175 و من خطبة له عليه السّلام

انتفعوا ببيان اللّه ، و اتّعظوا بمواعظ اللّه ، و اقبلوا نصيحة اللّه . فإنّ اللّه قد أعذر إليكم بالجليّة ، و أخذ عليكم الحجّة ، و بيّن لكم محابّه من الأعمال و مكارهه منها ، لتتّبعوا هذه و تجتنبوا هذه ، فإنّ رسول اللّه ، صلى اللّه عليه و آله و سلم ، كان يقول : « حفّت الجنّة بالمكاره

[ 361 ]

و حفّت النّار بالشّهوات » . و اعلموا أنّه ما من طاعة اللّه شى‏ء إلاّ يأتى فى كره ، و ما من معصية اللّه شى‏ء إلاّ يأتى فى شهوة . فرحم اللّه رجلا نزع عن شهوته ، و قمع هوى نفسه ، فإنّ هذه النّفس أبعد شى‏ء منزعا ، و إنّها لا تزال تنزع إلى معصية فى هوى .

و اعلموا عباد اللّه أنّ المؤمن لا يمسى و لا يصبح إلاّ و نفسه ظنون عنده فلا يزال زاريا عليها ، و مستزيدا لها . فكونوا كالسّابقين قبلكم و الماضين أمامكم ، قوّضوا من الدّنيا تقويض الرّاحل ، و طووها طىّ المنازل . و اعلموا أنّ هذا القرآن هو النّاصح الّذى لا يغشّ ،

و الهادى الّذى لا يضلّ ، و المحدّث الّذى لا يكذب ، و ما جالس هذا القرآن أحد إلاّ قام عنه بزيادة أو نقصان : زيادة فى هدى ، و نقصان من عمى . و اعلموا أنّه ليس على أحد بعد القرآن من فاقة ، و لا لأحد قبل القرآن من غنى ، فاستشفوه من أدوائكم ، و استعينوا به على لأوائكم ، فإنّ فيه شفاء من أكبر الدّاء ، و هو الكفر و النّفاق و الغىّ و الضّلال . فاسألوا اللّه به ، و توجّهوا إليه بحبّه ، و لا تسألوا به خلقه . إنّه ما توجّه العباد إلى اللّه بمثله ، و اعلموا أنّه شافع و مشفّع ، و قائل و مصدّق ، و أنّه من شفع له القرآن يوم القيامة شفّع فيه ، و من محل به القرآن يوم القيامة صدق عليه ، فإنّه ينادى مناد يوم القيامة : « ألا إنّ كلّ حارث مبتلى فى حرثه و عاقبة عمله غير حرثة القرآن » فكونوا من حرثته و أتباعه ، و استدلّوه على ربّكم ،

و استنصحوه على أنفسكم ، و اتّهموا عليه آراءكم ، و استغشوا فيه أهواءكم ، العمل العمل ،

ثمّ النّهاية النّهاية و الاستقامة الاستقامة ثمّ الصّبر الصّبر ، و الورع الورع ، إنّ لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم ، و إنّ لكم علما فاهتدوا بعلمكم ، و إنّ للإسلام غاية فانتهوا إلى غايته ، و اخرجوا إلى اللّه ممّا افترض عليكم من حقّه ، و بيّن لكم من وظائفه . أنا شهيد لكم و حجيج يوم القيامة عنكم .

ألا و إنّ القدر السّابق قد وقع ، و القضاء الماضى قد تورّدّ ، و إنّى متكلّم بعدة اللّه و حجّته ، قال اللّه تعالى : ( إنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَنْ لاَ تَخَافُوا وَ لاَ تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) و قد قلتم ربّنا اللّه ، فاستقيموا على كتابه و على منهاج أمره ، و على الطّريقة الصّالحة من عبادته ، ثمّ لا تمرقوا منها ، و لا تبتدعوا فيها ، و لا تخالفوا عنها ، فإنّ أهل المروق منقطع بهم عند اللّه يوم القيامة ، ثمّ إيّاكم و تهزيع الأخلاق و تصريفها ، و اجعلوا اللّسان واحدا ، و ليخزن الرّجل لسانه ، فإنّ هذا اللّسان جموح

[ 362 ]

بصاحبه ، و اللّه ما أرى عبدا يتّقى تقوى تنفعه حتّى يختزن لسانه ، و إنّ لسان المؤمن من وراء قلبه ، و إن قلب المنافق من وراء لسانه ، لأنّ المؤمن إذا أراد أن يتكلّم بكلام تدبّره فى نفسه : فإن كان خيرا أبداه ، و إن كان شرّا و اراه ، و إنّ المنافق يتكلّم بما أتى على لسانه : لا يدرى ماذا له ، و ماذا عليه و لقد قال رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : « لا يستقيم إيمان عبد حتّى يستقيم قلبه ، و لا يستقيم قلبه حتّى يستقيم لسانه » فمن استطاع منكم أن يلقى اللّه و هو نقىّ الرّاحة من دماء المسلمين و أموالهم ، سليم اللّسان من أعراضهم ، فليفعل .

