227 و من خطبة له عليه السّلام فى التوحيد ، و تجمع هذه الخطبة من أصول العلم ما لا تجمعه خطبة

ما وحّده من كيّفه ، و لا حقيقته أصاب من مثّله ، و لا إيّاه عنى من شبّهه ، و لا صمده من أشار إليه و توهّمه . كلّ معروف بنفسه مصنوع ، و كلّ قائم فى سواه معلول ، فاعل لا باضطراب آلة ، مقدّر لا بحول فكرة ، غنىّ لا باستفادة . لا تصحبه الأوقات ، و لا ترفده الأدوات ، سبق الأوقات كونه ، و العدم وجوده ، و الابتداء أزله .

بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له و بمضادّته بين الأمور عرف أن لا ضدّله ، و بمقارنته بين الأشياء عرف أن لا قرين له ، ضادّ النّور بالظّلمة ، و الوضوح بالبهمة ، و الجمود بالبلل ، و الحرور بالصّرد . مؤلّف بين متعادياتها ، مقارن بين متبايناتها ، مقرّب بين متباعداتها ، مفرّق بين متدانياتها . لا يشمل بحدّ و لا يحسب بعدّ ، و إنّما تحدّ الأدوات أنفسها ، و تشير الآلات إلى نظائرها .

منعتها منذ القدميّة ، و حمتها قد الأزليّة ، و جنّبتها لو لا التّكملة ، بها تجلّى صانعها للعقول ، و بها امتنع عن نظر العيون ، لا يجرى عليه السّكون و الحركة و كيف يجرى عليه ما هو أجراه ، و يعود فيه ما هو أبداه ، و يحدث فيه ما هو أحدثه ؟ إذا لتفاوتت ذاته ، و لتجزّأ كنهه ، و لا متنع من الأزل معناه و لكان له وراء إذ وجد له أمام و لا لتمس التّمام إذ لزمه النّقصان و إذا لقامت آية المصنوع فيه ، و لتحوّل دليلا بعد أن كان مدلولا عليه ، و خرج بسلطان الامتناع من أن يؤثّر فيه ما يؤثّر فى غيره .

الّذى لا يحول ، و لا يزول ، و لا يجوز عليه الأفول ، و لم يلد فيكون مولودا ، و لم يولد فيصير محدودا . جلّ عن اتّخاذ الأبناء ، و طهر عن ملا مسة النّساء ، لا تناله الأوهام فتقدّره ، و لا تتوهّمه الفطن فتصوّره ، و لا تدركه الحواسّ فتحسّه ، و لا تلمسه الأيدى فتمسّه .

-----------
( 1 ) سورة فصّلت 11 .

[ 433 ]

لا يتغيّر بحال ، و لا يتبدّل بالأحوال ، و لا تبليه اللّيالى و الأيّام ، و لا يغيّره الضّياء و الظّلام ،

و لا يوصف بشى‏ء من الأجزاء ، و لا بالجوارح و الأعضاء ، و لا بعرض من الأعراض ، و لا بالغيريّة و الأبعاض ، و لا يقال له حدّ و لا نهاية ، و لا انقطاع و لا غاية . و لا أنّ الأشياء تحويه ، فتقلّه أو تهويه ، أو أنّ شيئا يحمله فيميله أو يعد له . ليس فى الأشياء بوالج ، و لا عنها بخارج . يخبر لا بلسان و لهوات ، و يسمع لا بخروق و أدوات . يقول و لا يلفظ ، و يحفظ و لا يتحفّظ ، و يريد و لا يضمر ، يحبّ و يرضى من غير رقّة ، و يبغض و يغضب من غير مشقّة . يقول لمن أراد كونه « كن » فيكون لا بصوت يقرع ، و لا بنداء يسمع ، و إنّما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ، و مثله لم يكن من قبل ذلك كائنا ، و لو كان قديما لكان إلها ثانيا .

