223 و من كلام له عليه السّلام

روى ابو محمد اليمانى عن أحمد بن قتيبة عن عبد اللّه بن يزيد عن مالك بن دحية قال : كنا عند أمير المؤمنين عليه السلام و قد ذكر عنده اختلاف الناس فقال :

[ 425 ]

إنّما فرّق بينهم مبادى طينهم ، و ذلك أنّهم كانوا فلقة من سبخ أرض و عذبها ، و حزن تربة و سهلها ، فهم على حسب قرب أرضهم يتقاربون ، و على قدر اختلافها يتفاوتون ، فتامّ الرّواء ، ناقص العقل ، و مادّ القامة ، قصير الهمّة ، و زاكي العمل ، قبيح المنظر ، و قريب القعر ، بعيد السّبر ، و معروف الضّريبة ، منكر الجليبة ، و تائه القلب ، متفرّق اللّبّ ، و طليق اللّسان ، حديد الجنان . اقول : الفصل اشارة الى السبب المادّى لاختلاف الناس فى الصور و الاخلاق .

و الطين : اشارة الى ما ذكره من التربة الممتزجة من السبخ ، و العذب ، و الحزن ، و السهل : و هى الجزء الارضى فى الأبدان البشريّة ، و انّما خصصه بالذكر دون سائر العناصر ، لانّه الجزء الأرضى فيها كما علمت فى الخطبة الاولى ، و ظاهر انّ لتلك التربة بحسب ما يغلب عليها من الكيفيّات المذكورة أثرا عظيما فى اختلاف الصور و الاخلاق ، ففى الاغلب فيمن يتولّد فى البلاد السبخة ان يكون مزاجه حارا يابسا . و بحسب ذلك تكون نحافة بدنه و سرعة نزقه و ما يتبع ذلك من ذميم الاخلاق او حميدها ، و كذلك من عذبت تربته كان الأغلب عليه لطف الصورة و حسن الأخلاق . و الفلقة : القطعة . و قوله : فتامّ الرواء الى آخره : كالتفصيل لهم فى تفاوتهم ، و ذكر اقساما خمسة . و الرواء : المنظر الحسن . و السبر : اختبار الباطن . و قريب القعر : كناية عن القصر . و قيل : لبعض الحكماء حين سئل ما بال القصير من الناس ادهى و احذق ؟ قال : لقرب قلبه من دماغه . و كأنه اراد انّ القلب لما كان مبدأ الحار الغريزى ، و كانت الاعراض النفسانية من الفطنة و الذكاء و الفهم و الاقدام و الوقاحة و حسن الظن وجودة الرجاء و النشاط و رجولية الاخلاق و قلّة الكسل و قلة الانفعال عن الاشياء كل ذلك يدلّ على الحرارة ، و توفّرها و اضداد ذلك يدلّ على البرودة لا جرم كان قرب القلب من الدماغ فى القصر ، لكونه سببا لتوفّر الحرارة فى الدماغ ، وجودة استعداد القوى النفسانية فيه سببا لتلك الاعراض المذكورة ، و كان بعده منه فى الطويل سببا لقلّة الحرارة فيه و ضعف استعداد القوى النفسانية لتلك الأعراض .

و الضريبة الخلق . و الجليبة ما يجلبه الانسان و يتكلّفه . و باللّه التوفيق .

[ 426 ]