و اعلموا ، عباد اللّه ، أنّ المؤمن يستحلّ العام ما استحلّ عاما أوّل ، و يحرّم العام ما حرّم عاما أوّل ، و إنّ ما أحدث النّاس لا يحلّ لكم شيئا ممّا حرّم عليكم ، و لكن الحلال ما أحلّ اللّه ، و الحرام ما حرّم اللّه ، فقد جرّبتم الأمور و ضرّستموها ، و وعظتم بمن كان قبلكم ،

و ضربت لكم الأمثال ، و دعيتم إلى الأمر الواضح ، فلا يصمّ عن ذلك إلاّ أصمّ ، و لا يعمى عن ذلك إلاّ أعمى و من لم ينفعه اللّه بالبلاء و التّجارب لم ينتفع بشى‏ء من العظة ، و أتاه التّقصير من أمامه حتّى يعرف ما أنكر و ينكر ما عرف ، و إنّما النّاس رجلان : متّبع شرعة ، و مبتدع بدعة ، ليس معه من اللّه برهان سنّة ، و لا ضياء حجّة ، و إنّ اللّه سبحانه لم يعظ أحدا بمثل هذا القرآن ، فإنّه حبل اللّه المتين ، و سببه الأمين ، و فيه ربيع القلب ، و ينابيع العلم ، و ما للقلب جلاء غيره ، مع أنّه قد ذهب المتذكّرون ، و بقى النّاسون أو المتناسون . فإذا رأيتم خيرا فأعينوا عليه ، و إذا رأيتم شرّا فاذهبوا عنه ، فإنّ رسول اللّه ، صلى اللّه عليه و آله و سلم ، كان يقول : « يا ابن آدم اعمل الخير ودع الشّرّ فإذا أنت جواد قاصد » .

ألا و إنّ الظلم ثلاثة : فظلم لا يغفر ، و ظلم لا يترك ، و ظلم مغفور لا يطلب : فأمّا الظّلم الّذى لا يغفر فالشّرك باللّه ، قال اللّه تعالى : ( إنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ) و أمّا الظّلم الّذى يغفر فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات ، و أمّا الظّلم الّذى لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضا ،

القصاص هناك شديد ليس هو جرحا بالمدى ، و لا ضربا بالسّياط ، و لكنّه ما يستصغر ذلك معه . فايّاكم و التّلوّن فى دين اللّه ، فإنّ جماعة فيما تكرهون من الحقّ خير من فرقة فيما تحبّون من الباطل ، و إنّ اللّه سبحانه لم يعط أحدا بفرقة خيرا : ممّن مضى و لا ممّن بقى .

[ 363 ]

يا أيّها النّاس ، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب النّاس ، و طوبى لمن لزم بيته و أكل قوته ، و اشتغل بطاعة ربّه ، و بكى على خطيئته ، فكان من نفسه فى شغل ، و النّاس منه فى راحة اقول : قوله بالجليّة اى : بالاعذار الجلية ، او : بان أوضح لكم جلية الأمور . و نبّه بالخبر على انّ مكاره اللّه و ان كانت لذيذة ، فانّ النار محفوفة بها ، فمن لابسها و انهمك فيها وصل الى النار ، و ان محابّه من الاعمال و ان كانت شاقة فانّ الجنة محفوفة بها ،

فلا تنال بدون الوصول اليها ، و نزع : قلع . و قمع : ردع و النفس اى : الامارة بالسوء أبعد شى‏ء منزعا ، اى : رجوعا عن المعصية ، اذ هى مجبولة على محبّة الباطل . و ظنون : متهمة بالخيانة ، و التقصير فى طاعة اللّه . و تقويض البناء : نقضه . و مجالسة القرآن : مجالسة أهله ، و الاستماع اليهم ، و التفّهم عنهم . و اراد بالفاقة : الحاجة الى ما ينبغى من الهداية ،

