171 و من خطبة له عليه السّلام

الحمد للّه الّذى لا توارى عنه سماء سماء ، و لا أرض أرضا منها :

و قد قال قائل : إنّك على هذا الأمر يا ابن أبى طالب لحريص فقلت : بل أنتم و اللّه لأحرص و أبعد ، و أنا أخصّ و أقرب و إنّما طلبت حقّا لى و أنتم تحولون بينى و بينه ،

و تضربون وجهى دونه ، فلمّا قرعته بالحجّة فى الملأ الحاضرين هبّ كأنّه [ بهت ] لا يدرى ما يجيبنى به اللّهمّ إنّى أستعينك على قريش و من أعانهم ، فإنّهم قطعوا رحمى ، و صغّروا عظيم منزلتى ، و أجمعوا على منازعتى أمرا هولى ، ثمّ قالوا : ألا إنّ فى الحقّ أن تأخذه و فى الحقّ أن تتركه . أقول : روى انّ القائل له كان سعد بن ابى وقّاص ، فى ايام الشورى ، بعد مقتل عمر ،

و قوله : هب ، اى : استيقظ من غفلته ، و روى بهت . و قوله : و قالوا الى آخره ، اى : انّهم لم يقتصروا على أخذ حقّى ساكتين عن دعوى كفّه حقالهم ، بل اخذوه مع دعواهم انّه حق لهم يجب علىّ ترك المنازعة فيه ، و هو أصعب . و روى : « نأخذه ، و نتركه » بالنونين فى الموضعين ، اى : نتصرّف فيه بالأخذ و الترك ، و كيف شئنا ، و هذه شكاية ظاهرة .

منها فى ذكر أصحاب الجمل :

فخرجوا يجرّون حرمة رسول اللّه ، صلى اللّه عليه و آله ، كما تجرّ الأمة عند شرائها ،

[ 356 ]

متوجّهين بها إلى البصرة : فحبسا نساء هما فى بيوتهما و أبرزا حبيس رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، لهما و لغيرهما ، فى جيش ما منهم رجل إلاّ و قد أعطانى الطّاعة ، و سمح لى بالبيعة ، طائعا غير مكره ، فقدموا على عاملى بها و خزّان بيت مال المسلمين و غيرهم من أهلها : فقتلوا طائفة صبرا ، و طائفة غدرا فو اللّه لو لم يصيبوا من المسلمين إلاّ رجلا واحدا معتمدين لقتله ، بلا جرم جرّه ، لحلّ لى قتل ذلك الجيش كلّه : إذ حضروه فلم ينكروا ، و لم يدفعوا عنه بلسان و لا بيد . دع ما أنّهم قد قتلوا من المسلمين مثل العدّة الّتى دخلوا بها عليهم . اقول : غرض الفصل اظهار عذره فى قتال اهل الجمل ، و ذكر لهم ثلاث كبائر تستلزم اباحة قتالهم ، و قتلهم و هى :

خروجهم بحرمة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ( و حبيسه مع حبسهما لنسائهما و ذلك انتهاك لحرمة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ) 1 و ضمير التثنيه : لطلحة ، و الزبير .

الثانية ، نكثهما البيعة .

الثالثة : اقدامهم على عامله بالبصرة و تعذيبهم له ، و قتلهم للجماعة المسلمة منهم صبرا ، أى : بعد الاسر ، و بعض غدرا ، اى : بعد الأمان . و كان عامله يومئذ عليها ، عثمان ابن حنيف الانصارى ، و قصّتهم فى ذلك مشهورة ، و قد نبّهنا عليها فى الأصل 2 فامّا جواز قتالهم فلقوله تعالى : ( و ان طائفتان ) الآية 3 و اما تعليله جواز قتل الجيش بما ذكر : فلعموم قوله تعالى : ( انَّما جزاء الذين يحاربون اللَّه و رسوله ) الآية 4 و « ما » بعد دع زائدة . و الفصل واضح .

-----------
( 1 ) الجملة بين القوسين غير موجودة في نسخة ش

-----------
( 2 ) الشرح الكبير 3 337

-----------
( 3 ) سورة الحجرات 9

-----------
( 4 ) سورة المائدة 33 .

[ 357 ]