226 و من خطبة له عليه السّلام

الحمد للّه الّذى لا تدركه الشّواهد ، و لا تحويه المشاهد ، و لا تراه النّواظر ، و لا تحجبه السّواتر ، الدّالّ على قدمه بحدوث خلقه ، و بحدوث خلقه على وجوده ، و باشتباههم على أن لا شبه له ، الّذى صدق فى ميعاده ، و ارتفع عن ظلم عباده ، و قام بالقسط فى خلقه ،

و عدل عليهم فى حكمه ، مستشهد بحدوث الأشياء على أزليّته ، و بما وسمها به من العجز على قدرته ، و بما اضطرّها إليه من الفناء على دوامه . واحد لا بعدد ، دائم لا بامد ، و قائم لا بعمد . تتلقّاه الأذهان لا بمشاعرة ، و تشهد له المرائى لا بمحاضرة . لم تحط به الأوهام بل تجلّى لها و بها امتنع منها ، و إليها حاكمها ليس بذى كبر امتدّت به النّهايات فكبّرته تجسيما ، و لا بذى عظم تناهت به الغايات فعظّمته تجسيدا ، بل كبر شأنا ، و عظم سلطانا .

-----------
( 1 ) سورة الاعراف 129 .

[ 428 ]

و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله الصّفى و أمينه الرّضىّ ، صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ،

أرسله بوجوب الحجج ، و ظهور الفلج ، و إيضاح المنهج ، فبلّغ الرّسالة صادعا بها ، و حمل على المحجّة دالاّ عليها ، و أقام أعلام الاهتداء ، و منار الضّياء ، و جعل أمراس الإسلام متينة ، و عرى الإيمان وثيقة . اقول : اراد بالشواهد : الخواص لكونها تشهد ما تدركه و تحضر عنده . و المشاهد :

المحاضر و المجالس . و قوله : الدالّ على قدمه الى قوله : لا شبيه له : قد سبقت الاشارة الى الاعتبارات المذكورة فى قوله ( الحمد للّه الدالّ على وجوده بخلقه ) و كذلك باقى الاعتبارات كالاستدلال بعجز الخلق على قدرته ، و بفنائهم على دوامه و كونه قائما لا بعمد اى ثابت الوجود ، من غير سبب يستند اليه ، و تلقى الاذهان له لا بمشاعرة ،

اى ليس له من طريق الحواسّ اذ ليس بمحسوس بل بالعقول الصرفة و شهادة المرائى له لا بمحاضرة شهادة النواظر بوجوده فى آثار قدرته من غير حضور معه . و يحتمل ان يريد بالمرائى : نفس الاثار التى ترى فيها فانّها شاهدة بوجود شهادة المعلول بوجود علته ، و تحليه للاوهام بها ظهوره لها فى صورة وجودها ، و وجود مدركاتها من جهة ما هو صانعها و موجدها ، اذ كانت الاوهام عند اعتبارها لاحوال نفسها معترفة بحاجتها الى موجد و مقيم ، و مساعدة للعقول فى حكمها بذلك ، و ان كان ادراكها على وجه جزئى فكانت مشاهدة له بحسب ما طبعت عليه و بقدر امكانها ، و هو متحل لها كذلك . و الباء فى بها : للسّبيّة اذ وجودها هو السبب المادّى فى تحلّيه لها . و يحتمل ان يكون بمعنى فى اي : فى وجودها و معنى بل هاهنا بعد سلب الاحاطة به ، انّ الاوهام لم تكن ادراكها له على وجه الاحاطة به ، بل على الوجه المذكور و الممكن من تحلّيه لها . و قوله : و بها امتنع منها ، اي بخلقها قاصرة عن ادراك المعانى الكلّية المجرّدة كانت مبدأ لامتناعه من ادراكها له ، و محاكمته لها اليها جعلها حكما بينها و بينه عند رجوعها من توجّهها فى طلبه منجذبة خلف العقول ، حسيرة معترفة بانّه لا يمكن ادراكه . و قيل : اراد بالأوهام :

العقول . و قوله : بها امتنع ، اى : بالعقول و نظرها علم انّها لا تدركه ، و اليها حاكمها ، اى :

جعل العقول المدّعية انّها تحيط به و تدركه كالخصوم ثم حاكمها الى العقول السليمة

[ 429 ]

فحكمت له العقول السليمة على المدّعية لما ليست أهلا له . او انّه جعل تلك المدّعية هى الحاكمة على نفسها بعد اجتهادها فى طلبه ، و اعترافها بالعجز عن ادراكه ، و وجوب الحجج ، اى : الحجج الواجبة على الخلق . و الفلج : الفوز . و النار : الاعلام . و الأمراس جمع مرس بفتح الراء و هى الحبل . و باللّه التوفيق .

