186 و من خطبة له عليه السّلام

روى أن صاحبا لأمير المؤمنين عليه السلام يقال له : همام كان رجلا عابدا ، فقال له : يا امير المؤمنين ، صف لى المتقين حتى كأنى أنظر إليهم فتثاقل عليه السلام عن جوابه ، ثم قال :

يا همّام اتّق اللّه و أحسن ( إنّ اللّه مع الّذين اتّقوا و الّذين هم محسنون ) 3 فلم يقنع همام

-----------
( 1 ) سورة البقرة 24 . و سورة التحريم 6 .

-----------
( 2 ) سورة الشعراء 94 95

-----------
( 3 ) سورة النحل 128 .

[ 381 ]

بهذا القول حتى عزم عليه ، فحمد اللّه و أثنى عليه ، و صلى على النبى صلى اللّه عليه و آله ،

ثم قال :

أمّا بعد ، فإنّ اللّه سبحانه و تعالى خلق الخلق حين خلقهم غنيّا عن طاعتهم ، آمنا من معصيتهم ، لأنّه لا تضرّه معصية من عصاه ، و لا تنفعه طاعة من أطاعه ، فقسم بينهم معايشهم ، و وضعهم من الدّنيا مواضعهم ، فالمتّقون فيها هم أهل الفضائل :

منطقهم الصّواب ، و ملبسهم الاقتصاد ، و مشيهم التّواضع ، غضّوا أبصارهم عمّا حرّم اللّه عليهم ، و وقفوا أسماعهم على العلم النّافع لهم ، نزّلت أنفسهم منهم فى البلاء كالّتى نزّلت فى الرّخاء ، و لو لا الاجل الّذى كتب عليهم لم تستقرّ أرواحهم فى أجسادهم طرفة عين شوقا إلى الثّواب ، و خوفا من العقاب ، عظم الخالق فى أنفسهم فصغر ما دونه فى أعينهم ، فهم و الجنّة كمن قد رآها ، فهم فيها منعّمون ، و هم و النّار كمن قدرآها ، فهم فيها معذّبون : قلوبهم محزونة ، و شرورهم مأمونة ، و أجسادهم نحيفة ، و حاجاتهم خفيفة ،

و أنفسهم عفيفة ، صبروا أيّاما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة . تجارة مربحة يسّرها لهم ربّهم ،

أرادتهم الدّنيا فلم يريدوها ، و أسرتهم ففدوا أنفسهم منها . أمّا اللّيل فصافّون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن : يرتّلونه ترتيلا ، يحزنون به أنفسهم ، و يستثيرون دواء دائهم ، فإذا مرّوا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا ، و تطلّعت نفوسهم إليها شوقا ، و ظنّوا أنّها نصب أعينهم ، و إذا مرّوا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم ، و ظنّوا أنّ زفير جهنّم و شهيقها فى أصول آذانهم ، فهم حانون على أوساطهم ، مفترشون لجباههم و أكفّهم و ركبهم و أطراف أقدامهم ،

يطّلبون إلى اللّه تعالى فى فكاك رقابهم و أمّا النّهار فحلماء علماء ، أبرار أتقياء ، قد براهم الخوف برى القداح ينظر إليهم النّاظر فيحسبهم مرضى ، و ما بالقوم من مرض ، و يقول قد خولطوا : و لقد خالطهم أمر عظيم : لا يرضون من أعمالهم القليل ، و لا يستكثرون الكثير ، فهم لأنفسهم متّهمون ، و من أعمالهم مشفقون ، إذا زكّى أحدهم ، خاف ممّا يقال له فيقول :

أنا أعلم بنفسى من غيرى ، و ربّى أعلم بى منّى بنفسى . اللّهمّ لا تؤاخذنى بما يقولون ،

و اجعلنى أفضل ممّا يظنّون ، و اغفر لى ما لا يعلمون .

فمن علامة أحدهم : أنّك ترى له قوّة فى دين ، و حزما فى لين ، و إيمانا فى يقين ،

و حرصا فى علم ، و علما فى حلم ، و قصدا فى غنى ، و خشوعا فى عبادة ، و تجمّلا فى فاقة ،

[ 382 ]

و صبرا فى شدّة ، و طلبا فى حلال ، و نشاطا فى هدى ، و تحرّجا عن طمع ، يعمل الأعمال الصّالحة و هو على وجل ، يمسى و همّه الشّكر ، و يصبح و همّه الذّكر ، يبيت حذرا ، و يصبح فرحا ، حذرا لما حذّر من الغفلة ، و فرحا بما أصاب من الفضل و الرّحمة . إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره لم يعطها سؤلها فيما تحبّ ، قرّة عينه فيما لا يزول ، و زهادته فيما لا يبقى ،

يمزج الحلم بالعلم ، و القول بالعمل ، تراه قريبا أمله ، قليلا زلله ، خاشعا قلبه ، قانعة نفسه ،

منزورا أكله ، سهلا أمره ، حريزا دينه ، ميتة شهوته ، مكظوما غيظه ، الخير منه مأمول . و الشّرّ منه مأمون ، إن كان فى الغافلين كتب فى الذّاكرين ، و إن كان فى الذّاكرين لم يكتب من الغافلين ، يعفو عمّن ظلمه ، و يعطى من حرمه ، و يصل من قطعه ، بعيدا فحشه ، لينّا قوله ،

