204 و من خطبة له عليه السّلام

و أشهد أنّه عدل عدل ، و حكم فصل ، و أشهد أنّ محمّدا عبده و سيّد عباده كلّما نسخ اللّه الخلق فرقتين ، جعله فى خيرهما ، لم يسهم فيه عاهر ، و لا ضرب فيه فاجر .

ألا و إنّ اللّه قد جعل للخير أهلا ، و للحقّ دعائم ، و للطّاعة عصما ، و إنّ لكم عند كلّ طاعة عونا من اللّه : يقول على الألسنة ، و يثبّت الأفئدة ، فيه كفاء لمكتف ، و شفاء لمشتف .

[ 403 ]

و اعلموا أنّ عباد اللّه المستحفظين علمه ، يصونون مصونه ، و يفجّرون عيونه ، يتواصلون بالولاية ، و يتلاقون بالمحبّة ، و يتساقون بكأس رويّة ، و يصدرون بريّة ، لا تشوبهم الرّيبة ،

و لا تسرع فيهم الغيبة ، على ذلك عقد خلقهم و أخلاقهم ، فعليه يتحابّون ، و به يتواصلون ،

فكانوا كتفاضل البذر ينتقى ، فيؤخذ منه و يلقى ، قد ميّزه التّخليص ، و هذّبه التّمحيص ،

فليقبل امرؤ كرامة بقبولها ، و ليحذر قارعة قبل حلولها ، و لينظر امرو فى قصير أيّامه ، و قليل مقامه ، فى منزل حتّى يستبدل به منزلا ، فليصنع لمتحوّله ، و معارف منتقله ، فطوبى لذى قلب سليم أطاع من يهديه ، و تجنّب من يرديه و أصاب سبيل السّلامة ببصر من بصّره ،

و طاعة هاد أمره ، و بادر الهدى قبل أن تغلق أبوابه ، و تقطع أسبابه ، و أستفتح التّوبة ، و أماط الحوبة . فقد أقيم على الطّريق ، و هدى نهج السّبيل . اقول : نسخ الخلق : نقلهم عن أصولهم بالتناسل ، و اراد كلّما اوجد فرقتين من الخلق عن اصولهما جعله فى خيرهما كما قال صلى اللّه عليه و آله : ( انا محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب انّ اللّه خلق الخلق فجعلنى فى خيّرهم ، ثم جعلهم فرقتين ، فجعلنى فى خيّرهم ، ثم جعلهم قبائل ، فجعلنى فى خيّرهم ، ثم جعلهم بيوتا ، فجعلنى فى خيّرهم ، فأنا خيركم بيتا و خيركم نفسا ) . و لم يسهم فيه عاهر : اى : لم يكن للزنا فيه شرك كما قال صلى اللّه عليه و آله : لم يزل ينقلنى اللّه تعالى من اصلاب الطاهرين الى ارحام الطاهرات .

و قوله : عصما ، اى : قوّما و ادلّة يعتصم بها و يلجأ اليها فى المعونة على الطاعة . و قوله : يقول الى قوله الافئدة : تفصيل لوجوه المعونة ، و الضمير فى يقول : اللّه ، او للعون مجازا . و قوله :

على الألسنة : كما فى القرآن الكريم . و تثبيته للأفئدة ، اى : على محبته و طاعته ،

تذكيره تعالى . و لطائف موعظته و وعده و وعيده فى كتابه العزيز كما قال : ( الا بذكر اللَّه تطمئن القلوب 1 ) و ما فيه الكفاية هو ذلك العون . و الولاية بالكسر : الاسم من الولىّ واصله القرب ، و بالفتح : مصدر و اراد انّهم يتواصلون فى قربتهم من اللّه و تجمعهم محبته . و استعار لفظ الكأس الرّوية ، و الرّية الفعلة من الرّى و اراد انّهم لا يعترفون الاّ عن فائدة . و قوله : على ذلك اى على ما عدّد من مكارم الاخلاق فى صفات عباد اللّه ، و لا تشوبهم

-----------
( 1 ) سورة الرعد 28 .

[ 404 ]

الريبة ، اى : لا يتداخلهم شكّ فى الدّين بنفاق او فى صحبتهم . و قوله : فكانوا كتفاضل البدر ، اى : كانوا فى الناس كالبدر المتفاضل ، و يفيد انّهم افضل من غيرهم مع تفاضلهم .

و نبّه على وجه الشبه بقوله : ينتقى ، الى قوله : التمحيص و هو الاختيار . و الكرامة : نصيحته فى طاعة ربّه اى : الحسن التّام . و القارعة : الشديدة من شدائد الدهر . و معارف انتقاله :

المواضع التى يعلم انتقاله اليها . و سليم : لم يتدنّس بالعقائد الباطلة و من يهديه : ائمة الدّين ، و من يرديه : ائمة الضلال فى مهاوى الهلاك . و الحوبة : الأثم . و باللّه التوفيق .