183 و من خطبة له عليه السّلام

روى عن نوف البكالى قال : خطبنا هذه الخطبة بالكوفة أمير المؤمنين عليه السلام و هو قائم على حجارة نصبها له جعدة بن هبيرة المخزومى ، و عليه مدرعة من صوف ، و حمائل سيفه ليف ، و فى رجليه نعلان من ليف ، و كأن جبينه ثفنة بعير . فقال عليه السلام :

الحمد للّه الّذى إليه مصائر الخلق و عواقب الأمر ، نحمده على عظيم إحسانه ، و نيّر برهانه ، و نوامى فضله و امتنانه ، حمدا يكون لحقّه قضاء ، و لشكره أداء ، و إلى ثوابه مقرّبا ،

و لحسن مزيده موجبا . و نستعين به استعانة راج لفضله ، مؤمّل لنفعه ، واثق بدفعه ، معترف له بالطّول ، مذعن له بالعمل و القول . و نؤمن به إيمان من رجاه موقنا ، و أناب إليه مؤمنا ،

و خنع له مذعنا ، و أخلص له موحّدا ، و عظّمه ممجّدا ، و لاذبه راغبا مجتهدا : لم يولد سبحانه فيكون فى العزّ مشاركا ، و لم يلد فيكون مورثا هالكا ، و لم يتقدّمه وقت و لازمان ، و لم يتعاوره زيادة و لا نقصان ، بل ظهر للعقول بما أرانا من علامات التّدبير المتقن ، و القضاء المبرم .

[ 373 ]

و من شواهد خلقه خلق السّموات موطّدات بلا عمد ، قائمات بلا سند . دعاهنّ فأجبن طائعات مذعنات ، غير متلكّئات و لا مبطئات ، و لو لا إقرارهنّ له بالرّبوبيّة و إذعانهنّ له بالطّواعية لما جعلهنّ موضعا لعرشه و لا مسكنا لملائكته ، و لا مصعدا للكلم الطّيّب و العمل الصّالح من خلقه ، جعل نجومها أعلاما يستدلّ بها الحيران فى مختلف فجاج الأقطار ، لم يمنع ضوء نورها اد لهمام سجف اللّيل المظلم ، و لا استطاعت جلابيب سواد الحنادس أن تردّ ما شاع فى السّموات من تلالؤ نور القمر ، فسبحان من لا يخفى عليه سواد غسق داج ،

و لا ليل ساج فى بقاع الأرضين المتطأطئات ، و لا فى يفاع السّفع المتجاورات ، و ما يتجلجل به الرّعد فى أفق السّماء ، و ما تلاشت عنه بروق الغمام ، و ما تسقط من ورقة تزيلها عن مسقطها عواصف الأنواء و انهطال السّماء ، و يعلم مسقط القطرة و مقرّها ،

و مسحب الذّرّة و مجرّها ، و ما يكفى البعوضة من قوتها ، و ما تحمل الأنثى فى بطنها .

الحمد للّه الكائن قبل أن يكون كرسى أو عرش ، أو سماء أو أرض ، أو جانّ أو إنس لا يدرك بوهم ، و لا يقدّر بفهم ، و لا يشغله سائل ، و لا ينقصه نائل ، و لا ينظر بعين ، و لا يحدّ بأين ، و لا يوصف بالأزواج ، و لا يخلق بعلاج ، و لا يدرك بالحواسّ ، و لا يقاس بالنّاس .

الّذى كلّم موسى تكليما ، و أراه من آياته عظيما ، بلا جوارح و لا أدوات ، و لا نطق و لا لهوات . بل إن كنت صادقا أيّها المتكلّف لوصف ربّك ، فصف جبرائيل و ميكائيل و جنود الملائكة المقرّبين فى حجرات القدس مرجحنّين ، متولّهة عقولهم أن يحدّوا أحسن الخالقين . فإنّما يدرك بالصّفات ذو و الهيئات و الأدوات ، و من ينقضى إذا بلغ أمد حدّه بالفناء فلا إله إلاّ هو أضاء بنوره كلّ ظلام ، و أظلم بظلمته كلّ نور .

أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه الّذى ألبسكم الرّياش ، و أسبغ عليكم المعاش و لو أنّ أحدا يجد إلى البقاء سلّما أو إلى دفع الموت سبيلا لكان ذلك سليمان بن داود عليه السّلام : الّذى سخّر له ملك الجنّ و الإنس مع النّبوّة و عظيم الزّلفة ، فلمّا استوفى طعمته ، و استكمل مدّته ، رمته قسىّ الفناء بنبال الموت ، و أصبحت الدّيار منه خالية ،

و المساكن معطّلة ، و ورثها قوم آخرون ، و إنّ لكم فى القرون السّالفة لعبرة أين العمالقة و أبناء العمالقة ؟ أين الفراعنة و أبناء الفراعنة ؟ أين أصحاب مدائن الرّسّ الّذين قتلوا النّبيّين . و أطفأوا سنن المرسلين ، و أحيوا سنن الجبّارين ؟ أين الّذين ساروا بالجيوش ،

[ 374 ]