منها : فى صفة عجيب خلق أصناف من الحيوانات :

و لو فكّروا فى عظيم القدرة ، و جسيم النّعمة ، لرجعوا إلى الطّريق ، و خافوا عذاب الحريق ، و لكنّ القلوب عليلة ، و الأبصار مدخولة ألا ينظرون إلى صغير ما خلق كيف أحكم خلقه ، و أتقن تركيبه ، و فلق له السّمع و البصر ، و سوّى له العظم و البشر ؟

أنظروا إلى النّملة فى صغر جثّتها ، و لطافة هيئتها ، لا تكادتنال بلحظ البصر ،

و لا بمستدرك الفكر ، كيف دبّت على أرضها ، و صبّت على رزقها تنقل الحبّة إلى جحرها ، و تعدّها فى مستقرّها ، تجمع فى حرّها لبردها ، و فى وردها لصدرها ، مكفولة برزقها ، مرزوقة بوفقها ، لا يغفلها المنّان ، و لا يحرمها الدّيّان ، و لو فى الصّفا اليابس ،

و الحجر الجامس ، و لو فكّرت فى مجارى أكلها ، فى علوها و سفلها ، و ما فى الجوف من شراسيف بطنها ، و ما فى الرّأس من عينها و أذنها ، لقضيت من خلقها عجبا ، و لقيت من وصفها تعبا ، فتعالى الّذى أقامها على قوائمها ، و بناها على دعائمها لم يشركه فى فطرتها فاطر ، و لم يعنه فى خلقها قادر . و لو ضربت فى مذاهب فكرك لتبلغ غاياته ما دلّتك الدّلالة إلاّ على أنّ فاطر النّملة هو فاطر النّخلة ، لدقيق تفصيل كلّ شى‏ء ، و غامض اختلاف كلّ حىّ و ما الجليل و اللّطيف ، و الثّقيل و الخفيف ، و القوىّ و الضّعيف ، فى خلقه إلاّ سواء و كذلك السّماء و الهواء ، و الرّياح و الماء فانظر إلى الشّمس و القمر ،

و النّبات و الشّجر ، و الماء و الحجر ، و اختلاف هذا اللّيل و النّهار ، و تفجّر هذه البحار ، و كثرة هذه الجبال ، و طول هذه القلال ، و تفرّق هذه اللّغات ، و الألسن المختلفات ، فالويل لمن أنكر المقدّر ، و جحد المدبّر . زعموا أنّهم كالنّبات مالهم زارع ، و لا لاختلاف صورهم صانع و لم يلجأوا إلى حجّة فيما ادّعوا ، و لا تحقيق لما أوعوا ، و هل يكون بناء من غير بان ، أو جناية من غير جان ؟

[ 430 ]

و إن شئت قلت فى الجرادة إذ خلق لها عينين حمراوين ، و أسرج لها حدقتين قمر اوين ، و جعل لها السّمع الخفىّ ، و فتح لها الفم السّوىّ ، و جعل لها الحسّ القوىّ ، و نابين بهما تقرض و منجلين بهما تقبض ، يرهبها الزّرّاع فى زرعهم ، و لا يستطيعون ذبّها ، و لو أجلبوا بجمعهم ، حتّى ترد الحرث فى نزواتها ، و تقضى منه شهواتها و خلقها كلّه لا يكون إصبعا مستدقّة .

فتبارك اللّه الّذى يسجد له من فى السّموات و الأرض طوعا و كرها ، و يعفّر له خدّا و وجها ، و يلقى إليه بالطّاعة سلما و ضعفا ، و يعطى له القياد رهبة و خوفا . فالطّير مسخّرة لأمره ، أحصى عدد الرّيش منها و النّفس ، و أرسى قوائمها على النّدى و اليبس ، و قدّر أقواتها ، و أحصى أجناسها : فهذا غراب ، و هذا عقاب ، و هذا حمام ، و هذا نعام ، دعا كلّ طائر باسمه ، و كفل له برزقه ، و أنشأ السّحاب الثّقال فأهطل ديمها ، و عدّد قسمها فبلّ الأرض بعد جفوفها ، و أخرج نبتها بعد جدوبها . اقول : علة القلوب مرض الجهل . و مدخولة : معيوبة . و عيبها كونها لا يدرك العبر و لا ينتفع بها . و البشر : الجلد . و نقل الجاحظ من عجائب النملة انّها : يدّخر فى الصيف للشتاء فيقدّم فى حال المهلة و لا تضيع اوقات الفرصة ، و يبلغ من صحة تميّزها و النظر فى عاقبة امرها أن تخاف على الحبوب التى ادّخرتها للشتاء ان تعفّن و تسوسّ فى بطن الارض فتخرجها الى ظهرها لتنشرها ، و تعيد اليها جفافها و يضربها النسيم فينفى عنها العفن و الفساد ، و ربّما تختار فى الاكثر ان يكون ذلك العمل ليلا ليكون اخفى و فى القمر لانّها فيه أبصر ، فان كان مكانها نديّا و خافت ان تنبت الحبة نقرت موضع القطمير من وسطها لعلمها انّها من ذلك الموضع تنبت و ربّما فقلت الحبة بنصفين .

