188 و من خطبة له عليه السّلام

يعلم عجيج الوحوش فى الفلوات ، و معاصى العباد فى الخلوات ، و اختلاف النّينان فى البحار الغامرات ، و تلاطم الماء بالرّياح العاصفات ، و أشهد أنّ محمّدا نجيب اللّه ،

و سفير وحيه ، و رسول رحمته .

أمّا بعد ، فأوصيكم بتقوى اللّه الّذى ابتدأ خلقكم ، و إليه يكون معادكم ، و به نجاح طلبتكم ، و إليه منتهى رغبتكم ، و نحوه قصد سبيلكم ، و إليه مرامى مفزعكم ، فانّ تقوى اللّه دواء داء قلوبكم ، و بصر عمى أفئدتكم ، و شفاء مرض أجسادكم ، و صلاح فساد صدوركم ، و طهور دنس أنفسكم ، و جلاء غشاء أبصاركم ، و أمن فزع جأشكم ، و ضياء سواد ظلمتكم ، فاجعلوا طاعة اللّه شعارا دون دثاركم ، و دخيلا دون شعاركم ، و لطيفا بين

[ 386 ]

أضلاعكم ، و أميرا فوق أموركم ، و منهلا لحين ورودكم ، و شفيعا لدرك طلبتكم ، و جنّة ليوم فزعكم ، و مصابيح لبطون قبوركم ، و سكنا لطول وحشتكم ، و نفسا لكرب مواطنكم ، فانّ طاعة اللّه حرز من متالف مكتنفة ، و مخاوف متوقّعة ، و أوار نيران موقدة . فمن أخذ بالتّقوى عزبت عنه الشّدائد بعد دنوّها ، و احلولت له الأمور بعد مرارتها ، و انفرجت عنه الأمواج بعد تراكمها ، و أسهلت له الصّعاب بعد إنصابها ، و هطلت عليه الكرامة بعد قحوطها ، و تحدّبت عليه الرّحمة بعد نفورها ، و تفجّرت عليه النّعم بعد نضوبها ، و وبلت عليه البركة بعد إرذاذها .

فاتّقوا اللّه الّذى نفعكم بموعظته ، و وعظكم برسالته ، و امتنّ عليكم بنعمته ، فعبّدوا أنفسكم لعبادته ، و اخرجوا إليه من حقّ طاعته .

ثمّ إنّ هذا الإسلام دين اللّه الّذى اصطفاه لنفسه ، و اصطنعه على عينه ، و أصفاه خيرة خلقه ، و أقام دعائمه على محبّته ، أذلّ الأديان بعزّته ، و وضع الملل برفعه ، و أهان أعداءه بكرامته ، و خذل محادّيه بنصره ، و هدم أركان الضّلالة بركنه ، و سقى من عطش من حياضه ،

و أتاق الحياض لمواتحه ، ثمّ جعله لا انفصام لعروته ، و لا فكّ لحلقته ، و لا انهدام لأساسه ،

و لا زوال لدعائمه ، و لا انقلاع لشجرته ، و لا انقطاع لمدّته ، و لا عفاء لشرائعه ، و لا جذّ لفروعه ، و لا ضنك لطرقه ، و لا وعوثة لسهولته ، و لا سواد لوضحه ، و لا عوج لانتصابه ،

و لا عصل فى عوده ، و لا وعث لفجّه ، و لا انطفاء لمصابيحه ، و لا مرارة لحلاوته . فهو دعائم أساخ فى الحقّ أسناخها ، و ثبّت لها أسسها ، و ينابيع غزرت عيونها ، و مصابيح شبّت نيرانها ، و منار اقتدى بها سفّارها ، و أعلام قصد بها فجاجها ، و مناهل روى بها ورّادها :

جعل اللّه فيه منتهى رضوانه ، و ذروة دعائمه ، و سنام طاعته ، فهو عند اللّه وثيق الأركان ،

رفيع البنيان ، منير البرهان ، مضى‏ء النّيران ، عزيز السّلطان ، مشرف المنار ، معوز المثار ،

فشرّفوه ، و اتّبعوه ، و أدّوا إليه حقّه ، وضعوه مواضيعه .

ثمّ إنّ اللّه بعث محمّدا ، صلى اللّه عليه و آله و سلم ، بالحقّ حين دنا من الدّنيا الانقطاع ، و أقبل من الآخرة الاطّلاع : و أظلمت بهجتها بعد إشراق ، و قامت بأهلها على ساق ، و خشن منها مهاد ، و أزف منها قياد ، فى انقطاع من مدّتها ، و اقتراب من أشراطها ،

و تصرّم من أهلها ، و انفصام من حلقتها ، و انتشار من سببها ، و عفاء من أعلامها ، و تكشّف من عوراتها ، و قصر من طولها . جعله اللّه بلاغا لرسالته ، و كرامة لأمّته ، و ربيعا لأهل زمانه ،

[ 387 ]

و رفعة لأعوانه ، و شرفا لأنصاره .

