230 و من خطبة له عليه السّلام

فمن الإيمان ما يكون ثابتا مستقرا فى القلوب ، و منه ما يكون عوارى بين القلوب و الصّدور إلى أجل معلوم ، فإذا كانت لكم براءة من أحد فقفوه حتّى يحضره الموت ، فعند ذلك يقع حدّ البراءة . و الهجرة قائمة على حدّها الأوّل . ما كان للّه فى أهل الأرض حاجة من مستسرّ الأمّة و معلنها ، لا يقع اسم الهجرة على أحد إلاّ بمعرفة الحجّة فى الأرض ، فمن عرفها و أقرّبها فهو مهاجر ، و لا يقع اسم الاستضعاف على من بلغته الحجّة فسمعتها أذنه و وعاها قلبه .

إنّ أمرنا صعب مستصعب ، لا يحمله إلاّ عبد مؤمن امتحن اللّه قلبه للإيمان ، و لا يعى حديثنا إلاّ صدور أمينة ، و أحلام رزينة .

أيّها النّاس ، سلونى قبل أن تفقدونى فلأنا بطرق السّماء أعلم منّى بطرق الأرض ،

قبل أن تشغر برجلها فتنة تطأ فى خطامها ، و تذهب بأحلام قومها . اقول : قسم عليه السلام الإيمان الى قسمين ، و وجه الحصر فيهما انّ الايمان لما كان عبارة عن التصديق بوجود الصانع و صفاته ، و صدق رسوله فيما جاء به ، فتلك الاعتقادات ان بلغت حدّ الملكات فى النفوس فهى الايمان الثابت المستّقر فى القلب ،

و ان لم تبلغ ذلك بل كانت حالات فى معرض التغيّر و الانتقال فهى العوارىّ . و استعار لفظها باعتبار كونها فى معرض الزوال كالعارية التى هى فى معرض الاسترجاع ، و كونها بين القلوب و الصدور : كناية عن عدم استقرارها فى جواهر النفوس . و قيل : اراد بالمستّقر :

[ 442 ]

الايمان باخلاص و تغيّره ما كان على وجه النّفاق ، اذ كان ذلك لعرض ثم يزول فاذا كانت لكم الى قوله براءة معناه : اذا اردتم التبرّى من احد من اهل الكتاب فقفوه الى حال الموت و لا تبادروا الى البراءة منه ، فانّ اعظم الكبائر الكفر و جائز من الكافر ان يسلم ، فاذا بلغ منتهى الحياة و لم يقلع جاز حينئذ البراءة منه . و قيل : و هذه البراءة هى المطلقة اذيجوز لنا ان نبرء من الفاسق فى حياته براءة مشروطة بالإصرار عليها .

و قوله : و الهجرة قائمة على حدّها الاوّل ، اى : لما كانت حقيقة الهجرة لغة ترك منزل الى آخر لم يكن تخصيصها بهجرة الرسول صلى اللّه عليه و آله من مكة الى المدينة ، و من تبعه مخرجا لها عن اخذها اللغوّى ، و اذا كان كذلك كان مراده من بقائها على حدّها الاوّل ، صدقها على من هاجر اليه و الى الائمة من اهل بيته فى طلب دين اللّه لصدقها على من هاجر الى الرسول عليه السلام . و فى معناها ترك الباطل الى الحق كقوله تعالى : ( و من يهاجر فى سبيل اللَّه ) الآية 1 . و قوله صلى اللّه عليه و آله : المهاجر من هاجر ما حرّم اللّه عليه .

و لانّ المقصود من الهجرة ليس الاّ اقتباس الدين ، و تعرّف كيفية سبيل اللّه و هذا المقصود حاصل من يقوم مقام الرسول صلّى اللّه عليه و آله ، بحيث لا فرق بين النبوّة و الامامة ،

و لا مدخل لاحد هذين الوصفين فى تخصيص مسمّى الهجرة بمن قصد الرسول ، دون من قصد الائمة عليهم السلام ، فان قلت : فقد قال صلى اللّه عليه و آله : لا هجرة بعد الفتح 2 حتى شفع عمه العباس فى نعيم بن مسعود الأشجعى أن يستثنيه فاستثناه .

قلت : يحمل ذلك على انّه لا هجرة من مكة بعد فتحها الى المدينة توفيقا بين الدليلين ، و سلب الخاص لا يستلزم سلب العام . و مقصوده عليه السلام من هذه الكلمة ،

الدعوة الى الدين و اقتباسه منه ، و من اهل بيته عليهم السلام .