لا يقال كان بعد أن لم يكن فتجرى عليه الصّفات المحدثات و لا يكون بينها و بينه فصل ، و لا له عليها فضل ، فيستوى الصّانع و المصنوع ، و يتكافأ المبتدع و البديع . خلق الخلائق على غير مثال خلا من غيره ، و لم يستعن على خلقها بأحد من خلقه ، و أنشأ الأرض فأمسكها من غير اشتغال ، و أرساها على غير قرار ، و أقامها بغير قوائم ، و رفعها بغير دعائم ، و حصّنها من الأود و الاعوجاج ، و منعها من التّهافت و الانفراج ، أرسى أوتادها ،

و ضرب أسدادها ، و استفاض عيونها ، و خدّ أوديتها ، فلم يهن ما بناه ، و لا ضعف ما قوّاه .

هو الظّاهر عليها بسلطانه و عظمته ، و هو الباطن لها بعلمه و معرفته ، و العالى على كلّ شى‏ء منها بجلاله و عزّته ، لا يعجزه شى‏ء منها طلبه ، و لا يمتنع عليه فيغلبه ، و لا يفوته السّريع منها فيسبقه ، و لا يحتاج إلى ذى مال فيرزقه . خضعت الأشياء له ، و ذلّت مستكينة لعظمته ، لا تستطيع الهرب من سلطانه إلى غيره فتمتنع من نفعه و ضرّه ، و لا كفؤله فيكافئه ، و لا نظير له فيساويه هو المفنى لها بعد وجودها ، حتّى يصير موجودها كمفقودها .

و ليس فناء الدّنيا بعد ابتداعها ، بأعجب من إنشائها و اختراعها و كيف و لو اجتمع جميع حيوانها من طيرها و بهائمها ، و ما كان من مراحها و سائمها ، و أصناف أسناخها و أجناسها ، و متبلّدة أممها و أكياسها ، على إحداث بعوضة ما قدرت على إحداثها ، و لا عرفت كيف السّبيل إلى إيجادها ، و لتحيّرت عقولها فى علم ذلك و تاهت ،

[ 434 ]

و عجزت قواها و تناهت ، و رجعت خاسئة حسيرة عارفة بأنّها مقهورة ، مقرّة بالعجز عن إنشائها ، مذعنة بالضّعف عن إفنائها .

و إن اللّه سبحانه يعود بعد فناء الدّنيا وحده لا شى‏ء معه : كما كان قبل ابتدائها ،

كذلك يكون بعد فنائها ، بلا وقت و لا مكان ، و لا حين و لا زمان ، عدمت عند ذلك الآجال و الأوقات ، و زالت السنون و السّاعات ، فلا شى‏ء إلاّ الواحد القهّار الّذى إليه مصير جميع الأمور . بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها ، و بغير امتناع منها كان فناؤها ، و لو قدرت على الامتناع دام بقاؤها . لم يتكاءده صنع شى‏ء منها إذ صنعه ، و لم يؤده منها خلق ما خلقه و برأه ، و لم يكوّنها لتشديد سلطان ، و لا لخوف من زوال و نقصان ، و لا للاستعانة بها على ندّ مكاثر ، و لا للاحتراز بها من ضدّ مثاور ، و لا للازدياد بها فى ملكه ، و لا لمكاثرة و شريك فى شركه ، و لا لوحشة كانت منه فأراد أن يستانس إليها . ثمّ هو يفنيها بعد تكوينها ، لا لسأم دخل عليه فى تصريفها و تدبيرها ، و لا لراحة واصلة إليه ، و لا لثقل شى‏ء منها عليه . لم يملّه طول بقائها فيدعوه إلى سرعة إفنائها ، لكنّه سبحانه دبّرها بلطفه ، و أمسكها بأمره ، و أتقنها بقدرته ، ثمّ يعيدها بعد الفناء من غير حاجة منه إليها ، و لا استعانة بشى‏ء منها عليها ، و لا لانصراف من حال وحشة إلى حال استئناس ، و لا من حال جهل و عمى إلى علم و التماس ، و لا من فقر و حاجة إلى غنى و كثرة ، و لا من ذلّ وضعة إلى عزّ و قدرة . اقول الكيفية فى اللغة : الصفة ، و الحال التى عليها الشى‏ء ، و فى الاصطلاح العلمىّ :

هيئة قارة فى المحل لا يوجب اعتبار وجودها فيه نسبة الى امر خارج عنه . و لا قسمة فى ذاته و لا نسبة واقعة فى اجزائه ، و برهان منافاة الكيفية للتوحيد ما مر فى الخطبة الأولى فى قوله : ( فمن وصف اللّه سبحانه فقد قرنه و من قرنه فقد ثنّاه ) و ظاهر انّ من ثنّاه لم يوحّده .