و هزموا بالألوف ، و عسكروا العساكر ، و مدّنوا المدائن ؟ اقول : نقل الجوهرى : انّ نوف البكالى ، بفتح الباء و تخفيف الكاف كان صاحب عليّ عليه السلام ، و نقل عن ثعلب انّه منسوب الى بكالة قبيلة ، و قال القطب الراوندى 1 رحمه اللّه : هو منسوب الى بكال ، حىّ من همدان ، و يقال : بكيل و هو اكثر ، و قال عبد الحميد بن ابى الحديد 2 : انّما هو بكال بكسر الباء من حمير ، فمنهم هذا الشخص و هو نوف بن فضالة صاحب عليّ عليه السلام ، و جعدة بن هبيرة ابن اخت امير المؤمنين ، امّ هانى .

و ثفنة البعير : ما يقع على الأرض من اعضائه . و نيّر برهانه : ما اظهره لنا من البرهان الواضح على وجوده و كماله . و خنع : خضع . و اذعن : انقاد . و يتعاوره : يختلف عليه .

و علامات التدبير : الاحكام و الاتقان فى مصنوعاته الموجودة على وفق . القضاء المبرم :

اى المحكم . و دعاهن : حكم القدرة الألهية عليهنّ بالدخول فى الوجود . و اجابتهنّ :

دخولهنّ فيه . و غير متلكئات : اى متوقّفات . و الطواعية : الطاعة و اوصاف الدعاء و الاقرار و الاجابة ، و الطاعة : مستعارة لشهادة حال الممكن بذلك . و الأدلهمام : شدّة الظلمة .

و الحندس بكسر الحاء : الليل شديد الظلمة . و اليفاع : المرتفع من الارض . و السفع :

الجبال . و السفعة : سواد مشرب بحمرة و هو لون الجبال غالبا . و جلجلة الرعد : صوته . و ما تلاشت عنه : بروق الغمام اى : ينكشف للأبصار بسبب اضاءتها فكأنها اضمحلت عنه و لم تكشفه لانّ العلم به اشرف لتعلّقه بما لا تدركه ابصار المخلوقين دون ما يضيئه لأدراك الكلّ له . و الانواء : جمع نوء و هو : سقوط نجم من منازل القمر الثمانية و العشرين فى المغرب مع الفجر ، و طلوع رقيبه من المشرق يقابله من ساعته ، فى كل ليلة الى ثلاثة عشر يوما ، ( و هكذا كلّ نجم منها الى انقضاء السنة ما خلا الجبهة فانّ لها اربعة عشر يوما ) 3 .

و انّما اضاف العواصف الى الأنواء : لانّ العرب تضيف الآثار العلويّة من الرياح

-----------
( 1 ) منهاج البراعة 2 181

-----------
( 2 ) شرح ابن ابى الحديد . 10 76 . لسان العرب 11 63

-----------
( 3 ) العبارة بين القوسين غير موجودة فى نسخة ش .

[ 375 ]

و الأمطار و الحرّ و البرد اليها . و سلب تحديده بالاين : سلب الكميّة المتّصلة عنه .

و بالأزواج ، سلب للكم المنفصل عنه اى : ليس فيه اثنينية و تعدّد . و المعالجة : الفعل بآلة و العظيم من آياته ، كما روى انّه كان يسمع الصوت من كل الجهات ليس على حدّ سماع البشر ، و قد ذكرنا كيفية سماع الأنبياء للوحي فى الأصل ، و قيل : اراد الآيات التسع كأنشقاق البحر ، و قلب العصا ثعبانا ، و غيرهما . و حجرات القدس : مقارّ الطهارة عن كدورات الشهوة و الغضب . و المرجحنّ : المائل الى جهة تحت ، و هو مستعار لخضوعهم تحت سلطان عظمته . و الظلام : امّا محسوس فأضاءه نور الكواكب ، او معقول و هو : ظلام العدم و الجهل فأضاءه نور الوجود و العلم و الشرائع . و كذلك النور : امّا محسوس فأظلمه معاقبة الظلام له ، و امّا معقول كأنوار الوجود و النفوس البشريّة فانّها انوار الهية تغشاها ظلمة العدم و الجهل . و الرياش : اللباس . و العماليق : اولاد لاوذ بن ارم بن سام بن نوح ، و كان ملك اليمن و الحجاز ، و ما تاخم ذلك من الأقاليم . و امّا الفراعنة : فهم ملوك مصر . و امّا اصحاب مدائن الرسّ فقيل : انّهم اصحاب شعيب النّبى عليه السلام . و الرسّ : بئر عظيمة جدّا انخسفت بهم و كانوا حولها . و قيل : الرسّ قرية باليمامة كان يسكنها قوم من بقايا ثمود ، و اللّه اعلم .

منها :

قد لبس للحكمة جنّتها ، و أخذها بجميع أدبها : من الإقبال عليها ، و المعرفة بها ،

و التّفرّغ لها ، و هى عند نفسه ضالّته الّتى يطلبها ، و حاجته الّتى يسأل عنها ، فهو مغترب إذا اغترب الإسلام ، و ضرب بعسيب ذنبه و ألصق الأرض بجرانه ، بقيّة من بقايا حجّته ، خليفة من خلائف أنبيائه .

