159 و من خطبة له عليه السّلام

أمره قضاء و حكمة ، و رضاه أمان و رحمة ، يقضى بعلم ، و يعفو بحلم اللّهمّ . لك الحمد على ما تأخذ و تعطى ، و على ما تعافى و تبتلى ، حمدا يكون أرضى الحمد لك ، و أحبّ الحمد اليك ، و أفضل الحمد عندك ، حمدا يملأ ما خلقت ، و يبلغ ما أردت ، حمدا لا يحجب عنك ، و لا يقصر دونك ، حمدا لا ينقطع عدده ، و لا يفنى مدده ، فلسنا نعلم كنه عظمتك ، إلاّ أنّا نعلم أنّك حىّ قيّوم لا تأخذك سنة و لا نوم ، لم ينته اليك نظر ، و لم يدركك بصر ، أدركت الأبصار ، و أحصيت الأعمار ، و أخذت بالنّواصى و الأقدام ، و ما الّذى نرى من خلقك و نعجب له من قدرتك ، و نصفه من عظيم سلطانك ، و ما تغيّب عنّا منه ، و قصرت أبصارنا عنه ، و انتهت عقولنا دونه ، و حالت ستور الغيوب بيننا و بينه ، أعظم فمن فرّغ قلبه ، و أعمل فكره ، ليعلم كيف أقمت عرشك ، و كيف ذرأت خلقك ، و كيف علّقت فى الهواء سمواتك ، و كيف مددت على مور الماء أرضك ، رجع طرفه حسيرا ، و عقله مبهورا ، و سمعه والها و فكره حائرا . أقول : أمره : حكم قدرته الالهية ، و كونه قضاء اى : حكما لازما لا يردّ . و كونه حكمة : كونه على وفق الحكمة الالهية و النظام الأكمل ، و رضاه يعود الى علمه بطاعة العبد له ، و عفوه يعود الى عدم عقابه للمذنبين . و انّما يتحقق العفو مع القدرة على العقاب فلذلك قال : يعفو بحلم . و قوله : فلسنا الى آخره : اعتراف بالعجز عن ادراك كنه عظمته ،

و اشار الى بيان وجه معرفته الممكنة للخلق ، و هى امّا بالصفات الحقيقيّة ، لكونه حيا او بالاعتبارات السلبيّة لكونه لا تأخذه سنة و لا نوم ، و لا ينتهى اليه نظر عقلىّ او بصرىّ ،

[ 336 ]

او الاضافية لكونه مدركا للأبصار محصيا للأعمال آخذا بالنواصى و الاقدام . و « ما » فى قوله : و ما الّذى : استفهامية على سبيل الاستحقار لما استفهم عنه مما عدّده من المدركات بالنسبة الى ما لم يدرك من عظيم ملكوته . و « ما » الثّانية فى قوله : و ما يغيب : بمعنى الّذى محله الرفع بالابتداء و خبره اعظم . و الواو فيها للحال . و مبهورا : مغلوبا . و باقى الفصل ظاهر .

منها :

يدّعى بزعمه أنه يرجو اللّه كذب و العظيم ما باله لا يتبيّن رجاؤه فى عمله ، فكلّ من رجا عرف رجاؤه فى عمله ، إلاّ رجاء اللّه فإنّه مدخول ، و كلّ خوف محقّق ، إلاّ خوف اللّه فإنّه معلول : يرجو اللّه فى الكبير ، و يرجو العباد فى الصّغير ، فيعطى العبد ما لا يعطى الرّبّ ، فما بال اللّه ، جلّ ثناؤه ، يقصّر به عمّا يصنع لعباده ؟ أتخاف أن تكون فى رجائك له كاذبا ، أو تكون لا تراه للرّجاء موضعا ، و كذلك إن هو خاف عبدا من عبيده أعطاه من خوفه مالا يعطى ربّه ، فجعل خوفه من العباد نقدا ، و خوفه من خالقهم ضمارا و وعدا ،

و كذلك من عظمت الدّنيا فى عينه و كبر موقعها فى قلبه ، آثرها على اللّه فانقطع إليها و صار عبدا لها .