فأمّا ان كان الحب من الكزبرة فأنّها تفلقه ارباعا لان انصاف حب الكزبرة ينبت من بين جمع الحب . قال : و نقل الىّ من اثق به انّه احتفر بيت النمل ، فوجد الحبوب التى جمعتها كلّ نوع وحده . قال : و وجدنا فى بعضها انّ بعض الحبوب فوق بعض و بينها فواصل حائلة من التبن و نحوه 1 . و الجامس : الجامد ، و السراسيف : اطراف الاضلاع المحتوية على البطن ، و دعائمها ما يقوم فى بدنها مقام العظام و الاعصاب و نحوها . و قوله :

-----------
( 1 ) الحيوان 4 18 . حياة الحيوان 2 366 .

[ 431 ]

لدقيق تفصيل كل شى الى قوله حتى : اشارة الى اوسط الحجّة على ما ادّعاه من اشراك النملة على صغرها ، و النخلة فى طولها و عظمها فى الاستناد الى صانع واحد حكيم ، و تقرير الحجّة انّ فى النملة و النخلة تفصيلا لطيفا دقيقا ، و اختلاف شكل و هيئة و مقدار و وجوها من الحكمة و كل ما اشتمل على ذلك فله صانع مدبّر حكيم خصّصه بها دون غيره ،

فينتج انّهما يشتركان فى الحاجة الى صانع مدبّر حكيم خص كلا منهما بما يشتمل عليه ،

و هذه الحجة هى المسمّاة فى عرف المتكلّمين بالاستدلال بامكان الصفات . و قوله : و ما الجليل الى قوله سواء : اشارة الى انّ كل المخلوقات و ان اختلفت صفاتها و مقاديرها لا تفاوت فيها بالنظر الى قدرته ، و كمالها بين ان يفيض عنها صورة الحقير منها كالنملة ،

او العظيم منها كالنخلة بل التفاوت من جانب القابل .

و قوله : و كذلك السماء الى آخره اى : انّ الجميع متشابه فى الحاجة الى الصانع الحكيم ، و هو المخصص لكلّ بكماله اللائق به اذ ليس ذلك للجسميّة و لا للوازمها لتشابهها فى الجميع ، و لا لعوارضها لانّ الكلام فى الاختصاص بذلك العارض كالكلام فى الاختصاص بالصّفة و يلزم التسلسل ، فبقى ان يكون لامر خارج عنها و هو المدبّر الحكيم . و اشار بالجاحدين : الّذين زعموا الزعم المذكور الى جماعة من العرب انكروا الخالق و البعث ، و قالوا : بالدهر : المفنى كما حكى اللّه تعالى عنهم : ( ما هِىَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيَا نَمُوْتُ وَ نَحْيى وَ ما يُهْلِكُنا اِلاّ الدَّهْرُ ) 1 و قياس انفسهم على النبات من باب التمثيل و الاصل فيه النبات . و الفرع انفسهم ، و الحكم هو ما توهّموه من كونهم بلا صانع ، و الجامع هو ما يشتركون فيه مع النبات من الموت و الحياة او نحوه و جوابهم منع الحكم المذكور ،

و التّنبيه على ما هو معلوم بالضرورة من انّ كل صنعة فلها صانع ، و كل جناية فلها جان .

قوله : و ان شئت قلت فى الجرادة ، الى قوله : مستدقّة : تنبيه آخر على وجود الصانع الحكيم فى وجود الجرادة ، و حدقه قمراء اى : مضيئة . و السوىّ : المعتدل . و اراد بحسّها قوّتها الوهميّة . و اجلبوا : اجمعوا . و النزوات : الوثبات . و تعفير الخد : تمريغه فى العفر و هو التراب . و ارسى قوائمها : اثبتها و ارساها فى الندى كطير الماء . و اراد بالجنس : اللغوىّ و هو يصدق على النوع و الصنف فى المصطلح العلمىّ . و استعار وصف الدعاء هنا : لحكم

-----------
( 1 ) سورة الجاثية 24 .

[ 432 ]

القدرة الالهية على كلّ منها بالدخول فى الوجود ، و هو كقوله تعالى : ( فَقالَ لَها وَ لِلأَرْضِ أئتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ) 1 . و الفصل من افصح العبارات .