160 و من خطبة له عليه السّلام

بعثه بالنّور المضي‏ء ، و البرهان الجلىّ ، و المنهاج البادى ، و الكتاب الهادى : أسرته خير أسرة ، و شجرته خير شجرة : أغصانها معتدلة ، و ثمارها متهدّلة مولده بمكّة ، و هجرته بطيبة ، علابها ذكره ، و امتدّ بها صوته . أرسله بحجّة كافية ، و موعظة شافية ، و دعوة متلافية ،

أظهر به الشّرائع المجهولة ، و قمع به البدع المدخولة ، و بيّن به الأحكام المفصولة ، فمن يبتغ غير الإسلام دينا تتحقّق شقوته ، و تنفصم عروته ، و تعظم كبوته ، و يكن مآبه إلى الحزن الطّويل ، و العذاب الوبيل .

و أتوكّل على اللّه توكّل الإنابة إليه ، و أسترشده السّبيل الموديّة إلى جنّته ، القاصدة إلى محلّ رغبته . أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه و طاعته ، فإنّها النّجاة غدا ، و المنجاة أبدا ،

رهّب فأبلغ ، و رغّب فأسبغ ، و وصف لكم الدّنيا و انقطاعها و زوالها و انتقالها ، فأعرضوا عمّا يعجبكم فيها لقلّة ما يصحبكم منها . أقرب دار من سخط اللّه ، و أبعدها من رضوان اللّه فغضّوا عنكم عباد اللّه غمومها و أشغالها لما أيقنتم به من فراقها و تصرّف حالها ، فاحذروها حذر الشّفيق النّاصح ، و المجدّ الكادح ، و اعتبروا بما قد رأيتم من مصارع القرون قبلكم :

قد تزايلت أوصالهم ، و زالت أبصارهم و أسماعهم ، و ذهب شرفهم و عزّهم ، و انقطع سرورهم و نعيمهم ، فبدّلوا بقرب الأولاد فقدها ، و بصحبة الأزواج مفارقتها ، لا يتفاخرون ،

و لا يتناسلون ، و لا يتزاورون ، و لا يتجاورون . فاحذروا عباد اللّه حذر الغالب لنفسه ، المانع لشهوته ، النّاظر بعقله ، فإنّ الأمر واضح ، و العلم قائم ، و الطّريق جدد ، و السّبيل قصد . اقول : استعار لفظ النور : لهدى النبوّة . و البرهان الجلىّ : المعجزات ، و المنهاج البادى : شريعته الواضحة و اسرته : اهله ، و استعار لفظ الشجرة : لقريش ، و لفظ الأغصان : لأشخاص بيته صلى اللّه عليه و آله ، و اعتدال هذه الاغصان : تقاربهم فى الفضل ، و لفظ الثمار : لفضائلهم العلميّة و العملّية . و لفظ التهدّل : لظهورها و كثرتها ،

و سهولة الانتفاع بها . و طيبة : اسم للمدينة . و امتداد ضوئه كناية : عن انتشار دعوته . و تلافى دعوته : تداركها للخلق ، و انقاذهم اياهم من الهلكة . و الشرائع المجهولة : طرق

[ 340 ]

دينه ، و المدخولة : التى فيها . دخل بالتحريك اى : عيب ، و عروته : استعارة فى متمسكه من عصم النجاة . و الوبيل : المهلك . و الضمير فى رهّب و رغّب للّه . و الاعراض عن الدنيا هو : الزهد الحقيقىّ . و غضّ غمومها : كفّها . و الكادح : المجدّ فى السّعى و العمل ،

و الغالب لنفسه اى : الأمّارة بالسوء . الناظر بعين عقله مقابح شهوته . و الأمر الواضح : سبيل الخير و الشرّ . و العلم القائم : كتاب اللّه و دينه . و الفصل واضح .