و قد كان فى رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه و آله ، كاف لك فى الأسوة و دليل لك على ذمّ الدنيا و عيبها ، و كثرة مخازيها و مساويها ، إذ قبضت عنه أطرافها ، و وطّئت لغيره أكنافها ، و فطم عن رضاعها ، و زوى عن زخارفها ، و إن شئت ثنّيت بموسى كليم اللّه ،

صلّى اللّه عليه و آله ، إذ يقول : ( رَبِّ إنِّى لِمَا أَنْزَلْتَ إلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) 1 و اللّه ما سأله إلاّ خبزا يأكله ، لأنّه كان يأكل بقلة الأرض . و لقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه لهزاله و تشذّب لحمه ، و إن شئت ثلّثت بداود ، صلّى اللّه عليه و آله صاحب المزامير ،

و قارئ أهل الجنّة ، فلقد كان يعمل سفائف الخوص بيده ، و يقول لجلسائه : أيّكم يكفينى بيعها ؟ و يأكل قرص الشّعير من ثمنها ، و إن شئت قلت فى عيسى بن مريم ، عليه السّلام ،

فلقد كان يتوسّد الحجر و يلبس الخشن ، و يأكل الجشب و كان إدامه الجوع و سراجه باللّيل

-----------
( 1 ) سورة القصص 24 .

[ 337 ]

القمر ، و ظلاله فى الشّتاء مشارق الأرض و مغاربها ، و فاكهته و ريحانه ما تنبت الأرض للبهائم ، و لم تكن له زوجة تفتنه ، و لا ولد يحزنه ، و لا مال يلفته ، و لا طمع يذلّه ، دابّته رجلاه ، و خادمه يداه .

فتأسّ بنبيّك الأطيب الأطهر ، صلّى اللّه عليه و آله ، فإنّ فيه أسوة لمن تأسّى ، و عزاء لمن تعزّى ، و أحبّ العباد إلى اللّه المتأسّى بنبيّه ، و المقتصّ لأثره : قضم الدّنيا قضما ،

و لم يعرها طرفا ، أهضم أهل الدّنيا كشحا ، و أخمصهم من الدّنيا بطنا ، عرضت عليه الدّنيا فأبى أن يقبلها ، و علم أنّ اللّه سبحانه أبغض شيئا فأبغضه ، و حقر شيئا فحقره ، و صغّر شيئا فصغّره ، و لو لم يكن فينا إلاّ حبّنا ما أبغض اللّه و رسوله ، و تعظيمنا ما صغّر اللّه و رسوله ،

لكفى به شقاقا للّه ، و محادّة عن أمر اللّه ، و لقد كان ، صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، يأكل على الأرض ، و يجلس جلسة العبد ، و يخصف بيده نعله ، و يرقع بيده ثوبه ، و يركب الحمار العارى ، و يردف خلفه ، و يكون السّتر على باب بيته فتكون فيه التّصاوير فيقول : يا فلانه لإحدى أزواجه غيّبيه عنّى ، فإنّى إذا نظرت إليه ذكرت الدّنيا و زخارفها ، فأعرض عن الدّنيا بقلبه ، و أمات ذكرها من نفسه ، و أحبّ أن تغيب زينتها عن عينه ، لكيلا يتّخذ منها رياشا ، و لا يعتقدها قرارا ، و لا يرجو فيها مقاما ، فأخرجها من النّفس ، و أشخصها عن القلب ، و غيّبها عن البصر ، و كذلك من أبغض شيئا أبغض أن ينظر إليه ، و أن يذكر عنده .

