228 و من خطبة له عليه السّلام يختص بذكر الملاحم

ألا بأبى و أمّى هم من عدّة ، أسماؤهم فى السّماء معروفة ، و فى الأرض مجهولة ، ألا فتوقّعوا ما يكون من إدبار أموركم ، و انقطاع وصلكم ، و استعمال صغاركم .

ذاك حيث تكون ضربة السّيف على المؤمن أهون من الدّرهم من حلّه ، ذاك حيث يكون المعطى أعظم أجرا من المعطى ، ذاك حيث تسكرون من غير شراب بل من النّعمة و النّعيم ، و تحلفون من غير اضطرار ، و تكذبون من غير إحراج ، و ذلك إذا عضّكم البلاء

[ 439 ]

كما يعضّ القتب غارب البعير ، ما أطول هذا العناء ، و أبعد هذا الرّجاء .

أيّها النّاس ، ألقوا هذه الأزمّة الّتى تحمل ظهورها الأثقال من أيديكم ، و لا تصدّعوا على سلطانكم فتذمّوا غبّ فعالكم ، و لا تقتحموا ما استقبلتم من فور نار الفتنة ، و أميطوا عن سننها ، و خلّوا قصد السّبيل لها ، فقد لعمرى يهلك فى لهبها المؤمن ، و يسلم فيها غير المسلم .

إنّما مثلى بينكم مثل السّراج فى الظّلمة ليستضى‏ء به من ولجها ، فاسمعوا أيّها النّاس وعوا ، و أحضروا آذان قلوبكم تفهموا . أقول : هم مبتدأ ، خبره مقدّم ، و هو : اشارة الى بعض اولياء اللّه فيما يستقبل من زمانه عليه السلام ، و معرفة اسمائهم فى السماء كناية عن علوّ درجاتهم عند اللّه ، و فى الملأ الأعلى وجهلهم فى الارض : كناية عن خمول ذكرهم بين أهلها كما هو شأن اكثر الاولياء . و قوله : الا فتوقّعوا : انذار بما يكون بعده من الفتن بدولة بنى اميّة و غيرها المستلزمة لادبار امورهم الصالحة و انقطاع وصلهم ، و هى الانتظامات الحاصلة بسبب اتّفاق كلمتهم فى وجوده عليه السلام ، و استعمال اراذلهم فى تدبير امورهم . و قوله : ذاك الى قوله : البعير : اشارة الى اربع علامات لوقوع ما انذر به :

احداها : تعذّر الدرهم الحلال على المؤمن و قلّته الى الغاية المذكورة .

الثانية ان يكون المعطى اعظم اجرا من المعطى ، إمّا لانّ اكثر اموال المعطين حينئذ مشوبة بالحرام ، او تقصد فيها الرياء فيقلّ اجره و يكون المعطى فقيرا ذا عيال ، فإذا أخذ لسّد خلته كان اعظم اجرا ممن يعطيه .

الثالثة استعار وصف السكر : لغفلته فى نعمة الدنيا عمّا ينبغى ، و يلزم ذلك اليمين الباطلة من غير ضرورة بل غفلة عن عظمة اللّه ، و الكذب من غير إحراج ، اي : من غير ضرورة تضيق الاعذار بل تصير ملكة و خلقا .

الرابعة عضّ بلاء الفتن لهم . و قوله : ما اطول ، الى قوله : الرجاء : كلام منقطع عمّا قبله فكأنّه قال ذاك ، اذا عضّكم البلاء حتى تقولوا ما اطول التعب الّذى نحن فيه ، و ما ابعد الرجاء للخلاص منه ، هو بقيام المنتظر من الائمة عليهم السلام . و يحتمل ان يكون

[ 440 ]

متّصلا و يكون كلاما له مستأنفا فى معنى التوبيخ على الحرص فى الدنيا اى : ما اطول هذا العناء اللاحق لكم فى طلبها ، و ما أبعد هذا الرجاء الذى ترجونه منها و يحتمل ان يريد بالعناء الطويل : عناءه فى جذبهم الى اللّه ، و بالرجاء : رجاء لصلاحهم . و استعار لفظ الأزمة : للاراء الفاسدة المتبّعة و للأهواء القائدة الى المآثم . و لفظ الظهور :

لأنفسهم . و لفظ الأثقال : للمآثم المثقلة للنفوس العاقلة عن النهوض الى حضائر القدس . و التصدّع التفرّق . و غبّ كلّ شى‏ء عاقبته ، و اقتحامهم : لما يستقبل من نار الفتنة بتصدّعهم عنه اذ افتراق الآراء سبب لظهور العدوّ عليهم ، و قيام الفتنة به و الاماطة و الميط : التنحى و تلك الاماطة بالعدول عن الآراء الفاسدة و التفرّق عنها .

و قوله : لعمرى ، الى قوله : المسلم : من كراماته عليه السلام ، فانّ الدائرة فى فتنة بنى اميّة عليهم اللعنة كانت على من لزم دينه و اشتغل بعبادة ربّه و خاصة من اهل البيت و ذريّة الرسول صلّى اللّه عليه و آله ، و كانت الغلبة للمنافقين و من تقرّب الى قلوبهم بالكذب على اللّه و على رسوله . و ولجها : دخلها ، و باللّه التوفيق .