219 و من خطبة له عليه السّلام

فإنّ تقوى اللّه مفتاح سداد ، و ذخيرة معاد ، و عتق من كلّ ملكة ، و نجاة من كلّ هلكة ، بها ينجح الطّالب ، و ينجو الهارب ، و تنال الرّغائب ، فاعملوا و العمل يرفع ، و التّوبة تنفع ، و الدّعاء يسمع ، و الحال هادئة ، و الأقلام جارية ، و بادروا بالأعمال عمرا ناكسا ، أو مرضا حابسا ، أو موتا خالسا ، فإنّ الموت هادم لذّاتكم ، و مكدّر شهواتكم ، و مباعد طيّاتكم ، زائر غير محبوب ، و قرن غير مغلوب ، و واتر غير مطلوب ، قد أعلقتكم حبائله ،

و تكنّفتكم غوائله ، و أقصدتكم معابله ، و عظمت فيكم سطوته ، و تتابعت عليكم عدوته ،

و قلّت عنكم نبوته ، فيوشك أن تغشاكم دواجى ظلله ، و احتدام علله ، و حنادس غمراته ،

و غواشى سكراته ، و أليم إزهاقه ، و دجوّ إطباقه ، و جشوبة مذاقه ، فكأن قد أتاكم بغتة ،

فأسكت نجيّكم ، و فرّق نديّكم ، و عفّى آثاركم ، و عطّل دياركم ، و بعث ورّاثكم يقتسمون تراثكم ، بين حميم خاصّ لم ينفع ، و قريب محزون لم يمنع ، و آخر شامت لم يجزع ،

فعليكم بالجدّ و الاجتهاد ، و التّأهّب و الاستعداد ، و التّزوّد فى منزل الزّاد ، و لا تغرّنّكم الحياة الدّنيا كما غرّت من كان قبلكم من الأمم الماضية ، و القرون الخالية ، الّذين احتلبوا درّتها ، و أصابوا غرّتها ، و أفنوا عدّتها ، و أخلقوا جدّتها ، أصبحت مساكنهم أجداثا ، و أموالهم ميراثا ، لا يعرفون من أتاهم ، و لا يحفلون من بكاهم ، و لا يجيبون من دعاهم ، فاحذروا

-----------
( 1 ) جاء الكلام هذا بصورة مفصلة فى كتاب ( المعيار و الموازنة ) ص 50 .

[ 422 ]

الدّنيا ، فإنّها غدّارة غرّارة خدوع ، معطية منوع ، ملبسة نزوع ، لا يدوم رخاؤها ، و لا ينقضى عناؤها ، و لا يركد بلاؤها . اقول : السداد : استقامة العبد على طريق اللّه الى جنته ، و التقوى مفتاح ذلك ، و فى لزومها عتق للعبد من ملكات السوء و هلكات الآخرة و المطالب فى الدنيا و الآخرة .

و الهارب اى : من عذاب اللّه . و الاقلام : اقلام الكرام الكاتبين . و عمرا ناكسا ، اى : رادّا ان طال بصاحبه الى الضعف و العجز عن العمل كقوله تعالى : ( وَ مَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِى الْخَلْقِ ) 1 و قوله : ( وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ اِلى‏ اَرْذَلِ الْعُمُرِ ) الآية 2 . و الخالس : المختطف .

و الطيّات : جمع طيّة بالكسر ، و هى منزل السفر . و الوتر : الحقد و الغضب . و التكنّف :

الاحاطة . و الغوائل : المصائب . و المعابل : جمع معبلة بكسر الميم ، و هى نصل طويل عريض . و عدوته : ظلمه . و نبا السيف اذا لم يؤثّر فى الضربة . و دواجى ظلله : مظلمات سحابه . و الاحتدام : شدّة الحدّة . و ارهاقه : اعجاله . و الجشوبة : بالجيم غلظ الطعام .

و النجى : القوم يتناجون . و الندى : القوم يجتمعون فى النادى و هو مجتمعهم . و منزل الزاد الدنيا اذهى منزل زاد الآخرة . و غرّتها : مستعار لأيام السلامة فيها . و يحفلون : يبالون .

و ركد : سكن .

منها فى صفة الزهاد .

كانوا قوما من أهل الدّنيا و ليسوا من أهلها ، فكانوا فيها كمن ليس منها : عملوا فيها بما يبصرون ، و بادروا فيها ما يحذرون ، تقلّب أبدانهم بين ظهرانى أهل الآخرة ، يرون أهل الدّنيا يعظمون موت أجسادهم ، و هم أشدّ إعظاما لموت قلوب أحيائهم . اقول : الاشارة الى بعض اصحابه الذين درجوا قبله و كونهم من الدنيا بأبدانهم و مشاركتهم الضّرورية لأهلها ، و ليسوا من اهلها بقلوبهم ، لاستغراقها فى محبّة اللّه و مطالعة

-----------
( 1 ) سورة يس 68

-----------
( 2 ) سورة النحل 70 . سورة الحج 5 .

[ 423 ]

انوار كبريائه ، و عملهم بما يبصرون اى : من انوار العلم القائدة لهم فى سبيل اللّه ، و مبادرتهم فى الدنيا لما يحذرون مسارعتهم الى الأعمال الصالحة دفعا لما يحذرون من عذاب الآخرة . و قوله : تقلب ، الى قوله : الآخرة اى : تنقلب . و المراد انّ دأبهم معاشرة اهل الآخرة العاملين لهادون غيرهم . و يحتمل ان يريد انّهم مع سائر الناس بأبدانهم كما سبق . و الناس اهل الآخرة بأعتبار مصيرهم اليها . و بين ظهرانيهم : بفتح النون اى بينهم .

و قوله : يرون ، الى آخره : فرّق بينهم ، و بين اهل الدنيا اذ كانوا لا يرون وراء كمال اجسادهم كمالا . فهم يعظمون موتها ، و امّا الزهاد فيها فهم اشدّ اعظاما لموت قلوب احيائهم اذ لا يرون كمالا فوق كمال القلوب .