177 و من خطبة له عليه السّلام

لا يشغله شأن ، و لا يغيّره زمان ، و لا يحويه مكان ، و لا يصفه لسان و لا يعزب عنه عدد قطر الماء ، و لا نجوم السّماء ، و لا سوافى الرّيح فى الهواء ، و لا دبيب النّمل على الصّفا ،

و لا مقيل الذّرّ فى اللّيلة الظّلماء . يعلم مساقط الأوراق ، و خفىّ طرف لأحداق ، و أشهد أن لا إله إلاّ اللّه غير معدول به و لا مشكوك فيه ، و لا مكفور دينه ، و لا مجحود تكوينه شهادة من صدقت نيّته ، وصفت دخلته ، و خلص يقينه ، و ثقلت موازينه و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله المجتبى من خلائقه ، و المعتام لشرح حقائقه و المختصّ بعقائل كراماته ، و المصطفى لكرائم رسالاته ، و الموضّحة به أشراط الهدى ، و المجلوّبه غربيب العمى .

أيّها النّاس ، إنّ الدّنيا تغرّ المؤمّل لها ، و المخلد إليها ، و لا تنفس بمن نافس فيها ،

و تغلب من غلب عليها . و ايم اللّه ما كان قوم قطّ فى غضّ نعمة من عيش فزال عنهم إلاّ بذنوب اجترحوها ، لأنّ اللّه ليس بظلاّم للعبيد . و لو أنّ النّاس حين تنزل بهم النّقم و تزول عنهم النّعم فزعوا إلى ربّهم بصدق من نيّاتهم و وله من قلوبهم ، لردّ عليهم كلّ شارد ،

و أصلح لهم كلّ فاسد . و إنّى لأخشى عليكم أن تكونوا فى فترة ، و قد كانت أمور مضت ملتم فيها ميلة كنتم فيها عندى غير محمودين ، و لئن ردّ عليكم أمركم إنّكم لسعداء و ما علىّ إلاّ الجهد و لو أشاء أن أقول لقلت ، عفا اللّه عمّا سلف .

[ 366 ]

أقول : الدخلة : بكسر الدال و ضمّها باطن الشى‏ء . و المعتام : المختار . و حقائقه : ما حقّ و ثبت من دينه . و عقائل كراماته : نفائس ما اكرم به عباده من قوانين الدين . و اشراط الهدى : علاماته . و غربيب العمى : ما يعقل من ظلمة الجهل و سواه . اخلد الى كذا :

سكن اليه . و تنفس : تبخل . و غض النعمة : طريها . و تجوز بلفظ الفترة فى امر الجاهلية :

اطلاقا لأسم الظرف على المظروف . و يحتمل ان يريد الفترة : من عذاب ينتظر بسبب مخالفتهم لآرائه . قالت الامامية : و الأمور التى مالوا فيها : تقديمهم عليه من سبق من الأئمة . و قال غيرهم : ميلهم عليه فى تقديم عثمان وقت الشورى . و امرهم الى اصلاح أحوالهم التى كانوا عليها فى زمن الرسول عليه السلام . و ما علىّ الاّ الجهد ، اى : فى عود مثل ذلك الأمر عليهم . و قوله : و لو اشاء الى آخره ، يفهم منه : انّه لو قال : مقتضى قوله :

نسبتهم الى ظلمه و تخطئتهم فى التقديم عليه و ذكر وجوه تأخيرهم له . و اللّه اعلم .