قوله : و لا حقيقته اصاب من مثّله ، اى : اثبت مثلا و برهانه انّ المثل للشى‏ء هو المشارك له امّا فى ذاته او فى بعض اجزائها ، او فى صفة خارجة عنها ، و هو تعالى لا شريك له فى ذاته و الاّ لاحتاج الى مميّز من خارج لا يكون مقتضى ذاته ، و الاّ لكان مشتركا غير مميز له بل مقتضى علة اخرى فيكون واجب الوجود محتاجا فيما يميزّه عن غيره الى غيره ، هذا

[ 435 ]

خلف و لا شريك له فى بعض الاجزاء و الاّ لكان مركّبا فكان ممكنا هذا خلف ، و لا فى صفة خارجة عن ذاته اذا ثبت انّه لا صفة له وراء ذاته . و كذلك قوله : و لا ايّاه عنى من شبهه . و صمده‏اى قصده و قد سبق فى الخطبة الاولى : امتناع الاشارة العقلية و الوهمية اليه ، فمن اشار اليه ، فقد اشار الى غيره فلم يتحقق قصده ايّاه و مدار هذه الاشارات على انّه تعالى غير معلوم الذات بالكنه . و قوله : كل معروف بنفسه مصنوع : شروع فى البرهان على ذلك ، و هو صغرى ضمير تقدير كبراه و كلّ ما هو مصنوع فهو ليس باله العالم ينتج كلّ معروف بنفسه فهو ليس باله العالم ، و ينعكس بعكس النقيض الى كل ما هو اله العالم فهو غير معروف بنفسه فتجعله كبرى ، و يضم اليه صغرى صادقة هى قولنا انّه تعالى إله العالم فينتج انّه تعالى غير معروف بنفسه . و امّا بيان صغرى الضمير فهو انّ الحقيقة انّما نعلمها بأجزائها ، و كلّ ذى جزء فهو مركّب فله مركب فهو مصنوع . و قوله : و كل قائم فى سواه معلول : تنزيه له عن حاجته الى المحل ، و هو صغرى ضمير كالّذى قبله ، و ان شئت فهذه الجملة فى قوّة شرطيّة متّصلة هى صغرى ضمير ايضا تقديرها لو كان قائما فى سواء لكان معلولا ، و يستثنى نقيض لازمها لينتج انّه ليس بقائم فى سواه ، و بيان الملازمة : انّ القائم بغيره محتاج الى الغير فكان معلولا له و لما يقيمه فيه كما علم فى مظانّه ، و كونه مقدّرا كونه معطيا لكلّ مستحق مقدار ما يستحقه و يقبله من كمال الوجود ،

و لواحقه من أجل و رزق و نحوهما . و غناه تعالى عدم حاجته الى غيره و لا باستفادة تنزيه له عن غنى غيره و لا تصحبه الاوقات اى : ليس هو بذى وقت يقارنه و يحلّ فيه ، و ترفده :

تعينه . و لما كان كل مسبوق بالعدم ممكنا كان ما ليس بممكن غير مسبوق بالعدم ،

فكان تعالى سابق الوجود على كلّ عدم لغيره و الابتداء ازله اى : سبقت ازليته ابتداء العالم . و قوله : بتشعيره الى قوله له : لانّ المشاعر ان كانت له من غيره كان محتاجا الى غيره هذا خلف ، و ان كانت من ذاته ، فان كانت من كمال الهيّته كان موجدا لها من حيث هو فاقد كمالا ، فكان ناقصا بذاته هذا خلف ، و ان لم يكن كذلك كان اثباتها له نقصا لانّ الزيادة على الكمال نقصان . و كذلك قوله : بمضادته الى قوله : له : اذ لو كان له ضد لكان خالقا لضده و لنفسه و هو محال ، و كذلك تنزيهه عن مقارنة الغير ، بمقارنته بين الأشياء ، و كذا مضادّته بين الاشياء خلقة لها على طبائعها المتضادّة ، و الوضح

[ 436 ]

