206 و من خطبة له عليه السّلام خطبها بصفين

أمّا بعد ، فقد جعل اللّه لى عليكم حقّا بولاية أمركم ، و لكم علىّ من الحقّ مثل الّذى لى عليكم ، فالحقّ أوسع الأشياء فى التّواصف ، و أضيقها فى التّناصف ، لا يجرى لأحد إلاّ جرى عليه ، و لا يجرى عليه إلاّ جرى له . و لو كان لأحد أن يجرى له و لا يجرى عليه لكان ذلك خالصا للّه سبحانه دون خلقه ، لقدرته على عباده ، و لعدله فى كلّ ما جرت عليه صروف قضائه ، و لكنّه جعل حقّه على العباد أن يطيعوه و جعل جزاءهم عليه مضاعفة الثّواب تفضّلا منه و توسّعا بما هو من المزيد أهله .

ثمّ جعل سبحانه من حقوقه حقوقا افترضها لبعض النّاس على بعض ، فجعلها تتكافأ فى وجوهها ، و يوجب بعضها بعضا ، و لا يستوجب بعضها إلاّ ببعض . و أعظم ما افترض سبحانه من تلك الحقوق حقّ الوالى على الرّعيّة ، و حقّ الرّعيّة على الوالى ،

فريضة فرضها اللّه سبحانه لكلّ على كلّ ، فجعلها نظاما لألفتهم ، و عزّا لدينهم فليست تصلح الرّعيّة إلاّ بصلاح الولاة ، و لا يصلح الولاة إلاّ باستقامة الرّعيّة ، فإذا أدّت الرّعيّة إلى الوالى حقّه ، و أدّى الوالى إليها حقّها ، عزّ الحقّ بينهم ، و قامت مناهج الدّين ، و اعتدلت معالم العدل ، و جرت على أذلالها السّنن ، فصلح بذلك الزّمان ، و طمع فى بقاء الدّولة ،

و يئست مطامع الأعداء . و إذا غلبت الرّعيّة و اليها ، أو أجحف الوالى برعيّته ، اختلفت هنالك الكلمة ، و ظهرت معالم الجور ، و كثر الادغال فى الدّين ، و تركت محاجّ السّنن ،

فعمل بالهوى ، و عطّلت الأحكام و كثرت علل النّفوس ، فلا يستوحش لعظيم حقّ عطّل ،

و لا لعظيم باطل فعل فهنالك تذلّ الأبرار و تعزّ الأشرار ، و تعظم تبعات اللّه عند العباد ،

فعليكم بالتّناصح فى ذلك و حسن التّعاون عليه ، فليس أحد و إن اشتدّ على رضا اللّه حرصه ، و طال فى العمل اجتهاده ببالغ حقيقة ما اللّه أهله من الطّاعة [ له ] و لكن من واجب حقوق اللّه على العباد النّصيحة بمبلغ جهدهم ، و التّعاون على إقامة الحقّ بينهم ،

[ 406 ]

و ليس امرؤ و إن عظمت فى الحقّ منزلته ، و تقدّمت فى الدّين فضيلته بفوق أن يعان على ما حمّله اللّه من حقّه ، و لا امرؤ و إن صغّرته النّفوس ، و اقتحمته العيون بدون أن يعين على ذلك ، أو يعان عليه .

فأجابه عليه السلام رجل من أصحابه بكلام طويل يكثر فيه الثناء عليه و يذكر سمعه و طاعته له ، فقال عليه السلام :