غائبا منكره ، حاضرا معروفه ، مقبلا خيره ، مدبرا شرّه ، فى الزّلازل و قور ، و فى المكاره صبور ، و فى الرّخاء شكور ، لا يحيف على من يبغض ، و لا يأثم فيمن يحبّ يعترف بالحقّ قبل أن يشهد عليه ، لا يضيع ما استحفظ ، و لا ينسى ما ذكّر ، و لا ينابز بالألقاب ، و لا يضارّ بالجار ، و لا يشمت بالمصائب ، و لا يدخل فى الباطل ، و لا يخرج من الحقّ . إن صمت لم يغمّه صمته ، و إن ضحك لم يعل صوته ، و إن بغى عليه صبر حتّى يكون اللّه هو الّذى ينتقم له . نفسه منه فى عناء ، و النّاس منه فى راحة . أتعب نفسه لآخرته ، و أراح النّاس من نفسه .

بعده عمّن تباعد عنه زهد و نزاهة ، و دنوّه ممّن دنا منه لين و رحمة . ليس تباعده بكبر و عظمة ، و لا دنوّه بمكر و خدعة .

قال : فصعق همام صعقة كانت نفسه فيها ، فقال أمير المؤمنين عليه السلام :

أما و اللّه لقد كنت أخافها عليه ثمّ قال : أهكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها ؟ فقال له قائل : فما بالك يا أمير المؤمنين فقال : ويحك إنّ لكلّ أجل وقتا لا يعدوه ، و سببا لا يتجاوزه ، فمهلا لا تعد لمثلها ، فإنّما نفث الشّيطان على لسانك أقول : هو همّام بن شريح كان من شيعة علّي عليه السلام . و المتقوّن : هم الّذين استجمعوا الفضائل النفسانية المتعلقة بصلاح قوّتى العلم ، و العمل ، و قد اشار عليه السلام فيها الى نيف و سبعين ، فضيلة عدّدناها فى الأصل 1 . و الصواب فى القول : هو فضيلة

-----------
( 1 ) الشرح الكبير 3 414 425 .

[ 383 ]

اللسان ، و هو : قول ما ينبغي دون مالا ينبغى . و استعار لفظ الملبس : للاقتصاد فى الأمور باعتبار ملازمتهم له . و قوله : نزلت ، الى قوله : الرخاء : كمالا يبطر برخاء يصيبها كذلك لا يقنط من بلاء ينزل بها ، و التقدير كالنزول الّذى نزلته فى الرخاء ، و يحتمل ان يريد بالّذى الذين . و تشبيههم بمن قدر أى الجنة أى : فى قوّة يقينهم بما وعد المتّقون . و بمن قدرأى النار : فى قوّة يقينهم بوعيد أهلها ، و ذلك عن مشاهدتهم بأعين أبصارهم حقائق الوعد و الوعيد ، و بحسب ذلك يكون غلبة الخوف و الرجاء عليهم ، و تنعمهم باللذّة و عذابهم بألم ما يتصوّرونه و يخافه أجسادهم : لهجرهم الترف و الملاذ الدّنيوية ، و نصبهم فى العبادة . و تجارة : مصدر . و دائهم : هو الجهل . و دوائهم : ما اشتمل عليه القرآن من الأسرار و الفضائل . و حنّوهم على اوساطهم : كيفية ركوعهم . و القدح : السهم لا ريش له ، و وجه الشبه به شدّة النحافة و قد يعرض لبعض العارفين اختلاط فى القول ، عند اتصال نفسه بالملأ الأعلى ، و اشتغال سرّه بالأنوار الالهية فربّما يكلّم بما يخرج عن المتعارف .

و الحزم فى اللين : ان يكون لينه حزما و فى موضعه لا عن مهانة و ذلّة . و القصد فى الغنى :

فضيلة العدل فيه دون الاسراف و البخل ، او دون تجاوز الحدّ فى طلب الدنيا و الوقوف فى حدّ الحاجة ، و المسلة و الوجل فى العمل الصالح من ان يكون على غير الوجه المرضىّ للّه ،

كما روى عن زين العابدين عليه السلام ، انّه كان فى التلبية و هو على راحلته اذ خرّ مغشيّا عليه فلما أفاق قيل : له فى ذلك ، فقال : خشيت ان تقول : لا لبّيك و لا سعديك .

و سهولة امره : فى كونه لا يتكلّف و لا يكلف . و حرز دينه : حفظه من التساهل فيه .

و قوله : ان كان من الغافلين : أى فى نظر الناس كتب فى الذاكرين عند اللّه لاشتغال سرّه به . و الفحش : قول مالا ينبغى . و الزلازل : الفتن الكبار و الامور العظام . و عدم اثمه فيمن يحب : ان لا يتّبع الهوى فى رضاه . و المنابزة : المراماة بالألقاب التى ينادى بها . و لا يغمّه صمته : لكونه حكمة . و لا يعلو ضحكه : لغلبة ذكر الموت عليه . و نفسه منه فى عناء اى :

الامّارة لمقاومته ايّاها و كسره لها . و باقى الفصل واضح .

[ 384 ]