212 و من كلام له عليه السّلام قاله عند تلاوته : ( يَا أيُّهَا الإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ )

أدحض مسئول حجّة ، و أقطع مغترّ معذرة ، لقد أبرح جهالة بنفسه .

يا أيّها الإنسان ، ما جرّأك على ذنبك ، و ما غرّك بربّك ، و ما آنسك بهلكة نفسك ؟

أما من دائك بلول ، أم ليس من نومتك يقظة ؟ أما ترحم من نفسك ما ترحم من غيرك ؟

فربّما ترى الضّاحى من لحرّ الشّمس فتظله ، أو ترى المبتلى بألم يمضّ جسده ، فتبكى رحمة له ، فما صبّرك على دائك ، و جلّدك على مصابك ، و عزّاك عن البكاء على نفسك و هى أعزّ الأنفس عليك ؟ و كيف لا يوقظك خوف بيات نقمة ، و قد تورّطت بمعاصيه مدارج سطواته ، فتداو من داء الفترة فى قلبك بعزيمة ، و من كرى الغفلة فى ناظرك بيقظة ، و كن للّه مطيعا ، و بذكره آنسا ، و تمثّل فى حال تولّيك عنه إقباله عليك : يدعوك إلى عفوه ،

و يتغمّدك بفضله ، و أنت متولّ عنه إلى غيره ، فتعالى من قوىّ ما أكرمه ، و تواضعت من ضعيف ما أجرأك على معصيته ، و أنت فى كنف ستره مقيم ، و فى سعة فضله متقلّب ، فلم يمنعك فضله ، و لم يهتك عنك ستره ، بل لم تخل من لطفه مطرف عين فى نعمة يحدثها لك ، أو سيّئة يسترها عليك ، أو بليّة يصرفها عنك فما ظنّك به لو أطعته ، و ايم اللّه لو أنّ هذه الصّفة كانت فى متّفقين فى القوّة ، متوازنين فى القدرة ، لكنت أوّل حاكم على نفسك بذميم الأخلاق ، و مساوئ الأعمال . و حقّا أقول ما الدّنيا غرّتك ، و لكن بها اغتررت ، و لقد كاشفتك العظات ، و آذنتك على سواء ، و لهى بما تعدك من نزول البلاء بجسمك ،

و النّقص فى قوّتك ، أصدق و أوفى من أن تكذبك ، أو تغرّك ، و لربّ ناصح لها عندك متّهم ، و صادق من خبرها مكذّب ، و لئن تعرّفتها فى الدّيار الخاوية ، و الرّبوع الخالية ،

لتجدنّها من حسن تذكيرك ، و بلاغ موعظتك ، بمحلّة الشّفيق عليك ، و الشّحيح بك ، و لنعم دار من لم يرض بها دارا ، و محلّ من لم يوطّنها محلاّ و إنّ السّعداء بالدّنيا غدا هم الهاربون منها اليوم .

إذا رجفت الرّاجفة ، و حقّت بجلائلها القيامة ، و لحق بكلّ منسك أهله و بكلّ معبود

-----------
( 1 ) سورة الانفطار 6 .

[ 416 ]

عبدته ، و بكلّ مطاع أهل طاعته ، فلم يجز فى عدله و قسطه يومئذ خرق بصر فى الهواء ،

و لا همس قدم فى الأرض إلاّ بحقّه . فكم حجّة يوم ذاك داحضة ، و علائق عذر منقطعة ،

فتحرّ من أمرك ما يقوم به عذرك ، و تثبت به حجّتك ، و خذ ما يبقى لك ممّا لا تبقى له ،

و تيسّر لسفرك ، و شم برق النّجاة ، و ارحل مطايا التّشمير . اقول : دحض الحجة : بطلانها . و أبرح جهالة بنفسه : بالغ فى تحصيل جهالتها و اعجبه ذلك . و لما كانت الهلكة فى الآخرة بمحبّة الدنيا و باطلها ، و كان الانسان شديد الانس بها صدق تعجّبه من أنسه بهلكة نفسه . و البلول : الصحة . و الضاحى : البارز . و قوله : فربّما . الى قوله : رحمة له فى قوّة ضمير احتج به على وجوب رحمته لنفسه ، و تقدير كبراه و كل من يرحم غيره فاولى ان يرحم نفسه من بلاء يقع فيه . و الجلد : القوّة .

و المدارج : الطرق . و التمثّل : التصوّر . و تعمدّه قصده . و قوله : و ايم اللّه الى قوله الاعمال :

اى لو كان هذا الوصف المذكور من اقبال اللّه عليك ، و ادبارك عنه ، وصف مثلين من الناس فى القوّة و القدرة و المنزلة و انت المسى‏ء منهما لكان فيما ينبغى لك من الحياء و الانفة ان تكون اوّل حاكم على نفسك بتقصيرها و قبح اعمالها ، و انّما تغرّه الدنيا اذا لم يخلق فى العناية الالهية كذلك و غروره بها ظنّه انّ المقصود منها هى لذاتّها الحاضرة ،

و مكاشفاتها بالعظات ظهور ما ينبغى الاتّعاظ به من الغير و التصاريف اللازمة لها ،

و آذنتك على سواء اى : اعلمتك على عدل منها تصاريفها اذ كان ذلك مقتضى خلقها بعدل من اللّه و حكمة ، و تعرّفها اعتبار تصاريفها . و محلة الشفيق : منزلته و قد اضاف اسم نعم . و يئس هنا الى ما آيس فيه الالف و اللام كقوله فنعم : صاحب قوم لا سلاح لهم . و جمع بين اسم الجنس و النكرة التى تبدّل منه و قد جاء مثله : فنعم الزّاد زاد ابيك زادا .

و الراجفة قيل : هى النفخة الاولى فى الصور . و جلائلها : اهوالها العظيمة جمع جليلة .

و المنسك : محل العبادة ، و هو اشارة الى لحوق كل نفس يوم القيامة بمعبودها و مقصدها فى الدنيا و ما احبّته فيها ، كما قال صلّى اللّه عليه و آله : ( لو احبّ احدكم حجرا لحشر معه ) . و خرق البصر فى الهواء : لمحه . و تيسّر لسفره : استعداده بالرياضة للسفر الى الآخرة ، و ان يشم برق النجاة اى : يوجّه بصر عقله الى استلامة انوار الهداية المنجية .

[ 417 ]