إنّ من حقّ من عظم جلال اللّه فى نفسه ، و جلّ موضعه من قلبه ، أن يصغر عنده لعظم ذلك كلّ ما سواه ، و إنّ أحقّ من كان كذلك لمن عظمت نعمة اللّه عليه ، و لطف إحسانه إليه ، فإنّه لم تعظم نعمة اللّه على أحد إلاّ ازداد حقّ اللّه عليه عظما ، و إنّ من أسخف حالات الولاة عند صالح النّاس أن يظنّ بهم حبّ الفخر ، و يوضع أمرهم على الكبر ، و قد كرهت أن يكون جال فى ظنّكم أنّى أحبّ الإطراء ، و استماع الثّناء ، و لست بحمد اللّه كذلك ، و لو كنت أحبّ أن يقال ذلك لتركته انحطاطا للّه سبحانه عن تناول ما هو أحقّ به من العظمة و الكبرياء ، و ربّما استحلى النّاس الثّناء بعد البلاء ، فلا تثنوا علىّ بجميل ثناء لإخراجى نفسى إلى اللّه و إليكم من التّقيّة فى حقوق لم أفرغ من أدائها ،

و فرائض لا بدّ من إمضائها ، فلا تكلّمونى بما تكلّم به الجبابرة ، و لا تتحفّظوا منّى بما يتحفّظ به عند أهل البادرة ، و لا تخالطونى بالمصانعة ، و لا تظنّوا بى استثقالا فى حقّ قيل لى ، و لا التماس إعظام لنفسى ، فإنّه من استثقل الحقّ أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما عليه أثقل ، فلا تكفّوا عن مقالة بحقّ ، أو مشورة بعدل ، فإنّى لست فى نفسى بفوق أن أخطى‏ء ، و لا آمن ذلك من فعلى إلاّ أن يكفى اللّه من نفسى ما هو أملك به منّى ، فإنّما أنا و أنتم عبيد مملوكون لربّ لا ربّ غيره : يملك منّا ما لا نملك من أنفسنا ،

و أخرجنا ممّا كنّا فيه إلى ما صلحنا عليه ، فأبدلنا بعد الضّلالة بالهدى ، و أعطانا البصيرة بعد العمى . اقول : انّما كان الحّق فى التواصف أوسع منه فى التناصف ، لانّ القول أسهل و أيسر كلفة من العمل . و معالم العدل : مظانّه . و اذلالها : وجوهها و طرقها . و اجحف به : ذهب بأصله . و الادغال : الإفساد . و المحاجّ الطرق الواضحة . و علل النفوس : شبهاتها فى

[ 407 ]

مخالفة الحق . و قوله : فعليكم بالتناصح فى ذلك اى : فى حفظ حقّ الوالى على رعيّته و حقّهم عليه . و قوله : و ليس امرؤ الى قوله من حقّه ، اى : انّه و ان بلغ المرء اعظم درجات طاعة اللّه ، فهو محتاج ان يعان عليها و ليست درجته تلك بأرفع من ان يعان على ما حمله اللّه تعالى منها ، و ذلك انّ تكليف اللّه تعالى بطاعته بحسب وسع المكلّف و الوسع فى الطاعة : قد يكون مشروطا بمعونة الغير فيها فلا يستغنى احد عنه . و قوله : و لا امرؤ الى قوله : او يعان عليه ، اى : انّه لا ينبغى ان يحتقر احد عن الاستعانة به فى طاعة اللّه و ان اقتحمته النفوس اى : استصغرته ، فانّه ليس بدون ان يعين على طاعة اللّه و لو بقبول الصدقة مثلا و غرضه من ذلك اتّفاق الكلمة و الاتّحاد فى الدين ، و اسخف : اضعف . و صالح الناس : اكثرهم . و قوله : و ربّما ، الى قوله البلاء : اى : ربّما استحلى من ابلى بلاء حسنا ان يمدح و احبّ أن يثنى عليه بعد بلائه . و اللام فى قوله : لأخراجى متعلق بقوله : كرهت و اراد انّ غرضى من طاعتى اخراجى نفسى من بقية حقوق اللّه الواجبة علّي له و لكم بأمره ، فكأنه قال : و اذا كانت طاعتى اداء ما وجب علىّ فكيف استحق به ثناء .

و البادرة : سرعة الغضب و ما يتحفظ به عند اهل البادرة كترك المسارة مثلا فى مجالس الملوك ، اجلالا لهم و خوفا منهم . و ما كنا فيه هو : ضلال الجاهلية . و ما صلحنا عليه اى : الاسلام و الهدى .