و الكمال النفسانى . و بالغنى : حصولهما . و ادوائهم : الجهل و الرذائل . و اللأواء : الشدّة ،

و استعار لفظ الشافع المشفع : للقرآن ، باعتبار كونه : وسيلة لمن تقرّب به الى اللّه ، موصلة له الى مطالبه . و محل به الى السلطان : سعى به ، و وجه ذلك فى القرآن اعتبار كون العامل به معروفا عند اللّه بذلك ، فأشبه القرآن الشاهد عليه بذلك . و حرثة القرآن : مستثيروا دفاينه و كنوز علمه . و استنصحوه على أنفسكم ، اى : اتّخذوه انصح منها ، فانّه اولى بالنصيحة . و قوله : و اتّهموا عليه آراءكم اى : الآراء : و الأهواء : المخالفة له . و النهاية التى للخلق المطلوبة منهم : اخلاصهم للّه ، و التحلّى بزينته ، و هى غاية الاسلام أيضا . و العلم : مستعار له عليه السلام و للقرآن . و قوله : من حقه : متعلّق بقوله : اخرجوا و الخروج اليه : بأخلاص العمل له . و الماضى : النافذ الّذى لا يرّد . و تورّد اى : دخل فى الوجود شيئا بعد شى‏ء ، يقال :

تورّدت الخيل البلد : اذا دخلته قطعة قطعة و اشار بالقدر : الى واقع خاص و هو خلافته و ما يصحبها من الفتن و الوقائع . و عدة اللّه التى يتكلم بها هى : ما وعد به عباده الّذين اعترفوا بربوبيّته ، و استقاموا على سلوك سبيله من تنزّل الملائكة عليهم بذهاب الخوف و الحزن و البشارة بالجنّة . و امّا حجته التى تكلّم بها فقوله : « و قد قلتم : ربّنا اللّه ، اى : اعترفتم بالرّبوبيّة . فأستقيموا على كتابه ، و منهاج امره الى قوله عنها » . و تهزيع الاخلاق :

[ 364 ]

تفريقها و تكثيرها ، و هو نهى عن النفاق ، و ذو اللسانين ، و الوجهين ، هو المنافق . و استعار لفظ الوراء للسان المؤمن : باعتبار انّ قوله مؤخر عن فكر قلبه ، و لقلب المنافق : باعتبار انّ فكره مؤخر عن كلامه ، و استقامة القلب فى الخبر بالاعتقاد الصالح لاستقامة الايمان و صحته ، و استقامة اللسان اى : على الأقوال الصالحة علامة لاستقامة الايمان لا سبب ،

لكن لما كانت العلامة متقدّمة على ذى العلامة فى العلم ، اشار الى : توقّف استقامة القلب على استقامة اللسان بحتّى ايضا .

و نقاء الراحة : كناية عن الخلاص من حقوق المسلمين ، دمائهم و أحوالهم . و قوله :

انّ المؤمن ، الى قوله : احلّ اللّه اى : انّ المؤمن يستحلّ و يحرّم فى المستقبل ما كان حلالا او حراما فى الماضي ، و هو : ما احلّه اللّه و رسوله او حرّمه و ثبت بالكتاب و السة اخذه او تركه دون ما احدث من البدع . و ضرست الأمر اى : احكمته خبرا . و قوله : و لا يصم عن ذلك الاّ اصم اى : بعد بيان الأمر و ايضاحه بما ذكر لا يصم عنه الاّ اصم اى : شديد الصّمم و الاّ اعمى اى : شديد عمى الجهل و هو عمى البصيرة . و الأمر : هو طريق الدين .

و قوله : من امامه : لانّ الكمال الّذى يتوجّه اليه بوجه عقله يفوته لنقصان غريزته ، و وقوف عقله عنها . و قوله : حتى تعرف ، الى قوله : عرف ، اشارة الى : غاية جهله ، و هو : ان يتخيّل تارة فيما هو منكر و مجهول له انّه عالم به و فيما هو معروف عنده ، و صحيح انّه لا يعرفه لشبهة تعتريه . و الأمين : المأمون اى : من تمسّك به لم يخنه . و الهنة : كناية عن الصغيرة من الزلاّت و العفو عنها فى آيات الوعد . و التلوّن فى الدين : النفاق فيه ، و افتراق القلوب عنه . و باقى الفصل ظاهر .