179 و من خطبة له عليه السّلام 1

الحمد للّه الّذى أظهر من آثار سلطانه ، و جلال كبريائه ، ما حيّر مقل العيون من عجائب قدرته ، و ردع خطرات هماهم النّفوس عن عرفان كنه صفته . و أشهد أن لا إله إلاّ اللّه شهادة إيمان و إيقان ، و إخلاص و إذعان ، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله أرسله و أعلام الهدى دارسة ، و مناهج الدّين طامسة ، فصدع بالحقّ ، و نصح للخلق ، و هدى إلى الرّشد ، و أمر بالقصد ، صلى اللّه عليه و آله و سلم .

و اعلموا ، عباد اللّه ، أنّه لم يخلقكم عبثا ، و لم يرسلكم هملا . علم مبلغ نعمه عليكم ،

و أحصى إحسانه إليكم ، فاستفتحوه ، و استنجحوه ، و اطلبوا إليه و استمنحوه ، فما قطعكم عنه حجاب ، و لا أغلق عنكم دونه باب ، و إنّه لبكلّ مكان ، و فى كلّ حين و أوان ، و مع كلّ ،

إنس و جانّ ، لا يثلمه العطاء ، و لا ينقصه الحباء ، و لا يستنفده سائل ، و لا يستقصيه نائل ،

و لا يلويه شخص عن شخص ، و لا يلهيه صوت عن صوت ، و لا تحجزه هبة عن سلب ،

و لا يشغله غضب عن رحمة ، و لا تولهه رحمة عن عقاب ، و لا يجنّه البطون عن الظّهور ،

و لا يقطعه الظّهور عن البطون . قرب فنأى ، و علا فدنا ، و ظهر فبطن ، و بطن فعلن ، و دان و لم يدن ، لم يذرا الخلق باحتيال ، و لا استعان بهم لكلال .

أوصيكم ، عباد اللّه ، بتقوى اللّه ، فإنّها الزّمام و القوام ، فتمسّكوا بوثائقها ، و اعتصموا بحقائقها ، تؤل بكم إلى أكنان الدّعة ، و أوطان السّعة ، و معاقل الحرز . و منازل العزّ ، فى يوم تشخص فيه الأبصار ، و تظلم الأقطار ، و تعطّل فيه صروم العشار ، و ينفخ فى الصّور ، فتزهق كلّ مهجة ، و تبكم كلّ لهجة ، و تذلّ الشّمّ الشّوامخ ، و الصّمّ الرّواسخ ، فيصير صلدها سرابا رقرقا ، و معهدها قاعا سملقا ، فلا شفيع يشفع ، و لا حميم يدفع ، و لا معذرة تنفع .

-----------
( 1 ) هذه الخطبة جاءت فى الشرح الكبير تحت رقم 186 . المجلد الثالث ص 431 .

[ 368 ]

أقول : استعار لفظ المقلة و هى : شحمة العين لقوّة العقل ، باعتبار ادراكها . و خطرات هماهم النفوس : ما يخطر لها فتهمهم به ، و الهمهمة : صوت خفى ، وردعه لها : استلزام كماله المطلق عن ادراك حقيقته ، و الإيمان : التصديق القلبىّ باللّه و ما جاءت به رسله ، و ما يطابقه باللسان . و الايقان : اعتقاد انّ ذلك التصديق لا يكون الاّ كذلك . و الاخلاص :

ان يحذف فى توحيده تعالى كل امر سواه عن درجة الاعتبار ، و الاذعان : ثمرة ذلك الاخلاص و هى : كمال العبادات التابعة له . و اعلام الهدى : ائمة الدين . و المناهج :

قوانين الشريعة و دروسها . و طموسها : اضمحلالها قبل النبوّة . و كونه تعالى بكل مكان :

بعلمه . و فى كل زمان : مساوقة وجوده لوجود الزمان ، اذ هو تعالى عن احاطة بهما . و مع كل انس و جان : بعلمه . و الحباء : النوال ، و اشار باجتماع الاضداد تحت حكم قدرته :

الى كمالها ، و تنزيهها عن قدرة البشر ، و كذلك اجتماع الاحوال المتضادة له كالرحمة ،

و العقاب ، و البطون و الظهور و غيرها انّما هى باعتبارات مختلفة تعتبرها الاذهان لمعقوليته تعالى كما مر . و التوليه : شغل القلب و تحيّره . و دان : قهر . و ذرأ : خلق . و استعار لفظ الزّمام لتقوى اللّه : لقودها العبد الى الحق ، و كونها قواما اى : للعبد على سبيل . و وثائقها :

ما يتمسّك به منها و هو المأمور بلزومه من العبادات و الطاعات . و حقائقها : الخالص منها الثابت فى الدين ، و الجزم . تؤل : فى جواب الامر بالتمسّك . و كنان الدعة : مواطن الراحة من العذاب و هى : غرفات الجنة و منازلها و هى : اوطان السعة . و المعاقل :

المحارز و هى : منازل العزّفى جوار الله . و الصروم : جمع صرمة و هى : القطعة من الابل نحو الثلاثين . و العشار : النوق أتى عليها بعد طروق الفحل عشرة اشهر . و الشّم الشوامخ :

الجبال العالية . و معهدها : ما كان مسكونا . و القاع : الخالى . و السملق : الصفصف المستوى .

منها : 1

بعثه حين لا علم قائم ، و لا منار ساطع ، و لا منهج واضح : أوصيكم عباد اللّه ، بتقوى اللّه ، و أحذّركم الدّنيا ، فإنّها دار شخوص ، و محلّة تنغيص ، ساكنها ظاعن ، و قاطنها بائن ،

-----------
( 1 ) فى الشرح الكبير ج 3 ص 437 وردت بقية الخطبة مستقلة و برقم 187 .

[ 369 ]

تميد بأهلها ميدان السّفينة تقصفها العواصف فى لجج البحار ، فمنهم الغرق الوبق ، و منهم النّاجى على بطون الأمواج ، تحفزه الرّياح بأذيالها ، و تحمله على أهوالها ، فما غرق منها فليس بمستدرك ، و ما نجا منها فإلى مهلك عباد اللّه ، الآن فاعملوا ، و الألسن مطلقة ، و الأبدان صحيحة ، و الأعضاء لدنة ،

و المنقلب فسيح ، و المجال عريض ، قبل إرهاق الفوت ، و حلول الموت ، فحقّقوا عليكم نزوله ، و لا تنتظروا قدومه اقول : استعار لفظ العلم ، و المنار : للهداة الى اللّه . و الساطع : المرتفع . و لفظ المنهج :

للشريعة . و القاطن : المقيم و شبهها بأهلها : كالسفينة براكبها ، و وجه التمثيل قوله :

تقصفها الى آخره . و اشتمل هذا التمثيل على تشبهات ، فالدنيا : كالسفينة فى الريح العاصف ، و تغيّراتها كحركات السفينة . و رميهم بحوادثها : كالأحوال التى تلحق اهل السفينة حينئذ . و قسمتهم الى غريق و بق اى : هالك بحوادثها ، و الى ناج : الى حين مقاساة متاعها و لا بدّ من هلاكه . و اللدن : الناعم ، و الأرهاق : اللحوق ، و تحقيق نزوله :

بذكره و اخطاره بالبال ، و تقدير كونه واقعا بهم . و نهى عن انتظار قدومه : لاستلزام ذلك توهّم بعده ، و التكاسل بسبب ذلك عن العمل .