ثمّ أنزل عليه الكتاب نورا لا تطفأ مصابيحه ، و سراجا لا يخبو توقّده ، و بحرا لا يدرك قعره ، و منهاجا لا يضلّ نهجه ، و شعاعا لا يظلم ضوءه ، و فرقانا لا يخمد برهانه ، و تبيانا لا تهدم أركانه ، و شفاء لا تخشى أسقامه ، و عزّا لا تهزم أنصاره ، و حقّا لا تخذل أعوانه . فهو معدن الايمان و بحبوحته ، و ينابيع العلم و بحوره ، و رياض العدل و غدرانه ، و أثافىّ الإسلام و بنيانه ، و أودية الحقّ و غيطانه . و بحر لا ينزفه المنتزفون ، و عيون لا ينضبها الماتحون ، و مناهل لا يغيضها الواردون ، و منازل لا يضلّ نهجها المسافرون ، و أعلام لا يعمى عنها السّائرون ، و آكام لا يجوز عنها القاصدون ، جعله اللّه ريّا لعطش العلماء ، و ربيعا لقلوب الفقهاء ، و محاجّ لطرق الصّلحاء ، و دواء ليس بعده داء ، و نورا ليس معه ظلمة ،

و حبلا وثيقا عروته ، و معقلا منيعا ذروته ، و عزّا لمن تولاّه ، و سلما لمن دخله ، و هدى لمن ائتمّ به ، و عذرا لمن انتحله ، و برهانا لمن تكلّم به ، و شاهدا لمن خاصهم به ، و فلجا لمن حاجّ به ، و حاملا لمن حمله ، و مطيّة لمن أعمله ، و آية لمن توسّم ، و جنّة لمن استلأم ، و علما لمن وعى ، و حديثا لمن روى ، و حكما لمن قضى . أقول : العجيج : رفع الصوت ، و افاد : انّه يعلم أصواتها حين يجأر اليه فى جدب الارض و قلة العشب 1 . و النينان : جمع نون و هو : الحوت . و المفزع : مصدر و يقال : فلان مرمى قصدى اى : اليه مفزعى فى المهمّات . و داء قلوبهم و عمى افئدتهم : هو الجهل و الرذائل النفسانية . و شفاء مرضى أجسادهم ، امّا دينا : فلقوّة نفس المتقى على استنزال الشفاء بصالح الدعاء ، و امّا طبّا : فلانّ التقوى تستلزم قلة المأكل و المشارب ، و استعمالهما بقدر الحاجة ، و قد علمت ما فى الاستكثار منها من المضار البدنيّة كما قال صلى اللّه عليه و آله : ( المعدة بيت الادواء ) 2 . و صلاح فساد صدورهم : من الرذائل النفسانية . و دنس النفوس : بنجاسات الهيئات الرّديّة . و استعار لفظ العشا : لما يعرض من ظلمة الجهل الحاجبة عن ادراك الحقائق . و الجأش : القلب ، و كذلك استعار لفظ سواد الظلمة :

-----------
( 1 ) جملة : و قلة العشب . غير موجودة فى ش

-----------
( 2 ) فى بعض الروايات ( المعدة بيت الداء و الحمية رأس كل دواء ) نهج الفصاحة 625 . سفينة البحار 1 345 .

[ 388 ]

للجهل ، و لفظ الشعار : و هو مايلى الجسد من الثياب : للتقوى و هو امر بلزومها ، و مباشرة القلوب بها ، اذ الشعار ادخل من الدثار . ثم اكّد امرهم بلزومها باتخاذّها دخيلا تحت الشعار و هو : الأمر بالاخلاص فيها ، و جعلها ملكة ، و فسرّ ذلك بقوله : و لطيفا بين اضلاعكم ، و كنى بلفظها : عن تصوّرها و اعتقادها . و بكونها بين اضلاعهم : عن ايداعها القلوب . و استعار لفظ الأمر : لها باعتبار وجوب الزامها و الائتمار لها . و لفظ المنهل و هو :

المورد باعتبار انّها : مظنّة التروّى من شراب الأبرار . و لفظ المصباح : لأضاءتها القلوب .

و المتالف المكتنفة : و هى الرذائل ، تكتنف النفس فتوبقها . و المخاوف المتوقّعة : اهوال الآخرة . و اوار النيران : حرّها . و عزبت : غابت ، و مرارة الأذى ، اللازم عنها كما يلزم عن الفقر و نحوه . و لما كان ذلك شعار المتّقين ، كان أحلى فى نفوسهم من كلّ شعار ، و ان كان مرّا فى اذواقهم فى اوّل الامر . و استعار لفظ الأمواج : لأهوال الدنيا و غمومها .