و لقد كان فى رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، ما يدلّك على مساوى الدّنيا و عيوبها ، إذ جاع فيها مع خاصّته ، و زويت عنه زخارفها مع عظيم زلفته . فلينظر ناظر بعقله أكرم اللّه محمّدا بذلك أم أهانه ؟ فإن قال : « أهانه » فقد كذب و أتى بالافك العظيم ،

و إن قال : « أكرمه » فليعلم أنّ اللّه قد أهان غيره حيث بسط الدّنيا له ، و زواها عن أقرب النّاس منه ، فتأسّى متأسّ بنبيّه ، و اقتصّ أثره ، و ولج مولجه ، و إلاّ فلا يأمن الهلكة ، فإنّ اللّه جعل محمّدا ، صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، علما للسّاعة ، و مبشّرا بالجنّة ، و منذرا بالعقوبة :

خرج من الدّنيا خميصا ، و ورد الآخرة سليما ، لم يضع حجرا على حجر حتّى مضى لسبيله ، و أجاب داعى ربّه ، فما أعظم منّة اللّه عندنا حين أنعم علينا به سلفا نتّبعه ، و قائدا نطأ عقبه ، و اللّه لقد رقعت مدرعتى هذه حتّى استحييت من راقعها ، و لقد قال لى قائل : ألا تنبذها عنك ؟ فقلت : اغزب عنّى « فعند الصّباح يحمد القوم السّرى » .

[ 338 ]

اقول : مساق الكلام ذمّ من يرجو اللّه بلا عمل فهو كالمدّعى للرجاء ، و تنبيه ان رجاءه ليس 1 بخالص بتكذيبه ، و الاشارة الى تقصيره فى العمل و توبيخه عليه .

و المدخول : غير الخالص . و قوله : ما باله ، الى قوله : عمله ، قياس من الشكل الثانى ، بيّن فيه ، انّ المقصّر غير راج الرجاء التام ، و تلخيصه : انّ هذا المدّعى لا يتبين رجاؤه فى عمله ،

و كل من رجا يتّبين رجاؤه فى عمله ، فينتج : انّ هذا المدّعى للرجاء غير راج ، و تقدير الاستثناء مع المستثنى منه ، و كل رجاء لراج تعريف فى عمله خلوص رجائه الاّ رجاء الراجى للّه فانّه غير خالص . و روى : فكل رجاء الاّ رجاء اللّه فأنه مدخول . و التقدير :

و كل رجاء محقّق او خالص ليطابق الكليّتين على مساق واحد . و الضمار : مالا يرجى من الوعد . و قبض اطراف الدنيا عنه كناية : عن منعه منهما . و الأكناف : الجوانب . و زوى : غيّب . و استعار لفظ الادام : للجوع . و لفظ السراج : للقمر ، و الظلال لمشارق الارض و مغاربها . و خص التأسّى بمحمد صلى اللّه عليه و آله ، لكونه مستجمعا لجميع هدى من سبق فالمقتدى به مقتد بجميعهم . و القضم : الأكل بأدنى الفم . و الهضيم الخميص : لقلة الأكل . و الكشح : الخاصرة . و المحادّة : المعاداة . و جلسة العبد : كما فى التشهّد . و الرياش : الزينة . و الاخلاق الكريمة التى عدّدها فيه صلى اللّه عليه و آله هى :

الامور المقتدى به فيها . و الزلفة : القربة و المنزلة . و قوله : فتأسى : خبر فى معنى الأمر بالتأسيّ . و النبذ : الالقاء . و اغرب : تباعد . و قوله : فعند الصباح ، الى قوله : السرى ، مثل :

يضرب لمحتمل المشقة ليصل الى الراحة . و اصله : انّ القوم يسيرون ليلا فيحمدون عاقبة ذلك بقرب المنزل اذا اصبحوا ، 2 و مطابقة الصباح لاتصال النفس العاقلة بالملأ الأعلى ، و اشراق نور الحق عليها عند مفارقة ظلمة البدن ، و الهيئات الدنيوية بالرياضة الكاملة التى عندها يحمد عواقب الصبر على مكاره الدنيا ، و معاناة شدائدها مطابقة ظاهره حسنة الموقع .

-----------
( 1 ) في ش : غير خالص

-----------
( 2 ) مجمع الامثال 2 3 . المستقصى فى امثال العرب 2 186 .

[ 339 ]