161 و من كلام له عليه السّلام لبعض أصحابه

و قد سأله : كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام و أنتم أحق به ؟

فقال :

يا أخا بنى أسد ، إنّك لقلق الوضين ، ترسل فى غير سدد و لك بعد ذمامة الصّهر و حقّ المسألة ، و قد استعلمت فاعلم : أمّا الاستبداد علينا بهذا المقام و نحن الأعلون نسبا ،

و الأشدّون برسول اللّه ، صلّى اللّه عليه و آله ، نوطا فإنّها كانت أثرة شحّت عليها نفوس قوم ،

و سخت عنها نفوس آخرين ، و الحكم اللّه و المعود إليه يوم القيامة .

و دع عنك نهبا صيح فى حجراته

و هلمّ الخطب فى ابن أبى سفيان فلقد أضحكنى الدّهر بعد إبكائه ، و لا غرو و اللّه فياله خطبا يستفرغ العجب و يكثر الأود ، حاول القوم إطفاء نور اللّه من مصباحه ، و سدّ فوّاره من ينبوعه . و جدحوا بينى و بينهم شربا و بيئا . فإن ترتفع عنّا و عنهم محن البلوى أحملهم من الحقّ على محضه ، و إن تكن الأخرى ( فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ، إنّ اللّه عليم بما يصنعون ) . 1 اقول : الوضين : الحزام . و المثل يقال : لمن لا يتثبت في قوله : و السدد : الصواب .

و الذمامة بالكسر : الحرمة . و امّا كون الأسدى صهرا فلان زينب بنت جحش زوجة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله كانت اسديّة و امّها ميمونة بنت عبد المطلب ، فهى بنت عمة رسول اللّه . قالوا : و المصاهرة المشار اليها هذه . و قيل : بل كان على عليه السلام متزوّجا

-----------
( 1 ) سورة فاطر 8 .

[ 341 ]

فى بنى اسد . و النوط : التعلّق . و الأثرة : الاستبداد بالشى‏ء ، يقال : لما يستبدّ به ، و المراد :

الخلافة . و البيت لأمرئ القيس ، و أصله انه تنقل فى احياء العرب بعد قتل أبيه ، فنزل على رجل من جديله طىّ يقال له طريف فأحسن جواره فمدحه و اقام معه . ثمّ إنّه خاف ان لا يمنعه فتحوّل عنه ، و نزل على خالد بن سدوس بن اسمع النبهانى ، فأغارت بنو جديله عليه و هو فى جوار خالد ، فذهبوا بإبله فلما أتاه الخبر ذكر ذلك لخالد ، فقال له :

اعطنى رواحلك ألحق عليها ، فاردّ عليك ابلك ففعل ، فركب خالد فى اثر القوم حتى ادركهم ، فقال : يا بنى جديله اغرتم على ابل جارى ؟ قالوا : ما هو لك بجار ، قال : بلى و اللّه ، و هذه رواحله . فرجعوا اليه ، فأنزلوه عنهن و ذهبوا بهن و بالابل ، فقال امرؤ القيس القصيدة التى اوّلها البيت :

فدع عنك نهبا صيح فى حجراته
و هات حديثا ما حديث الرواحل

و النهب : المنهوب . و حجراته : جوانبه . و حديث الثانى : مبتدا ، و الأوّل : خبره ،

و ما : للتنكير ، و هى التى اذا دخلت على اسم زادته ايهاما ، كقوله : لأمر ما جدع قصير انفه ؟ و اراد : انّى لا ادرى كيف هو و ذلك انه قيل : ان خالدا هو الّذى ذهب بالرواحل فكان عنده شكّ فى امرها . فأما مطابقته لما هو فيه فهو انّ الائمة السابقين و ان كانوا قد استبدّوا بهذا الأمر فحديثهم مفهوم : اذ لهم الشبهة بالقدمة فى الاسلام ، و الهجرة ، و قرب المنزلة من الرسول فدع ذكرهم و ذكر نهبهم لهذا المقام فيما سبق ، و لكن هات ما نحن فيه الآن من خطب معاوية ، و الخطب الحادث . و لا غرو اى : لا عجب . و الأود :

الاعوجاج . و القوم : قريش . و استعار لفظ المصباح : لنفسه لانّ انوار دين اللّه تقتبس منه . و لفظ الينبوع اذ هو منبع ما يفوز من العلوم التى هى ماء الحياة الأبدية . و لفظ الشرب الوبى‏ء : لما حصل فى صدورهم من الاحن بسبب هذا الأمر حتى لزم عنه القتل ، و القتال الى يوم القيامة . و وصف الجدح بالجيم بعده الحاء و هو : الخلط للكدر الواقع بينهم و اختلاط الامر بسبب ذلك . و محن البلوى : المحن ممّا ابتلاهم اللّه به من الخلاف . و محض الشى‏ء : خالصة .

[ 342 ]