و الوضوح : البياض : و البهمة : السواد . و الحرور : الحرارة . و الصّرد : البرد . و تفريقه بين متدانياتها ، بالفناء كما جمع بين متعادياتها بالتركيب و المزج . و لا يشمله حد اى :

لا يحيط به نهاية ، و لا يدخل فى حساب المعدودات و قد سبق بيانه . و الادوات : الآلات كالحواس و نحوها . و قوله : منعتها ، الى قوله : التكملة : يعود الضمير الى الآلات ، و محلّ منذ ، و قد : و لو لا : الرفع بالفاعليّة ، و المراد انّ اطلاق لفظ منذ على الآلات كما يقال هذه الآلة وجدت منذ كذا ، يمنع كونها قديمة اذ كان وضعها لابتداء الزمان ، و لذلك قد يفيد تقريب الماضى من الحال ، كقولك : قدوجدت هذه الآلة وقت كذا . و لا شى‏ء من الازلىّ بقريب من الحال ، و كذلك اطلاق لفظ لو لا عند النظر الى الآلات المستحسنة ،

كما يقال : ما احسن هذا لو لا كذا ، فيدلّ بها على امتناع كماله لوجود نقصان فيه : و انّما اشار الى نقصانها و حدوثها ، ليعلم انّها فى أبعد بعيد على تقديره و تحديده .

و قوله : بها ، الى قوله : العقول ، اى : بوجودها المحكم المتقن على انّ لها صانعا حكيما . و قوله : بها الى قوله : العيون اى : بإيجادها ، و خلقها بحيث تدرك بحسّ البصر ،

علم انّه تعالى ليس مثلها ، و هو كقوله : بتشعيره الى قوله : لا مشعر له . و قيل : اراد انّ وجودها لما كان سببا لكمال عقولنا ، و كمال عقولنا سببا لعلمنا بأنّه لا يرى بحسّ البصر كانت هى اسبابا فى العلم بانّه لا يرى . و قوله . اذن لتفاوتت ذاته ، الى قوله : فى غيره :

بيان لعدم جريان الحركة و السكون عليه من سبعة اوجه فى قياسات استثنائية اتّحد مقدّم المتّصلات فيها ، و تعدّدت تواليها ، و تقديره فى الاوّل لو جرت الحركة و السكون عليه لتفاوتت ذاته ، و معنى التفاوت : التغيّر و النقصان بتعاقب الحركة و السكون عليه ، و الملازمة هنا ظاهرة و فى الثانى انّ كل متحرّك جسم و كل جسم فله جزء . و فى الثالث انّ كلّ متحرك جسم و كلّ جسم فليس له من ذاته استحقاق الوجود فضلا عن استحقاق الازليّة التى معناها عدم اوّليّة الوجود ، فلو كان تعالى متحركا او ساكنا ، لم يكن لمعناه و حقيقته ازليّة بل ان كانت له فمن غيره . و فى الرابع انّه لو كان متحرّكا لكان له أمام يتحرك اليه و كل ماله أمام فله وراء . و فى الخامس ، انّه لو كان متحركا لالتمس التمام بحركته اذ الحركة لا بد ان تكون نحو غاية مطلوبة للمتحرّك هى كمال له فيكون ناقصا بذاته . و فى السادس انّه لو كان كذلك لكان جسما و فيه آثار الصنع و آياته . و فى السابع انّه لو كان

[ 437 ]

يتحوّل دليلا لكون جسمه مصنوعا يستدلّ به على صنعه و بطلان اللوازم فى هذه الأقيسة السبعة ظاهر ، فالملزوم و هو كون ممّا يجرى عليه الحركة و السكون باطل . و قوله : و خرج بسلطان الامتناع ، الى قوله : غيره : عطف على قوله امتنع و قيل : على قوله تجلّى اى : بها تجلى للعقول و خرج بسلطان امتناع كونه مثلا لها ، اى : بكونه واجب الوجود ، عن ان يكون ممكنا فيقبل اثر غيره ، و لا يحول ، اى : لا يتغير من حال الى حال . و الافول : الغيبة بعد الظهور ، و لو جاز عليه ، لما كان محجوبا لابراهيم عليه السلام حيث قال : ( لا اُحِبُّ الآفِلينَ ) 1 و قوله : فيكون محدودا ، اى : بالحلّ الخارج عنه ، و كونه تعالى لا يوصف بعرض اذ لا صفة له تزيد على ذاته و قد مرّبيانه . و لانّ محل الاعراض الجواهر و هو تعالى ليس بجوهر ، فلا يوصف بالأعراض . و قوله : فيقله ، و يميله منصوبان باضماران ، و عليه نسخة الرضى عليه الرحمة بخطه .