و قوله : ما كان للّه ، الى قوله : و معانيها ، فما : بمعنى المدّة اى : و الهجرة قائمة على حدّها الاوّل مهما كان للّه فى اهل الأرض ممن أسرّدينه او أظهره حاجة . و استعار لفظ الحاجة : لطلبه تعالى العبادة بالأوامر و النّواهى . و يحتمل ان يكون ما : نافية و الكلمة و ما قبلها و ما بعدها ، و هو قوله : و لا يقع اسم الهجرة ، الى قوله : قبله كلمات ملتقطة متقطّعة .

و الحجة فى الارض : هو امام الوقت ، و مقتضى الكلام انّ اطلاق اسم الهجرة على طالب الدين مشروطة

-----------
( 1 ) سورة النساء 100 .

-----------
( 2 ) صحيح مسلم 3 1487 . الجامع الصغير 2 752 .

[ 443 ]

بمعرفة عين الامام و قصده . و يحتمل . ان يكون الشرط معرفته بالاخبار دون المشاهدة ، و يكون اطلاق اسم الهجرة على طالب الدين كأطلاقه على من ترك الحرام فى قوله عليه السلام : ( المهاجر من هاجر ما حرّم اللّه عليه ) . و قوله : و لا يصدق الى قوله : قلبه بالحجّة : قول الامام و له مفهومان .

احدهما انّ من بلغته الأحكام من الامام فوعاها ، و فهمها ، و امكنه العمل بها لم يصدق عليه اسم المستضعف كما صدق على من ذكر اللّه تعالى بقوله : ( الاّ المستضعفين من الرجال و النساء و الولدان ) الآية 1 . حتى يكون معذورا فى ترك التفهّم الاخبار و العمل بها ، بل يؤاخذ على ترك العمل و يعاقب و ان لم يكلف النهوض و المهاجرة اليه فى طلب الدين كما قال تعالى : ( انّ الّذين توفّيهُمُ الملائكةُ ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مُسْتَضْعَفِينَ فى الأرض قالوا ألم تَكُنْ أرضُ اللَّه واسعةً ) الآية 2 . و قوله : انّ امرنا صعب مستصعب : فأمرهم شأنهم و مالهم من الكمال الخارج عن كمال غيرهم كالقدرة على ما يخرج عن وسع غيرهم ، و الحديث من الأمور الغيبية كالوقائع المستقبلة لزمانه التى وقعت وفق اخباره فأن هذا الشأن صعب فى نفسه لا يقدر عليه الاّ الانبياء ، و اوصياء الانبياء ، و مستصعب الفهم على الخلق معجوز عن حمل ما يلقى منه من الاشارات ،

و لا يحتمله الاّ نفس عبد امتحن اللّه قلبه للايمان فعرف كمالهم ، و كيفية صدور هذه الغرائب عنهم و لم يستنكر ذلك و يتعجّب منه و يتلقّاه بالتكذيب ، كما فعل ذلك جماعة من جهّال اصحابه بل يتلقّى ما يصدر عنهم بالإيمان به ، و اولئك هم اصحاب الصدور الأمينة ، و الاحلام الرّزينة . و اجمع الناس على انّه لم يقل احد من الصحابة : سلونى غير على عليه السلام 3 . و اراد بطرق السماء : وجوه الهداية الى معرفة منازل سكّان السموات من الملأ الأعلى ، و مراتبهم من حضرة الربوبية و علمه بما هناك اتمّ من علمه بطرق الأرض بمقدار اتصاله بالملأ الأعلى ، و انقطاعه عن الدنيا ، و هذا اعمّ من قول من قال اراد انّه اعلم بالدين و قوانينه منه بالدنيا و أحوالها . و الفتنة : فتنة بنى اميّة . و كنى بشغر رجلها :

عن خلو تلك الفتنة من مدبّر يديرها ، و يحفظ نظام الدين يومئذ . و استعار وصف الناقة المرسل خطامها فهى : تخبط فيه ، و كنى به عن وقوع تلك الفتنة على غير نظام بل يقتل

-----------
( 1 ) سورة النساء 98 .

-----------
( 2 ) سورة النساء 97

-----------
( 3 ) الغدير 2 44 و ج 6 148 ، 193 ، 194 و ج 7 107 و ج 10 351 .

[ 444 ]

فيها المؤمن البرى‏ء ، و يتمتع فيها المنافق الشقىّ . و يذهب بأحلام قومها اى : يستخف ذوى العقول فيخوضون فيها ، و يسرعون اليها لغفلتهم فيها عن وجه الحق . و باللّه التوفيق .