210 و من كلام له عليه السّلام قاله بعد تلاوته : ( أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى‏ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ) 1

يا له مراما ما أبعده ، و زورا ما أغفله ، و خطرا ما أفظعه ، لقد استخلوا منهم أىّ مدّكر ،

و تناوشوهم من مكان بعيد أفبمصارع آبائهم يفخرون أم بعديد الهلكى يتكاثرون ؟ يرتجعون منهم أجسادا خوت ، و حركات سكنت ، و لأن يكونوا عبرا أحقّ من أن يكونوا مفتخرا ، و لأن يهبطوا بهم جناب ذلّة أحجى من أن يقوموا بهم مقام عزّة لقد نظروا إليهم بأبصار العشوة ، و ضربوا منهم فى غمرة جهالة ، و لو استنطقوا عنهم عرصات تلك الدّيار الخاوية ، و الرّبوع الخالية ، لقالت ذهبوا فى الأرض ضلاّلا ، و ذهبتم فى أعقابهم جهّالا ،

تطأون فى هامهم ، و تستثبتون فى أجسادهم و ترتعون فيما لفظوا ، و تسكنون فيما خرّبوا ،

و إنّما الأيّام بينكم و بينهم بواك و نوائح عليكم .

أولئكم سلف غايتكم ، و فرّاط مناهلكم ، الّذين كانت لهم مقاوم العزّ ، و حلبات الفخر ، ملوكا و سوقا ، سلكوا فى بطون البرزخ سبيلا ، سلّطت الأرض عليهم فيه ، فأكلت من لحومهم ، و شربت من دمائهم ، فأصبحوا فى فجوات قبورهم جمادا لا ينمون ، و ضمارا لا يوجدون ، لا يفزعهم ورود الأهوال ، و لا يحزنهم تنكّر الأحوال ، و لا يحفلون بالرّواجف ،

و لا يأذنون للقواصف ، غيّبا لا ينتظرون ، و شهودا لا يحضرون ، و إنّما كانوا جميعا فتشتّتوا ،

و اُلاّفا فافترقوا ، و ما عن طول عهدهم و لا بعد محلّهم عميت أخبارهم ، و صمّت ديارهم ،

-----------
( 1 ) سورة التكاثر 1 2 .

[ 411 ]

و لكنّهم سقوا كأسا بدّلتهم بالنّطق خرسا و بالسّمع صمما ، و بالحركات سكونا فكأنّهم فى ارتجال الصّفة صرعى سبات ، جيران لا يتأنسون ، و أحبّاء لا يتزاورون ، بليت بينهم عرى التّعارف ، و انقطعت منهم أسباب الإخاء ، فكلّهم وحيد و هم جميع ، و بجانب الهجر و هم أخلاّء ، لا يتعارفون لليل صباحا ، و لا لنهار مساء ، أىّ الجديدين ظعنوا فيه كان عليهم سرمدا ، شاهدوا من أخطار دارهم أفظع ممّا خافوا ، و رأوا من آياتها أعظم ممّا قدّروا ، فكلتا الغايتين مدّت لهم إلى مباءة ، فأتت مبالغ الخوف و الرّجاء ، فلو كانوا ينطقون بها لعيّوا بصفة ما شاهدوا و ما عاينوا ، و لئن عميت آثارهم ، و انقطعت أخبارهم ، لقد رجعت فيهم أبصار العبر ، و سمعت عنهم آذان العقول ، و تكلّموا من غير جهات النّطق ، فقالوا : كلحت الوجوه النّواضر ، و خوت الأجسام النّواعم ، و لبسنا أهدام البلى ، و تكاءدنا ضيق المضجع ،

و توارثنا الوحشة ، و تهكّمت علينا الرّبوع الصّموت ، فانمحت محاسن أجسادنا ، و تنكّرت معارف صورنا ، و طالت فى مساكن الوحشة إقامتنا ، و لم نجد من كرب فرجا ، و لا من ضيق متّسعا فلو مثّلتهم بعقلك ، أو كشف عنهم محجوب الغطاء لك ، و قد ارتسخت أسماعهم بالهوامّ فاستكّت ، و اكتحلت أبصارهم بالتّراب فخسفت ، و تقطّعت الألسنة فى أفواههم بعد ذلاقتها ، و همدت القلوب فى صدورهم بعد يقظتها ، و عاث فى كلّ جارحة منهم جديد بلى سمّجها ، و سهّل طرق الآفة إليها ، مستسلمات فلا أيد تدفع ، و لا قلوب تجزع ،

لرأيت أشجان قلوب ، و أقذاء عيون ، لهم من كلّ فظاعة صفة حال لا تنتقل ، و غمرة لا تنجلى ، و كم أكلت الأرض من عزيز جسد ، و أنيق لون ، كان فى الدّنيا غذىّ ترف ،

