201 و من خطبة له عليه السّلام

و كان من اقتدار جبروته ، و بديع لطائف صنعته ، أن جعل من ماء البحر الزّاخر المتراكم المتعاصف يبسا جامدا ، ثمّ فطر منه أطباقا ، ففتقها سبع سموات بعد ارتتاقها ،

فاستمسكت بأمره ، و قامت على حدّه ، و أرسى أرضا يحملها الأخضر المثعنجر ، و القمقام المسخّر ، قد ذلّ لأمره ، و أذعن لهيبته ، و وقف الجارى منه لخشيته ، و جبل جلاميدها ، و نشوز متونها و أطوادها ، فأرساها فى مراسيها ، و ألزمها قرارتها . فمضت رؤسها فى الهواء ،

ورست أصولها فى الماء ، فأنهد جبالها عن سهولها ، و أساخ قواعدها فى متون أقطارها و مواضع أنصابها ، فأشهق قلالها ، و أطال أنشازها ، و جعلها للأرض عمادا ، و أرّزها فيها أوتادا ، فسكنت على حركتها من أن تميد بأهلها ، أو تسيخ بحملها ، أو تزول عن مواضعها .

فسبحان من أمسكها بعد موجان مياهها ، و أجمدها بعد رطوبة أكنافها ، فجعلها لخلقه مهادا ، و بسطها لهم فراشا فوق بحر لجّىّ راكد لا يجرى ، و قائم لا يسرى ، تكركره الرّياح

-----------
( 1 ) سورة النساء 145

-----------
( 2 ) سورة المنافقون 1 .

[ 401 ]

العواصف . و تمخضه الغمام الذّوارف ( إنّ فى ذلك لعبرة لمن يخشى ) . اقول : اشار هاهنا الى انّ اصل الاجرام السماويّة و الأرضية : هو الماء . و وصف كيفية تكونّها عنه ، و قد مرّ ذلك فى الخطبة الأولى . و تعاصفه ترادّ أمواجه . و اليبس الجامد الأرض و حدّه هو ما مضى به لها من النهاية . و الضمير فى يحملها لليبس .

و المثعنجر : السيّال كثير الماء . و القمقام : البحر . و جبل : خلق . و جلاميدها : صخورها .

و انهد : رفع . و اساخ : ادخل . و انصابها : جمع نصب و هو لما انتصب منها . و الانشاز : جمع نشز و هو العوالى منها . و ارزّها : غرزها . و روى مخففا اى : اثبتها . و اكنافها : اقطارها .

و تكركره : تردّده و تصرّفه . و الفصل واضح ، و باللّه التوفيق .