191 و من كلام له عليه السّلام

أيّها النّاس ، لا تستوحشوا فى طريق الهدى لقلّة أهله ، فإنّ النّاس قد اجتمعوا على مائدة ، شبعها قصير ، وجوعها طويل أيّها النّاس ، إنّما يجمع النّاس الرّضا و السّخط ، و إنّما عقرناقة ثمود رجل واحد فعمّهم اللّه بالعذاب لمّا عمّوه بالرّضا ، فقال سبحانه : ( فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ ) 1 فما كان إلاّ أن خارت أرضهم بالخسفة ، خوار السّكّة المحماة فى الأرض الخوّارة . أيّها النّاس ، من سلك الطّريق الواضح ورد الماء ، و من خالف وقع فى التّيه . اقول : حاصل الفصل ترغيب اصحابه فى البقاء على سلوك طريق الهدى ، و عدم التوحّش فيه لقلة سالكيه ، اذ من العادة ان يستوحش الوحيد فى الطريق ، لعدم الأنيس او لقلّته . و استعار لفظ المائدة : للدنيا و كنى عن قصر مدّتها : بقصر شبعها . و عن استعقاب الانهماك فيها للعذاب الطويل فى الآخرة : بطول جوعها ، و لفظ الجوع : مستعار للحاجة الطويلة بعد الموت الى المطاعم الحقيقية من الكمالات النفسية ، و يحتمل ان يريد بالجوع : فقد الملذّات البدنيّة بالموت . و قوله : ايّها الناس ، الى قوله : السخط ، اى : انّما يجمع الناس فى عذاب اللّه رضاهم بالمنكرات ، و معاصى اللّه و سخطهم لمحابّه من الاعمال ، و ان لم يباشر اكثرهم ذلك ، او انّ سخطهم للمنكرات يكون جامعا لهم فى رحمة اللّه . و مصداق العذاب للرضا بالمنكر قصّة ثمود فى عموم العذاب لهم بفعل عاقر الناقة فانّ العقوبة عمّتهم لعموم الرضا لهم بفعله . و الضمير فى عمّوه : يعود الى الرجل او الى العقر الذى دلّ عليه قوله : عقر . و قوله : فما كان ، الى آخره : تفسير للعذاب النازل .

و خارت : صوتت . و السكة : حديدة الفدّان . و الخوارة : الضعيفة . و استعار لفظ الماء : للعلم

-----------
( 1 ) سورة الشعراء 157 .

[ 393 ]

و الهدى الحاصل لسالكى سبيل اللّه الواضحة . و التيه : تيه الجهل و عمى البصيرة . و قصة خسفهم مشهورة نبّهنا عليها فى الاصل . و باللّه التوفيق .