و ربيب شرف ، يتعلّل بالسّرور فى ساعة حزنه ، و يفزع إلى السّلوة إن مصيبة نزلت به ، ضنّا بغضارة عيشه ، و شحاحة بلهوه و لعبه ؟ فبينا هو يضحك إلى الدّنيا و تضحك الدّنيا إليه فى ظلّ عيش غفول ، إذ وطى‏ء الدّهر به حسكه و نقضت الأيّام قواه و نظرت إليه الحتوف من كثب فخالطه بث لا يعرفه ، و نجىّ همّ ما كان يجده ، و تولّدت فيه فترات علل آنس ما كان بصحّته ، ففزع إلى ما كان عوّده الأطبّاء من تسكين الحارّ بالقارّ ، و تحريك البارد بالحارّ ، فلم يطفى‏ء ببارد إلاّ ثوّر حرارة ، و لا حرّك بحارّ إلاّ هيّج برودة ، و لا اعتدل بممازج لتلك الطّبائع إلاّ أمدّ منها كلّ ذات داء ، حتّى فتر معلّله ، و ذهل ممرّضه ، و تعايا أهله بصفة دائه ، و خرسوا عن جواب السّائلين عنه ، و تنازعوا دونه شجىّ خبر يكتمونه : فقائل هو

[ 412 ]

لمابه ، و ممنّ لهم إياب عافيته ، و مصبّر لهم على فقده ، يذكّرهم أسى الماضين من قبله .

فبينما هو كذلك على جناح من فراق الدّنيا ، و ترك الأحبّة ، إذ عرض له عارض من غصصه فتحيّرت نوافذ فطنته ، و يبست رطوبة لسانه فكم من مهمّ من جوابه عرفه فعىّ عن ردّه ، و دعاء مؤلم لقلبه سمعه فتصامّ عنه : من كبير كان يعظّمه ، أو صغير كان يرحمه ، و إنّ للموت لغمرات هى أفظع من أن تستغرق بصفة ، أو تعتدل على قلوب أهل الدّنيا . أقول : اللام فى قوله ياله : لام الجرّ فى المستغاث له ، و المنادى محذوف . و المرام :

المتعجّب من بعده هو التكاثر اذ لا يتناهى و الزور : المتعجّب من غفلته هم زائروا المقابر ،

و الخطر : المتعجّب من فظاعته اى : شدّته ، هو خطر تلك الغفلة فى الآخرة . و المذكّر محل التذكير من الأموات و الاعتبار بهم من آثارهم او حالهم الحاضرة . و استحلوا منهم اى :

اتّخذوا الاحياء من الاموات تخلية ذكر احوالهم دأبهم . و اىّ مذكر : استفهام على سبيل التعجّب من ذلك المذكّر فى قوّة افادته للعبرة . و تناوشوهم اى : تناولوهم من جهة بعيدة ،

و هى افتخار كلّ بأبيه ، و قبيلته ، و مكاثرته بالماضين من قومه الّذين هم بعد الموت أبعد الناس عنه فى انفسهم و كمالاتهم . واحجى : اولى بالحجى و هو العقل . و مقام الذّلة مقام الاعتبار بهم ، و مقام العزة مقام الافتخار بهم . و ابصار العشوة الابصار العاشية ، و العشوة ركوب الامر على جهل ، و اضافة الابصار اليها اضافة الموصوف الى الصفة . و يرتعون فيما لفظوا ، اى يتمتّعون فيما تركوه وراء ظهورهم من متاع الدنيا . و الايام البواكى عليهم ايام الحياة . و سلف غايتكم و فرّاط مناهلكم اى : الذين سبقوكم اليها . و المناهل : الموارد . و مقاوم : جمع مقام لانّ ألفه منقلبة عن واو . و حلبات الفخر : جماعاته . و ملوكا : حال .

و البرزخ : الحائل بين الشيئين و هو هنا ما بين الدنيا و الآخرة . و الفجوة : المتّسع من الارض . و الضمار : الغائب الّذى لا يرجى ايابه . و يأذنون : يسمعون . و الاّفا : جمع اليف . و عميت اخبارهم : انقطع اثرها . و صمّت ديارهم : لم يسمع بها صوت ، و هما مجازان فى الاسناد . و السبات : النوم . و قوله : فكلتا الغايتين اى : غاية المؤمنين و الكافرين و هما السعادة و الشقاوة . مدّت اى : ضرب لها اجل ينتهون فيه الى مباءة : و هى المرجع ،

امّا الجنة و امّا النارفات ذلك المرجع مبالغ الخوف و الرجاء عظمة . و الكلوح : تكشر فى

[ 413 ]

عبوس . و الاهدام : جمع هدم و هو الثوب البالى . و تكأدنا : شق علينا . و تهكمت : تهدّمت .

و الاشجان الاحزان . و غضارة العيش : طيبه . و وطى‏ء الدهر به حسكه كالمثل يضرب لمن يقع فى الشدائد . و البث : الهم ، و آنس : حال و ما : بمعنى المدّة . و بصحته : متعلق بآنس اى : انس اوقاته بصحّته . و القار : البارد . و الأسى : جمع اسوة و هى الاقتداء . و تعتدل على عقول اهل الدنيا اى : يستقيم تصوّرها لهم . و باقى الفصل واضح ، و باللّه التوفيق .