200 و من كلام له عليه السّلام و قد سأله سائل عن أحاديث البدع ، و عما فى أيدى الناس من اختلاف الخبر

فقال عليه السلام :

إنّ فى أيدى النّاس حقّا و باطلا ، و صدقا و كذبا ، و ناسخا و منسوخا ، و عامّا و خاصّا ،

و محكما و متشابها ، و حفظا و وهما . و لقد كذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، على عهده حتّى قام خطيبا ، فقال : « من كذب علىّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار » 2 .

و إنّما أتاك بالحديث أربعة رجال ليس لهم خامس :

رجل منافق مظهر للإيمان ، متصنّع بالإسلام ، لا يتأثّم و لا يتحرّج يكذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، متعمّدا ، فلو علم النّاس أنّه منافق كاذب لم يقبلوا منه ، و لم يصدّقوا قوله ، و لكنّهم قالوا صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : رآه ، و سمع منه ، و لقف عنه فيأخذون بقوله ، و قد أخبرك اللّه عن المنافقين بما أخبرك ،

و وصفهم بما وصفهم به لك ، ثمّ بقوا بعده عليه و آله السّلام فتقرّبوا إلى أئمّة الضّلالة ،

-----------
( 1 ) في نسخة ش : و عدى نفسه تصغير .

-----------
( 2 ) صحيح مسلم 1 10 . الغدير 5 378 .

[ 399 ]

و الدّعاة إلى النّار بالزّور و البهتان ، فولّوهم الأعمال ، و جعلوهم حكّاما على رقاب النّاس ،

و أكلوا بهم الدّنيا ، و إنّما النّاس مع الملوك و الدّنيا إلاّ من عصم اللّه ، فهذا أحد الأربعة .

و رجل سمع من رسول اللّه شيئا لم يحفظه على وجهه ، فوهم فيه و لم يتعمّد كذبا ،

فهو فى يديه و يرويه و يعمل به ، و يقول : أنا سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، فلو علم المسلمون أنّه و هم فيه لم يقبلوا منه ، و لو علم هو أنّه كذلك لرفضه و رجل ثالث : سمع من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله شيئا يأمر به ثمّ نهى عنه و هو لا يعلم ، أو سمعه ينهى عن شى‏ء ، ثمّ أمر به و هو لا يعلم ، فحفظ المنسوخ ، و لم يحفظ النّاسخ ، فلو علم أنّه منسوخ لرفضه ، و لو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنّه منسوخ لرفضوه .

و آخر رابع : لم يكذب على اللّه ، و لا على رسوله ، مبغض للكذب خوفا من اللّه ، و تعظيما لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و لم يهم ، بل حفظ ما سمع على وجهه ، فجاء به على ما سمعه : لم يزد فيه و لم ينقص منه ، فحفظ النّاسخ فعمل به ، و حفظ المنسوخ فجنّب عنه ، و عرف الخاصّ و العامّ ، فوضع كلّ شى‏ء موضعه ، و عرف المتشابه و محكمه .

و قد كان يكون من رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه و آله ، الكلام له و جهان : فكلام خاصّ ، و كلام عامّ ، فيسمعه من لا يعرف ما عنى اللّه سبحانه به ، و لا ما عنى به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، فيحمله السّامع ، و يوجّهه على غير معرفة بمعناه ، و ما قصد به ، و ما خرج من أجله ، و ليس كلّ أصحاب رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه و آله ، من كان يسأله و يستفهمه ، حتّى إن كانوا ليحبّون أن يجى‏ء الأعرابىّ و الطّارى‏ء فيسأله عليه السّلام حتّى يسمعوا و كان لا يمرّبى من ذلك شى‏ء إلاّ سألت عنه و حفظته ، فهذه وجوه ما عليه النّاس فى اختلافهم ، و عللهم فى رواياتهم . اقول : احاديث البدع : الأحاديث المسرعة بعد الرسول صلّى اللّه عليه و آله ،

و المكذوبة عليه . و الّذى ترتكب منها البدع و هى : محدثات الامور فى الدين بما لا حجة شرعيّة فيه . و الحفظ : ما حفظ عنه عليه السلام . و الوهم : ما غلط فيه فتوّهم مثلا انّه عام و المراد به الخصوص : او انّه ثابت و هو منسوخ ، و وجه الحصر فى قسمة رجال الحديث ،

[ 400 ]

انّ الناقل له المنتسب الى الاسلام ، امّا منافق ، او لا ؟ و الثانى : امّا ان يكون قدوهم فيه او لا ؟ و الثالث امّا ان يكون قد عرف ما يتعلق به من شرائط الرواية او لا يكون . و دّل على الحصر بقوله : ليس لهم خامس و اشار الى الاوّل بقوله : رجل منافق ، الى قوله : فهذا احد الاربعة . و يتصنّع بالاسلام يتزيّن به و يتحلّى به فى عيون أهله . و لا يتأثّم : لا يعترف بالاثم اولا يحجم عنه . و وجه الشبهة فى قبول قوله : ظاهر الاسلام و صحبة الرسول عليه السلام . و خبّر اللّه تعالى عن المنافقين كقوله : ( انّ المنافقين فى الدرك الأسفل من النار ) الآية 1 و نحوها . و وصفهم بالكذب فى قوله تعالى : ( و اللَّه يَشْهَدُ انّ المنافقين لكاذبون ) 2 و ائمة الضلال : بنو اميّة . و اشار الى الثانى بقوله : و رجل سمع منى ، الى قوله :

لرفضه و الى الثالث بقوله : و رجل ثالث ، الى قوله : لرفضوه . و الى الرابع بقوله : و آخر رابع الى قوله : و محكمه و هو ظاهر .