و لما كانت التقوى تستلزم سهولة تلك الشدائد كان ذلك تفريجا لها ، و يحتمل ان يريد بالأمواج : الهيئات البدنية الرديّة ، اذ بالتقوى تزول و تنفرج . و سهولة صعاب امور الدنيا على المتّقين اشرف ما هم بصدده من المطالب الجليّة . و انصابها : اتعابها ، و الكرامات :

تعود الى الافاضات العالية الهاطلة على نفوسهم ، و يحتمل ان يريد : الغيث عند القحط ،

فانّ نفوس المتقين تستنزله بدعائها . و التحدّب : التعطّب . و عبّدوا : ذلّلوا . و اصطنعه على عينه اى : على علم منه و عناية به . و اصفاه خيرة خلقه : اخلصه له . و دعائم الدين : قواعده الثابتة فى قلوب المؤمنين . و اقامتها على محبّته : فى قوله تعالى : ( قل ان كنتم تحبّون اللَّه فاتّبّعوني يحببكم اللَّه ) 1 فكان اتّباعه عليه السلام و اقامته لتلك الدّعائم به مبنيّا على محبّة اللّه . و يحتمل عود الضمير الى النبى صلى اللّه عليه و آله اذ لو لا محبته ، و لزوم اتّباعه لم يقم الدين . و محادّوه : معادّوه ، و استعار لفظ اركان الضلالة : لأهلها . و وصف السقى :

لافاضة علوم الدين ، و لفظ الحياض : لعلماء الاسلام الّذين هم اوعية العلوم و الحكمة :

و لفظ المواتح : و هم المستقون لائمة الدين ايضا من الصحابة . و لفظ الحياض :

للمستفيدين . و اتأق : املأ . و لفظ العروة : لما يتمسّك به الانسان منه كالعقائد الحقّة و مكارم الاخلاق . و لفظ الحلقة : لجماعته و أهله . و لفظ الأساس : للكتاب و السنة . و

-----------
( 1 ) سورة آل عمران 31 .

[ 389 ]

لفظ الدعائم : لاهله و لقوانينه . و لفظ الشجرة : لأصله . و وصف الجدّ لانقطاع المسائل و الابحاث المتفرّعة عليه و تناهيها . و الضنك : الضيق . و الوعوثة : الصعوبة . و لفظ الوضح :

و هو الضوء لأنواره القائدة الى اللّه . و لفظ السواد : لما يكدّرها من الشبه . و لفظ المصابيح :

لعلمائه . و لفظ الدعائم : لقواعده و هى : العبادات لقوله صلى اللّه عليه و آله : ( بنى الاسلام على خمس ) . و الاسناخ : الاصول . و اساخها : اثبتها و ادخلها فى الحق ، و هو اشارة الى كون العبادات مبنيّة على اسرار من الحق عميقة . و لفظ الينابيع : لأصوله و هى الكتاب و السنة ، باعتبار تفجّر العلوم عنهما : و لفظ العيون : لمبادئ تلك الينا بيع حيث صدرت . و شبّت النار : الهبت . و لفظ المنار و الأعلام : لأمارات احكام اللّه و ادلّته . و لفظ المسافرين : لسالكى سبيل اللّه . و الضمير فى دعائمه : للّه . و دعائمه : دعائم دينه و قواعده التى جعلها عمدة لخلقه فى صلاح أحوالهم . و لفظ الذروة : للاسلام باعتبار شرفه على سائر الاديان فهو كالذروة لها . و لفظ البنيان : لما ارتقى اليه اهله من الشرف و الفضيلة .

و لفظ البرهان : للقرآن . و لفظ النيران : لعلومه . و اشراف مناره : علوّ قدر ائمته .

و معوذ المنار اى : يعجز الخلق عن اثارة دفائنه . و روى المنال و المثال . و ازف :

دنا . و القياد : حبل يقاد به الدابّة اى : دنا منها قيادها للرحيل . و استعار لفظ السبب و هو الحبل : لما احكم من امورها . و الضمير فى جعله : للنبى عليه السلام ، و نورا و المنصوبات بعده : احوال 1 للكتاب . و بحبوحته : وسطه . و الغيطان : الامكنة المطمئنة من الأرض جمع غائط . و استعار لفظ المنزل : لمقاصد الكتاب باعتبار وقوف الأذهان عندها بعد قصدها .

و لفظ الاعلام : لادلّته . و المعقل : الحبل يعتصم به . و عذرا لمن انتحله اى : لمن نسب نفسه الى حمله و انّه من أهله معتذرا من تكليف شاقّ . و الفلج : الفوز و الظفر . و حملة لمن حمله : قيامه بصلاح حاله فى الدارين . و استعار له لفظ المطيّة : لادائه بصاحبه فى سبيل اللّه الى الجنّة . و المتوسّم : المتدبّر لآياته و عبره كقوله تعالى : ( انّ فى ذلك لآيات للمتوسّمين ) 2 و المستلئم : الذى يتّخذه لامة . و اللاّمة : الدرع . و حديثا لمن روى : باعتبار ما فيه من قصص الاوّلين او قولا و كلاما لمن نقله كما قال اللّه تعالى : ( اللَّه الّذى نزّل

-----------
( 1 ) في ش : بعده الكتاب

-----------
( 2 ) سورة الحجر 75 .

[ 390 ]

احسن الحديث ) 1 . و فائدة وصفه بذلك انّ فيه غنية لمن اراد ان يتحدّث بحديث غيره مما لا يفيد فائدته . و حكما اى : فيه الحكم لمن قضى ، و روى : حكما اى حاكما .