156 و من خطبة له عليه السّلام

الحمد للّه الّذى جعل الحمد مفتاحا لذكره ، و سببا للمزيد من فضله ، و دليلا على آلائه و عظمته .

عباد اللّه ، إنّ الدّهر يجرى بالباقين كجريه بالماضين ، لا يعود ما قدولّى منه ، و لا يبقى سرمدا ما فيه . آخر فعاله كأوّله ، متسابقة أموره ، متظاهرة أعلامه ، فكأنّكم بالسّاعة تحدوكم حدو الزّاجر بشوله ، فمن شغل نفسه بغير نفسه تحيّر فى الظّلمات ، و ارتبك فى الهلكات ،

و مدّت به شياطينه فى طغيانه ، و زيّنت له سيّئ أعماله ، فالجنّة غاية السّابقين ، و النّار غاية المفرّطين .

اعلموا عباد اللّه ، أنّ التّقوى دار حصن عزيز ، و الفجور دار حصن ذليل : لا يمنع أهله ،

و لا يحرز من لجأ إليه . ألا و بالتّقوى تقطع حمة الخطايا و باليقين تدرك الغاية القصوى .

عباد اللّه ، اللّه اللّه فى أعزّ الأنفس عليكم ، و أحبّها إليكم ، فإنّ اللّه قد أوضح لكم سبيل الحقّ و أنار طرقه . فشقوة لازمة ، أو سعادة دائمة ، فتزوّدوا فى أيّام الفناء لأيّام البقاء ، قد دللتم على الزّاد ، و أمرتم بالظّعن ، و حثثتم على المسير ، فإنّما أنتم كركب وقوف ، لا تدرون متى تؤمرون بالمسير .

ألا فما يصنع بالدّنيا من خلق للآخرة ؟ و ما يصنع بالمال من عمّا قليل يسلبه ، و تبقى عليه تبعته و حسابه ؟ عباد اللّه ، انّه ليس لما وعد اللّه من الخير مترك ، و لا فيما نهى عنه من الشّرّ مرغب عباد اللّه ، احذروا يوما تفحص فيه الأعمال ، و يكثر فيه الزّلزال ، و تشيب فيه الأطفال .

اعلموا ، عباد اللّه ، أنّ عليكم رصدا من أنفسكم ، و عيونا من جوارحكم ، و حفّاظ

[ 332 ]

صدق يحفظون أعمالكم و عدد أنفاسكم ، لا تستركم منهم ظلمة ليل داج ، و لا يكنّكم منهم باب ذو رتاج ، و إنّ غدا من اليوم قريب .

يذهب اليوم بما فيه ، و يجى‏ء الغدلا حقا به ، فكأنّ كلّ امرئ منكم قد بلغ من الأرض منزل وحدته ، و مخطّ حفرته ، فياله من بيت وحدة ، و منزل وحشة ، و مفرد غربة و كأنّ الصّيحة قد أتتكم ، و السّاعة قد غشيتكم و برزتم لفصل القضاء ، قد زاحت عنكم الأباطيل ، و اضمحلّت عنكم العلل و استحقّت بكم الحقائق ، و صدرت بكم الأمور مصادرها ، فاتّعظوا بالعبر ، و اعتبروا بالغير ، و انتفعوا بالنّذر . اقول : كون الحمد دليلا على الآية : لأختصاص الشكر بمولى النعم ، و على عظمته :

لأختصاصه باستحقاق ذلك لذاته ، اذ هو مبدأ كلّ نعمة . و التظاهر : الترادف و التعاون .

و الشول : النوق التى جفّ لبنها و ارتفع ضرعها و أتى عليها من نتاجها سبعة اشهر . الواحدة شائلة على غير قياس . و انّما خص الشول لخفتها ، و كون سوقها اسرع . و شغل المرء بنفسه :

تطهيرها و تزكيتها بالعلوم و الكمالات ، و شغله بغيرها يستلزم إهمالها و تحيّرها فى ظلمات الجهل و الهوى و الإرتباك : الاختلاط ، و شياطينه : قواه الخارجة عن أوامر عقله و هى : نفسه الأمارة . و المفرطون : المقصّرون فى تحصيل الكمالات النفسانية ، و التقوى :

فضيلة تحت العفّة ، و الفجور : رذيلة الافراط من العفّة . و حمة العقرب : إبرتها . و لفظها مستعار : للخطايا باعتبار ما فيها من الأذى . و روى حمّتها بالتشديد و هى : شدّتها . و نبّه بقوله : و بالتقوى ، الى قوله : القصوى : على كمال قوّتى النفس العلمية و العملية ، فالتّقوى :

كمال العمليّة ، و اليقين : كمال العلميّة ، و بهما تنال الغاية القصوى من المطالب الحقيقية . و أعز الأنفس هى : النفس المطمئنة ، و لها الثواب و عليها العقاب . و وجه تمثيلهم بالركب ظاهر ، فالانسان : هو النفس ، و المطايا هى : الأبدان و القوى النفسانية . .

و الطريق هى : العالم الحسّي و العقلي . و السير الّذى ذكره قبل الموت هو : تصرّف النفس فى العالمين ، لتحصيل الكمالات المسعدة و هى : الزاد لغاية السعادة الباقية . و السير الثانى الّذى ينتظرونه هو : الرحيل الى الآخرة ، و طرح البدن و قطع عقبات الموت . و قوله : انّه ليس ، الى قوله : مترك اى : ليس بعده أمر يرغب فيه ، لنفاسته و شرفه . و المرغب : محلّ

[ 333 ]

الرغبة . و الفحص : البحث . و نقاش الحساب : الاستقصاء فيه . و استعار لفظ الرصد للنفوس التى تظهر فيها يوم القيامة صور السيّئات . و لفظ العيون : للجوارح الشاهدة يومئذ .

و حفّاظ الصدق : الكرام الكاتبون . و الرتاج : العلق ، و الأمور التى صدرت بهم مصادرها هى : اعمالهم و احوالهم التى كانوا عليها فى الدنيا ، و كلّ ما ينبه على احوال الآخرة عبرة . و الغير : جمع غيرة فعلة من التغير ، و اعتبارها طريق الاتّعاظ . و النذر : جمع نذير و هو : كل ما افاد تخويفا .