184 و من خطبة له عليه السّلام

الحمد للّه المعروف من غير رؤية ، الخالق من غير منصبة ، خلق الخلائق بقدرته ، و استعبد الأرباب بعزّته ، و ساد العظماء بجوده . و هو الّذى أسكن الدّنيا خلقه ، و بعث إلى الجنّ و الإنس رسله ، ليكشفوا لهم عن غطائها ، و ليحذّروهم من ضرّائها ، و ليضربوا لهم أمثالها ،

و ليهجموا عليهم بمعتبر من تصرّف مصاحّها و أسقامها ، و ليبصروهم عيوبها و حلالها و حرامها ، و ما أعدّ اللّه للمطيعين منهم و العصاة من جنّة و نار و كرامة و هوان .

أحمده إلى نفسه كما استحمد إلى خلقه ، و جعل لكلّ شى‏ء قدرا ، و لكلّ قدر أجلا ،

و لكلّ أجل كتابا . أقول : نزّهه فى معرفته عن الرؤية ، و فى خالقيته عن التعب ، لاستلزامهما الجسميّة .

و قوله : ليكشفوا لهم اى : اغطية الهيئات البدنيّة ، و اغشية الجهل و كشفها بالتذكير ،

و الموعظة عن اعين بصائرهم ، ليروا ما تغطّى من احوال الآخرة التى خلقوا لها . و ضرّائها :

ما يلزم الغفلة فيها من الضرر الاخروىّ . و باللّه التوفيق .

منها :

فى ذكر القرآن : فالقرآن آمر زاجر ، و صامت ناطق ، حجّة اللّه على خلقه : أخذ عليهم ميثاقه ، و ارتهن عليه أنفسهم ، أتمّ نوره ، و أكمل به دينه ، و قبض نبيّه ، صلّى اللّه عليه و آله ،

و قد فرغ إلى الخلق من أحكام الهدى به ، فعظّموا منه سبحانه ما عظّم من نفسه ، فإنّه لم

-----------
( 1 ) الغدير 9 21 . باسانيد و طرق مختلفة .

[ 378 ]

يخف عنكم شيئا من دينه ، و لم يترك شيئا رضيه أو كرهه ، إلاّ و جعل له علما باديا ، و آية محكمة تزجر عنه أو تدعو إليه ، فرضاه فيما بقى واحد ، و سخطه فيما بقى واحد .

و اعلموا أنّه لن يرضى عنكم بشى‏ء سخطه على من كان قبلكم ، و لن يبسخط عليكم بشى‏ء رضيه ممّن كان قبلكم ، و إنّما تسيرون فى أثر بيّن ، و تتكلّمون برجع قول قد قاله الرّجال من قبلكم ، قد كفاكم مؤونة دنياكم ، و حثّكم على الشّكر ، و افترض من ألسنتكم الذّكر ، و أوصاكم بالتّقوى و جعلها منتهى رضاه و حاجته من خلقه ، فاتّقوا اللّه الّذى أنتم بعينه و نواصيكم بيده ، و تقلّبكم فى قبضته : إن أسررتم علمه ، و إن أعلنتم كتبه ، قد وكّل بكم حفظة كراما ، لا يسقطون حقّا ، و لا يثبتون باطلا ، و اعلموا أنّ من يتّق اللّه يجعل له مخرجا من الفتن ، و نورا من الظّلم ، و يخلده فيما اشتهت نفسه ، و ينزله منزلة الكرامة عنده ،

فى دار اصطنعها لنفسه : ظلّها عرشه ، و نورها بهجته ، و زوّارها ملائكته ، و رفقاؤها رسله .

فبادروا المعاد ، و سابقوا الآجال ، فإنّ النّاس يوشك أن ينقطع بهم الأمل ، و يرهقهم الأجل ، و يسدّ عنهم باب التّوبة ، فقد أصبحتم فى مثل ما سأل إليه الرّجعة من كان قبلكم ، و أنتم بنوسبيل على سفر من دار ليست بداركم ، و قد أوذنتم منها بالارتحال ،