ثم قال عليه السّلام :

أيّها النّاس ، إنّى قد بثثت لكم المواعظ وعظ الأنبياء بها أممهم ، و أدّيت إليكم ما أدّت الأوصياء إلى من بعدهم ، و أدّبتكم بسوطى فلم تستقيموا ، و حدوتكم بالزّواجر فلم تستوسقوا للّه أنتم ، أتتوقّعون إماما غيرى يطأبكم الطّريق ، و يرشدكم السّبيل ؟ ألا إنّه قد أدبر من الدّنيا ما كان مقبلا ، و أقبل منها ما كان مدبرا ، و أزمع التّرحال

[ 376 ]

عباد اللّه الأخيار ، و باعوا قليلا من الدّنيا لا يبقى بكثير من الآخرة لا يفنى ، ما ضرّ إخواننا الّذين سفكت دماؤهم و هم بصفّين أن لا يكونوا اليوم أحياء يسيغون الغصص ، و يشربون الرّنق ؟ قد و اللّه لقوا اللّه فوفّاهم أجورهم ، و أحلّهم دار الامن بعد خوفهم ، أين إخوانى الّذين ركبوا الطّريق و مضوا على الحقّ ؟ أين عمّار ؟ و أين ابن التّيّهان ؟ و أين ذو الشّهادتين ؟

و أين نظراؤهم من إخوانهم الّذين تعاقدوا على المنيّه ، و أبرد برءوسهم إلى الفجرة ؟ قال : ثم ضرب بيده على لحيته الشريفة الكريمة فأطال البكاء ، ثم قال عليه السلام :

أوه على إخوانى الّذين قراؤا القرآن فأحكموه ، و تدبّروا الفرض فأقاموه ، أحيوا السّنّة ،

و أماتوا البدعة ، دعوا للجهاد فأجابوا ، و وثقوا بالقائد فاتّبعوه . ثم نادى باعلى صوته : الجهاد الجهاد عباد اللّه ألا و إنّى معسكر فى يومى هذا ، فمن أراد الرّواح إلى اللّه فليخرج .

قال نوف : و عقد للحسين عليه السلام فى عشرة آلاف ، و لقيس بن سعد رحمه الله في عشرة آلاف ، و لأبى ايوب الانصارى فى عشرة آلاف ، و لغيرهم على اعداد اخر ،

و هو يريد الرجعة الى صفين ، فما دارت الجمعه حتى ضربه الملعون ابن ملجم لعنه الله ،

فتراجعت العساكر فكنّا كأغنام فقدت راعيها تختطفها الذئاب من كل مكان . اقول : الضمير فى لبس : للعارف مطلقا ، و قيل : هو الامام المنتظر . و استعار لفظ الجنّة : للاستعداد بالزهد و العبادة الواقيين له كوقاء الجنة . و المعرفة بها : اى بقدرها و لفظ الضالة لها : باعتبار طلبه ايّاها ، كما قال صلى اللّه عليه و آله : ( الحكمة ضالّة المؤمن ) 1 و قوله : فهو ، الى قوله : الاسلام ، اشارة الى خفائه بين الناس و قلّة وجود مثله ، و غربة الاسلام : قلة لزومه ، و العمل به كما قال صلى اللّه عليه و آله : ( بدأ الاسلام غريبا و سيعود كما بدأ ) 2 و استعار لفظ عسيب الذنب و هو : طرفه ، و لفظ الجران و هو : مقدّم عنق البعير ،

للاسلام ملاحظة لشبهه ايّاه فى سقوطه عند ضعفه . و استوسق الأمر : اجتمع و انتظم . و ازمع : صمم عزمه . و قوله : ما ضرّ ، الى قوله : الرنق : تنبيه على عدم ضرر الموت لأخوانه المذكورين من الصحابة الّذين قتلوا بصفّين . و الرنق ، بالسكون : الكدر . و عمّار : هو عمار ابن ياسر الّذى قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فيه : عمار جلدة ما بين عينى ، تقتله الفئة

-----------
( 1 ) مجمع البحرين 6 46 . التمثيل و المحاضرة 25

-----------
( 2 ) صحيح مسلم 1 130 . النهاية فى غريب الحديث 3 348 .

[ 377 ]

الباغية لا انا لها اللّه شفاعتي 1 . و ابن التيهان : هو ابو الهيثم مالك بن مالك ، و قيل : مالك ابن عمرو بن الحرث التيهان . ذو الشهادتين : هو ابو عمارة خزيمة بن ثابت الانصارى الأوسى ، جعل رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله شهادته بشهادة رجلين لقصة مشهورة . و ابرد :

أرسل . و الفجرة : امراء الشام . و القائد : يعنى نفسه . و قيس : هو ابن سعد بن عبادة الانصارى . و ابو ايّوب : هو خالد بن سعد بن كعب من بنى النجار ، و عليه نزل رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله حين هاجر الى المدينة حتى بنى مسجده و مساكنه .