189 و من خطبة له عليه السّلام كان يوصى به أصحابه

تعاهدوا أمر الصّلاة ، و حافظوا عليها ، و استكثروا منها ، و تقرّبوا بها ، فإنّها كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ، ألا تسمعون إلى جواب أهل النّار حين سئلوا : ( مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَر ؟

قَالُوا : لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ . ) 2 و إنّها لتحتّ الذّنوب حتّ الورق ، و تطلقها إطلاق الرّبق ،

و شبّهها رسول اللّه ، صلى اللّه عليه و آله و سلم ، بالحمّة تكون على باب الرّجل فهو يغتسل منها فى اليوم و اللّيلة خمس مرّات ، فما عسى أن يبقى عليه من الدّرن ؟ و قد عرف حقّها رجال من المؤمنين الّذين لا تشغلهم عنها زينة متاع ، و لا قرّة عين من ولد و لا مال . يقول اللّه سبحانه : ( رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَ لاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ إقَامَ الصَّلاَةِ وَ إيتَاءِ الزَّكَاةِ ) 3 . و كان رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نصبا بالصّلاة بعد التّبشير له بالجنّة ، لقول اللّه سبحانه : ( وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بالصَّلاَةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْهَا ) فكان يأمر أهله ، و يصبر عليها نفسه .

ثمّ إنّ الزّكاة جعلت مع الصّلاة قربانا لأهل الإسلام ، فمن أعطاها ، طيّب النّفس بها ، فإنّها تجعل له كفّارة ، و من النّار حجازا و وقاية . فلا يتبعنّها أحد نفسه ، و لا يكثرنّ عليها لهفه ، فإنّ من أعطاها غير طيّب النّفس بها يرجو بها ما هو أفضل منها فهو جاهل بالسّنّة ، مغبون الأجر ، ضالّ العمل ، طويل النّدم .

ثمّ أداء الأمانة ، فقد خاب من ليس من أهلها ، إنّها عرضت على السّموات المبنيّة ،

و الأرضين المدحوّة ، و الجبال ذات الطّول المنصوبة فلا أطول و لا أعرض و لا أعلى و لا أعظم منها ، و لو امتنع شى‏ء بطول أو عرض أو قوّة أو عزّ لامتنعن ، و لكن أشفقن من العقوبة ، و عقلن ما جهل من هو أضعف منهنّ و هو الإنسان ( إنّه كان ظلوما جهولا ) إنّ اللّه سبحانه و تعالى لا يخفى عليه ما العباد مقترفون فى ليلهم ، و نهارهم ، لطف

-----------
( 1 ) سورة الزمر 23 .

-----------
( 2 ) سورة المدثر 42 .

-----------
( 3 ) سورة النور 37 .

[ 391 ]

به خبرا ، و أحاط به علما ، أعضاؤكم شهوده ، و جوارحكم جنوده ، و ضمائر كم عيونه ،

و خلواتكم عيانه . اقول : حاصل الفصل الوصيّة بالمحافظة على امور ثلاثة : و هى : الصلاة و الزكاة و الامانة ، و التنبيه على فضائلها ، و وجوب ادائها . و موقوتا : مفروضا و قيل : منجما فى كلّ وقت و هى : الصلوات الخمس . و قوله : الا تسمعون ، الى قوله : نفسه : دلائل وجوبها و هى ضمائر ذكره صغرياتها . و الربق : جمع ربقة و هى : الحلقة فى الحبل . و الحمة : مجمع الماء و ذلك التشبيه فى قوله صلى اللّه عليه و آله لأصحابه ( أيسر أحدكم أن يكون على بابه حمّة يغتسل منها كلّ يوم و ليلة خمس مرّات فلا يبقى من درنه شى‏ء . فقالوا : نعم ،

قال : فانّها الصلوات الخمس ) 1 . و نصبا : اى تعبا ، و انّما كان معطى الزكاة غير طيب النفس بها ضالّ العمل اذ لم يقصد بها وجهها . و لا اهتدى الى غاية وضعها فى السّنة .

و الاقتراف : الاكتساب . و قد نبّهنا على اسرار العبادات فيما سبق . و باقى الفصل ظاهر .