و أمرتم فيها بالزّاد ، و اعلموا أنّه ليس لهذا الجلد الرّقيق صبر على النّار ، فارحموا نفوسكم فإنّكم قد جرّبتموها فى مصائب الدّنيا . أفرأيتم جزع أحدكم من الشّوكة تصيبه و العثرة تدميه ، و الرّمضاء تحرقه ؟ فكيف إذا كان بين طابقين من نار ، ضجيع حجر ، و قرين شيطان ؟ أعلمتم أنّ مالكا إذا غضب على النّار حطم بعضها بعضا لغضبه ، و إذا زجرها توثّبت بين أبوابها جزعا من زجرته ؟ ؟ أيّها اليفن الكبير ، الّذى قد لهزه القتير كيف أنت إذا التحمت أطواق النّار بعظام الأعناق ، و نشبت الجوامع ، حتّى أكلت لحوم السّواعد ؟ فاللّه اللّه ، معشر العباد ، و أنتم سالمون فى الصّحّة قبل السّقم و فى الفسحة قبل الضّيق ، فاسعوا فى فكاك رقابكم من قبل أن تغلق رهائنها : أسهروا عيونكم . و أضمروا بطونكم ، و استعملوا أقدامكم ، و أنفقوا أموالكم ، و خذوا من أجسادكم فجدّدوا بها على أنفسكم و لا تبخلوا بها عنها ، فقد قال اللّه سبحانه : ( إنْ تَنْصُرُوا اللَّه يَنْصُرْكُمْ وَ يُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ) 1 و قال تعالى : ( مَنْ ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ

-----------
( 1 ) سورة محمد ( ص ) 7 .

[ 379 ]

قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَ لَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ؟ ) 1 ، فلم يستنصركم من ذلّ ، و لم يستقرضكم من قلّ ، استنصركم و له جنود السّموات و الأرض و هو العزيز الحكيم ، و استقرضكم و له خزائن السّموات و الأرض و هو الغنىّ الحميد ، و إنّما أراد أن يبلوكم أيكم أحسن عملا ،

فبادروا بأعمالكم تكونوا مع جيران اللّه فى داره رافق بهم رسله ، و أزارهم ملائكته ، و أكرم أسماعهم أن تسمع حسيس نار أبدا ، و صان أجسادهم أن تلقى لغوبا و نصبا ( ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء ، و اللّه ذو الفضل العظيم ) 1 . أقول ما تسمعون ، و اللّه المستعان على نفسى و أنفسكم . و هو حسبى و نعم الوكيل . أقول : استعار للقرآن الأوصاف المتضادّة باعتبارات مختلفة . و أخذ عليه اى :

على العمل بما فيه ، و ما : مصدريّة اى : فعظّموه تعظيما يناسب تعظيمه لنفسه . و قوله :

فرضاه ، الى قوله : واحد ، اى : انّ الرضى له من الاحكام و المسخوط فيما مضى هو المرضىّ ، و المسخوط فيما بقى و استقبل من الزمان ، و حكمه فى كونه مرضيا او مسخوطا واحد فى جميع الاوقات ، و فيه ايماء الى انّ رفع شى‏ء من الاحكام بالرأى و القياس المتعارف لا يجوز . و كذلك قوله : و اعلموا ، الى قوله : قبلكم : تأكيد له . و قوله :

و انّما تسيرون ، الى قوله : قبلكم اى : انّ الادلّة لكم واضحة قد تداولها الاوّلون قبلكم و انتم تتكلّمون بما تردّد منها فى الألسنة السابقة . و رجع القول : المردّد منه ، و كونهم بعينه اى : بحيث يبصرهم و يعلم ما يفعلون . و لفظ العين : مجاز فى العلم و خصّ النواصي بالأخذ : لانّها أشرف و القدرة على الاشرف أتمّ و اقوى ، و لأنه تعالى فى اعتبار الاوهام فى جهة فوق فاخذه اوّلا يكون بالنواصى . و الدار التى اصطنعها لنفسه : الجنّة . و كون ظلها عرشه : يقتضى انّها فى السماوات . و بهجته : يعود الى بهائه و جماله المعقول المشرق على نفوس أهل الجنة . و رفقاؤها : الرفقاء فيها : و حسن اولئك رفيقا . و يوشك :

يقرب . و يرهقهم : يدركهم . و قوله : فقد اصبحتم . الى قوله : قبلكم ، اى : فى حال الحياة من الصحة ، و التمكّن من العمل ، و هو ما يتمنّاه من مضى قبلكم ، لقولهم : « يا ليتنا نردّ فنعمل غير الّذى كنّا نعمل » 3 . و كونهم بنى سبيل : باعتبار انّهم فى هذه الدار غرباء

-----------
( 1 ) سورة البقرة 245 .

-----------
( 2 ) سورة الحديد 21 .

-----------
( 3 ) سورة فاطر 37 .

[ 380 ]

تسوقهم العناية الالهية الى غاية اخرى . و ضجيع حجر : كقوله : ( وقودها الناس و الحجارة ) 1 . و قرين شيطان : كقوله تعالى : ( فكبكبوا فيهاهم و الغاوون و جنود ابليس اجمعون ) 2 . و اليفن : الشيخ الكبير . و لهزه : خالطه . و القتير : الشيب . و الجامعة : الغلّ لجمعها الأيدى الى الاعناق . و اللغوب : التعب . و الفصل واضح و باللّه التوفيق .