157 و من خطبة له عليه السّلام

أرسله على حين فترة من الرسل ، و طول هجعة من الأمم ، و انتقاض من المبرم ، فجاءهم بتصديق الّذى بين يديه ، و النّور المقتدى به : ذلك القرآن فاستنطقوه و لن ينطق ، و لكن أخبركم عنه ، ألا إنّ فيه علم ما يأتى ، و الحديث عن الماضى ، و دواء دائكم ، و نظم ما بينكم . اقول : استعار لفظ الهجعة : للغفلة الشاملة يومئذ للناس عن احوال الآخرة . و لفظ المبرم : و هو الحبل لما كان الخلق عليه من نظام الحال بالشرائع السابقة . و لفظ الانتقاض :

لفساد ذلك بتغير الشرائع ، و الّذى صدّقه بين يديه هو : التوراة و الانجيل ، و كلّ امر تقدّم امرا منتظرا قريبا منه يقال انّه جاء بين يديه . و لفظ النور : القرآن . و استنطاقه : استماع فوائده منه عليه السلام ، اذ هو لسان الكتاب ، و دلّ عليه بقوله : و لن ينطق ، الى قوله : عنه . و علم ما يأتى اي : من الفتن و أحوال القيامة ، و الحديث عن الماضى من علم الأوّلين و قصصهم . و دائرهم هو : الجهل و رذائل الاخلاق . و دوائهم من ذلك : تزكية نفوسهم بما فيه من الحثّ على مكارم الاخلاق ، و التحلّى بالكمالات النفسانية . و نظم ما بينهم : بما اشتمل عليه من القوانين المصلحيّة ، و الحكمة السياسية ، و المدنية ، التى فيها نظام العالم ،

و استقامة اموره .

[ 334 ]

منها :

فعند ذلك لا يبقى بيت مدر و لا وبر ، إلاّ و أدخله الظّلمة ترحة ، و أولجوا فيه نقمة ،

فيومئذ لا يبقى لكم فى السّماء عاذر ، و لا فى الأرض ناصر ، أصفيتم بالأمر غير أهله ، و أوردتموه غير مورده ، و سينتقم اللّه ممّن ظلم : مأكلا بمأكل ، و مشربا بمشرب : من مطاعم العلقم ، و مشارب الصّبر و المقر ، و لباس شعار الخوف ، و دثار السّيف ، و إنّما هم مطايا الخطيئات ، و زوامل الآثام ، فأقسم ثمّ أقسم لتنخمنّها أميّة من بعدى كما تلفظ النّخامة ، ثمّ لا تذوقها و لا تطعم بطعمها أبدا ما كرّ الجديدان . اقول : سياق الكلام الإخبار عن حال بنى امية فى دولتهم من الظلم و استحقاقهم عند ذلك التغيير ، و كنى عنه : بعدم العاذر فى السماء ، و الناصر فى الارض . و الأمر امر الخلافة ، و التوبيخ و الوعيد بالله لهم ، و لمن عدل بها عنه ، و مأكلا و مشربا نصب بفعل مضمر اي : يبدّلهم الله مأكلا بمأكل . و استعار لفظ العلقم و الصبر و المقر و هو : المرّ لما يتجرّعونه من شدائد القتل و زوال الدولة .

و افاد بعض الشارحين انّه انّما خصص الخوف بالشعار ، لأنه باطن فى القلوب ،

و السيف بالدثار ، لانّه ظاهر كما انّ الشعار : ما كان يلى الحديد ، و الدثار : ما كان فوقه ،

و استعار لهم لفظ المطايا . و الزوامل : جمع زاملة للحمل يستظهر به الانسان فى سفره باعتبار حملهم للخطايا . و وصف التنخم لزوال الخلافة عنهم ، فكأنهم قذفوها من أفواههم كالنخامة . و أمّا هنا بمعنى : المدّة . و الجديدان : الليل ، و النهار .