209 و من كلام له عليه السّلام

قد أحيا عقله ، و أمات نفسه ، حتّى دقّ جليله ، و لطف غليظه ، و برق له لا مع كثير البرق ، فأبان له الطّريق ، و سلك به السّبيل ، و تدافعته الأبواب إلى باب السّلامة ، و دار الإقامة ، و ثبتت رجلاه بطمأنية بدنه فى قرار الأمن و الرّاحة ، بما استعمل قلبه ، و أرضى ربّه . اقول : يشير الى وصف العارف فأحيى عقله بالرياضة التّامة ، و تحصيل الكمالات العلميّة و العمليّة و تكميل قوّته بهما . و اماتته نفسه اى : الامارّة بالسوء بتطويعها لعقله و كسرها بالعبادة و الزهد الحقيقى . و استعار وصف الاماتة لقطعها عما يخصها من المشتهيات التى هى مادّة حياتها من حيث هى نفس امّارة . و كنى بجليله عن بدنه و دقّته لانقطاع مادة توسّعه فى المشتهيات . و غليظه : امّا بدنه او طباعه و قواه فانّها يلطف بالرياضة بعد غلظها و قساوتها . و اشار باللاّم الى ما يعرض للسالك عند بلوغ الارادة و الرياضة حدّا ما من الخلسات الى الجانب الأعلى ، من ظهور أنوار الهية لذيذة شبيهة بالبرق فى سرعة لمعانه و اختفائه ، و تلك اللوامع مسماة فى عرف المجرّدين بالأوقات . و هذه اللوامع فى مبدأ الامر تعرض قليلا فاذا امعن فى الارتياض كثرت ، فاشار باللامع الى نفس ذلك النور ، و بكثرة بروقه الى كثرة عروضه له بعد الامعان فى الرياضة . و قوله : فأبان له الطريق اى : اظهر له ذلك اللمعان طريق الحق الى اللّه تعالى ، و كان سببا لسلوكه فى سبيله اليه ،

و تدافعته الابواب اى : ابواب الرياضة من الزهد و العبادة و غيرهما . و وجه التدافع هاهنا انتقاله من باب الى باب منها ، و من عبادة الى اخرى . فكأنها تدافعه . و باب السلامة هو الباب الّذى يلقى فيه السلامة من الإنحراف عن الصراط المستقيم ، بمعرفة انّ تلك هى الطريق و يشبه ان يكون هو الوقت . و قوله : و ثبتت رجلاه ، الى قوله : و الراحة فى قرار

[ 410 ]

الامن : اشارة الى درجة اعلى ، و يسمّى طمأنينة ، و ذلك انّ السالك مادام فى مرتبة الوقت فانّه يعرض له عند لمعان تلك البروق فى سرّه اضطراب و انزعاج يحسّ به جليسه لانّ النفس اذا فاجأها امر عظيم انزعجت له ، فاذا كثرت تلك الغواشى الفتها فصارت بحيث لا تنزعج عنها بل تسكن اليها و تطمئن عندها ، لثبوت قدم عقلها فى درجة اعلى من درجات الجنة التى هى قرار الأمن و الراحة من عذاب اللّه . و قوله : بما استعمل : متعلق بثبتت اى : بسبب هذا . و باللّه التوفيق .