215 و من خطبة له عليه السّلام

دار بالبلاء محفوفة ، و بالغدر معروفة ، لا تدوم أحوالها ، و لا تسلم نزّالها ، أحوال مختلفة ، و تارات متصرّفة ، العيش فيها مذموم ، و الأمان فيها معدوم ، و إنّما أهلها فيها أغراض مستهدفة ، ترميهم بسهامها ، و تفنيهم بحمامها .

و اعلموا ، عباد اللّه ، أنّكم و ما أنتم فيه من هذه الدّنيا على سبيل من قد مضى قبلكم ،

ممّن كان أطول ، منكم أعمارا و أعمر ديارا ، و أبعد آثارا ، أصبحت أصواتهم هامدة ،

و رياحهم راكدة ، و أجسادهم بالية ، و ديارهم خالية ، و آثارهم عافية ، فاستبدلوا بالقصور المشيّدة ، و النّمارق الممهّدة ، الصّخور و الأحجار المسندة ، و القبور اللاّطئة الملحدة ، الّتى قد بنى بالخراب فناؤها ، و شيد بالتّراب بناؤها ، فمحلّها مقترب ، و ساكنها مغترب ، بين

[ 419 ]

أهل محلّة موحشين ، و أهل فراغ متشاغلين ، لا يستأنسون بالأوطان ، و لا يتواصلون تواصل الجيران ، على ما بينهم من قرب الجوار ، و دنوّ الدّار ، و كيف يكون بينهم تزاور و قد طحنهم بكلكله البلى ، و أكلتهم الجنادل و الثّرى ؟ و كأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه ، و ارتهنكم ذلك المضجع ، و ضمّكم ذلك المستودع ، فكيف بكم لو تناهت بكم الأمور ، و بعثرت القبور ؟ ( هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَ رُدُّوا إلَى اللَّهِ مَوْليهُمُ الْحَقِّ ، وَ ضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ) 1 . اقول : حاصل الفصل النفير عن الدنيا بذكر معايبها . و الجذب بذلك الى استعمالها على الوجه المطلوب للّه من وجودها . و لفظ الغدر : مستعار لزينتها الظاهرة المستعقبة للهلاك فى الآخرة . و التارّة : المرة . و المستهدفة اى : جعلت هدفا و هو الغرض . و ابعد آثارا ، اى : أبعد ان ينال او يقدر على مثلها لعظمتها . و ركود رياحهم : كناية عن سبكون احوالهم و خمول ذكرهم . و النمارق : جمع نمرق ، و نمرقة ، و هى و سادة صغيرة . و الواو :

فى و ساكنها يشبه ان يكون للحال . و الكلكل : الصدر و هو مستعار . و البعثرة : النبش و التفريق . و تبلو : تختبر .