اللّه ، بأىّ المنازل أنزلهم عند ذلك ؟

أ بمنزلة ردّة أم بمنزلة فتنة ؟ فقال : « بمنزلة فتنة » 1 . اقول : صدر الفصل تماما لصفة سبقت لحال أهل القبور . و مصائر الغايات : الجنة و النار ، و لكل دار منهما اهل . و نبّه على وجوب الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر ،

بضميرين صغرى الاوّل منهما قوله : انّهما خلقان من خلق الله ، و تقدير كبراه : و كلّ ما

-----------
( 1 ) شرح ابن ابى الحديد 9 207 .

[ 331 ]

كان كذلك وجب التخلّق به و صغرى الثانى قوله : لا يقربان ، الى قوله : من رزق و تقدير كبراه : و كلّ ما كان كذلك فلا ينبغى ان يحذر فعله . و الناقع : المروى . و يستعتب :

يطلب منه العتبى ، و هى الرجوع عن الأساءة . و الرد : الترديد فى الألسنة . و حيزت أى :

قبضت و منعت . و السحت : الحرام . و باقى الفصل ظاهر .