و روى مرفوعين على العطف و اخباره تعالى يعود الى خلقه الكلام فى لسان النبي صلى اللّه عليه و آله على وفق ما تصوّره من المعنى كما سنفسّره عليه السلام به ، و سماعه يعود الى علمه بالمسموعات ، و حفظه يعود الى علمه بما فى الفعل من الحكمة ، و المصلحة ، و هو المعروف بالداعيّ . و محبته ارادة هى مبدأ فعل ما و يقرب منه الرضا و هو منه تعالى علمه بطاعة العبدله ، و بغضه : يعود الى كراهته و هى علمه بعدم استحقاق العبد الثواب . و الغضب : يعود الى علمه بعصيانه ، و هو منزّه عن المتعارف من ثوران النفس عن تصوّر المؤدّى المستلزم للمشقّة : و قوله : لا بصوت يقرع اى : ليس بذى حاسّة سمع يقرعها الصوت و كذلك لا صوت له يسمع ، و من تفسيره عليه السلام لكلام اللّه استدلّت المعتزلة على كونه محدثا و مثله ، اى : صوره فى ذهن النبىّ ، و لسانه عليه السلام . و قيل : مثله لجبريل عليه السلام فى اللوح المحفوظ . و وجه الملازمة 2 لقوله : و لو كان قديما لكان الها ثانيا : انّه لو كان قديما لكان واجب الوجود بذاته لأنه لو كان ممكنا ، لكان صفة له تعالى قائمة بذاته لامتناع قيام صفة الشى‏ء بغيره فهى ان كانت معتبرة فى كمال الهيته ، كان ناقصا بذاته هذا خلف ، و ان لم يكن كانت زائدة على كماله اللائق به و الزيادة سفلى

-----------
( 1 ) سورة الانعام 76

-----------
( 2 ) فى نسخة ش : فى قوله .

[ 438 ]

الكمال نقصان ، فثبت انّه لو كان كلامه قديما لكان واجب الوجود لذاته فكان الها ثانيا و قد ثبت انّه واحد ، و خلا : سبق .

و ارساها : اثبتها ، و الأود : الاعوجاج . و التهافت : السقوط . و الاسداد : جمع سد و هو كل ما حجز بين الشيئين . و الكفو : المثل . و قوله : و ليس فناء الدنيا ، الى قوله : و اختراعها :

تنبيه على فساد قول من زعم انّ العالم لا يفنى . و مفهومه انّ الانشاء اعجب و اصعب ،

وجه التنبيه قوله : و كيف و لو اجتمع الى قوله افناءها ، و كيف يكون الافناء اعجب من الانشاء و الحال ما ذكرنا . و مراحها : ما يراح من مرابطها . و سائمها : ما ارسل منها للرعى . و اسناخها : اصولها .

فان قلت : كيف تقرّ العقول بالضعف عن افناء البعوضة من امكان ذلك و سهولته ؟

قلت : انّ العبد اذا نظر الى نفسه بالنسبة الى قدرة الصانع جلّت عظمته و جد نفسه عاجزة عن كلّ شى‏ء ، الاّ بأذن منه و معونة ، و انّه ليس له الاّ الاعداد لحدوث ما ينسب اليه من الآثار فأما نفس وجود الأثر فمن واجب الكل ، و ايضا فانّه تعالى كما خلق للعبد قدرة على النفع و الضرّ ، كذلك خلق للبعوضة قدرة على الامتناع و الهرب من ضوره بالطيران بل على ان تؤذيه فلا يتمكن من دفعها عن نفسه فكيف يستسهل العاقل افناؤها من غير معونة من صانعها . و خاسئة ذليلة . و تكاّد : الأمر شق عليه . و آداه : أثقله . و المثاور :

المواثب . و باقى الاعتبارات له تعالى ظاهرة ، و قد مرّ فى اثناء الكلام بيانها ، و ما ينبّه عليها ، و باللّه التوفيق .