211 و من كلام له عليه السّلام قاله عند تلاوته : ( رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَ لاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّه ) 1

إنّ اللّه سبحانه جعل الذّكر جلاء للقلوب ، تسمع به بعد الوقرة ، و تبصر به بعد العشوة ،

و تنقاد به بعد المعاندة ، و ما برح للّه عزّت آلاؤه فى البرهة بعد البرهة و فى أزمان الفترات عباد ناجاهم فى فكرهم ، و كلّمهم فى ذات عقولهم ، فاستصبحوا بنور يقظة فى الأسماع و الأبصار و الأفئدة يذكّرون بأيّام اللّه ، و يخوّفون مقامه ، بمنزلة الأدلّة فى الفلوات ، من أخذ القصد حمدوا إليه طريقه ، و بشّروه بالنّجاة ، و من أخذ يمينا و شمالا ذمّوا إليه الطّريق و حذّروه من الهلكة ، و كانوا كذلك مصابيح تلك الظّلمات ، و أدلّة تلك الشّبهات ، و إنّ للذّكر لأهلا أخذوه من الدّنيا بدلا ، فلم تشغلهم تجارة و لا بيع عنه : يقطعون به أيّام الحياة ،

و يهتفون بالزّواجر عن محارم اللّه فى أسماع الغافلين ، و يأمرون بالقسط و يأتمرون به ،

و ينهون عن المنكر و يتناهون عنه ، فكأنّما قطعوا الدّنيا إلى الآخرة و هم فيها فشاهدوا ما وراء ذلك ، فكأنّما اطّلعوا غيوب أهل البرزخ فى طول الإقامة فيه ، و حقّقت القيامة عليهم عداتها ، فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدّنيا حتّى كأنّهم يرون مالا يرى النّاس ، و يسمعون مالا يسمعون . فلو مثّلتهم لعقلك فى مقاومهم المحمودة ، و مجالسهم المشهودة ، و قد نشروا دواوين أعمالهم ، و فرغوا لمحاسبة أنفسهم على كلّ صغيرة و كبيرة أمروا بها فقصّروا عنها ، أونهوا عنها ففرّطوا فيها ، و حمّلوا ثقل أوزارهم ظهورهم ، فضعفوا عن الاستقلال بها ،

-----------
( 1 ) سورة النور 36 37 .

[ 414 ]

فنشجوا نشيجا ، و تجاوبوا نحيبا ، يعجّون إلى ربّهم من مقاوم ندم و اعتراف ، لرأيت أعلام هدى ، و مصابيح دجى قد حفّت بهم الملائكة ، و تنزّلت عليهم السّكينة ، و فتحت لهم أبواب السّماء ، و أعدّت لهم مقاعد الكرامات ، فى مقام اطّلع اللّه عليهم فيه فرضى سعيهم ، و حمد مقامهم ، يتنسّمون بدعائه روح التّجاوز ، رهائن فاقة إلى فضله ، و أسارى ذلّة لعظمته ، جرح طول الأسى قلوبهم ، و طول البكاء عيونهم ، لكلّ باب رغبة إلى اللّه منهم يد قارعة ، يسألون من لا تضيق لديه المنادح ، و لا يخيب عليه الرّاغبون ، فحاسب نفسك لنفسك ، فإنّ غيرها من الأنفس لها حسيب غيرك . اقول : الذكر : هو القرآن الكريم ، و قيل : هو ذكر اللّه مطلقا . و المنتفع به ما كان قلبيا مع دوامه فانّه بذلك يستلزم محبّة المذكور ، و الاعراض عما سواه . و استعار لفظ الجلاء : لازالة كل ما سوى المذكور عن لوح القلب بالذكر و تسمع به و تبصر اى : ما تدرك ، مما ينبغى ان يسمع من المواعظ و يبصر من العبر بعد و قره بالجهل و عشوته .

و الوقره : الصمم . و العشوة : ظلمة العين . و البرهة : المدّة الطويلة . و ذلّت عقولهم انفسهم الناطقة و تكليمهم : بالافاضة و الالهام و نور اليقظة فى الاسماع اضاءة عقولهم : بالفوائد المسموعة و فى الأبصار اضاءتها من قبل العبر المبصرة . و فى الافئدة : ادراكها للمعقولات و تكلّمها بها و القصد لزوم الفضيلة فى القوى العقليّة و النفسانية . و اليمين و الشمال :

الانحراف عنها الى جانبى الافراط و التفريط منها . و قوله : و حققت القيامة عليهم عداتها اى : بطول ذكرهم للآخرة ينزل الموعود عندهم من امور القيامة منزلة الواقع المحقق . و مقاوم : جمع مقام و هو مقامهم بين يدى ربّهم فى خلواتهم به . و النشيج : الغصص بالبكاء دون النّحيب . و العج : رفع الصوت . و السكينة : مرتبة للسالكين سبق ذكرها . و التنسّم انتظار النسيم . و الفاقة : الفقر و كنى بالايدى القارعة عن الدعوات فى طلب ما يرغب الى اللّه فيه من افاضته العالية . و المنادح : جمع مندح و هو المتسع . و الفصل من افصح العبارات . و اغررها مقاصدها .

[ 415 ]