231 و من خطبة له عليه السّلام

أحمده شكرا لإنعامه ، و أستعينه على وظائف حقوقه . عزيز الجند ، عظيم المجد .

و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله دعا إلى طاعته ، و قاهر أعداءه جهادا على دينه . لا يثنيه عن ذلك اجتماع على تكذيبه ، و التماس لإطفاء نوره . فاعتصموا بتقوى اللّه فإنّ لها حبلا وثيقا عروته ، و معقلا منيعا ذروته ، و بادروا الموت و غمراته . و امهدوا له قبل حلوله ، و أعدّوا له قبل نزوله : فإنّ الغاية القيامة و كفى بذلك واعظا لمن عقل ، و معتبرا لمن جهل . و قبل بلوغ الغاية ما تعلمون من ضيق الأرماس ، و شدّة الإبلاس ، و هول المطّلع ، و روعات الفزع ، و اختلاف الأضلاع ، و استكاك الأسماع ، و ظلمة اللّحد ، و خيفة الوعد ، و غمّ الضّريح ، و ردم الصّفيح .

فاللّه اللّه عباد اللّه فإنّ الدّنيا ماضية بكم على سنن ، و أنتم و السّاعة فى قرن ، و كأنّها قد جاءت بأشراطها ، و أزفت بأفراطها ، و وقفت بكم على صراطها . و كأنّها قد أشرفت بزلازلها ، و أناخت بكلا كلها ، و انصرمت الدّنيا بأهلها ، و أخرجتهم من حضنها ،

فكانت كيوم مضى ، أو شهر انقضى ، و صار جديدها رثّا ، و سمينها غثّا ، فى موقف ضنك المقام ، و أمور مشتبهة عظام ، و نار شديد كلبها ، عال لجبها ، ساطع لهبها ، متغيّظ زفيرها ،

متأجّج سعيرها ، بعيد خمودها ، ذاك و قودها ، مخيف وعيدها ، غم قرارها ، مظلمة أقطارها ، حامية قدورها ، فظيعة أمورها ( وَ سِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ) 1 قد أمن العذاب ، و انقطع العتاب ، و زحزحوا عن النّار ، و اطمأنّت بهم الدّار ، و رضوا المثوى و القرار ،

الّذين كانت أعمالهم فى الدّنيا زاكية ، و أعينهم باكية ، و كان ليلهم فى دنياهم نهارا تخشّعا و استغفارا ، و كان نهارهم ليلا توحّشا و انقطاعا ، فجعل اللّه لهم الجنّة مآبا ،

و الجزاء ثوابا ، و كانوا أحقّ بها و أهلها ، فى ملك دائم ، و نعيم قائم .

فارعوا عباد اللّه ما برعايته يفوز فائزكم ، و بإضاعته يخسر مبطلكم و بادروا آجالكم

-----------
( 1 ) سورة الزمر 71 .

[ 445 ]

بأعمالكم فإنّكم مرتهنون بما أسلفتم ، و مدينون بما قدّمتم ، و كأن قد نزل بكم المخوف فلا رجعة تنالون ، و لا عثرة تقالون . استعملنا اللّه و إيّاكم بطاعته و طاعة رسوله ، و عفا عنّا و عنكم بفضل رحمته ، الزموا الأرض ، و اصبروا على البلاء ، و لا تحرّكوا بأيديكم و سيوفكم فى هوى ألسنتكم ، و لا تستعجلوا بما لم يعجّله اللّه لكم ، فإنّه من مات منكم على فراشه و هو على معرفة حقّ ربّه و حقّ رسوله و أهل بيته مات شهيدا و وقع أجره على اللّه ، و استوجب ثواب ما نوى من صالح عمله ، و قامت النّيّة مقام إصلاته لسيفه ، و إنّ لكلّ شى‏ء مدّة و أجلا . اقول : استعار لفظ الحبل و العروة : لما يتمسك به من التقوى ، و يعتصم به من النار .

و المعقل : الملجأ كالجبل . و امهدوا له : اجعلوا له مهادا من التقوى . و الارماس : القبور .

و الإبلاس : الانكسار و الحزن . و المطلع : موضع الاطّلاع و هو منازل الآخرة . و محفل القيامة و اختلاف الاضلاع : كناية عن ضغطة القبر المستلزمة لذلك . و الصفيح : حجارة يردم بها القبر و يسدّه . و السنن : القصد ، و اراد على سنن واحد و هو طريق الآخرة . و فى قرن اى : مقترنين . و القرن : الحبل يقرن به البعيران . و اشراط الساعة : علاماتها . و ازفت :

دنت . افراطها : مقدّماتها . و استعار لفظ الكلاكل و هى : الصدور لاثقالها ، و لفظ الحصن : لحصونهم فيها ، و اشتمالها على منافعهم فهى : كالامّ الحاضنة لهم . و الرثّ :

الخلق . و الغث : الهزيل . و الضنك : الضيق . و الكلب : الشّر . و اللجب : الصوت . و الساطع :

المرتفع . و ذاك : مشتعل ، و الزمرة : الجماعة . و مبادرة الآجال بالأعمال : مسابقتها بها ،

استعدادا لتسهيل الموت . و مدينون : مجزؤن .

و قوله : الزموا الأرض الى آخره قيل : هو خطاب خاصّ لمن يكون بعده من اصحابه ،

و لزوم الارض : كناية عن الصبر على المكاره ، و الثبات فى زمن الفتنة ، و عدم النهوض و الجهاد ما لم يقم لهم قائم بحق . و الباء فى بأيديكم : على المكاره . و هوى السنتكم :

اراد بهم السّب و الشتم . و لا تحرّكوا ايديكم و سيوفكم و السنتكم بهواها و لا تعجلوا بما لم يعجّله اللّه لكم من الجهاد قبل ظهور امام عادل . و قوله : فانّه من مات الى قوله بسيفه : بيانا لحكمهم فى زمن عدم قيام الامام العادل بعده لطلب الأمر . و تنبيه على ثمرة الصبر . و هو :

[ 446 ]

انّ من مات منهم على فراشه مع معرفته بحق اللّه ، و حق رسوله ، و اهل بيته ، و الاعتراف بكونهم ائمة الحق ، و الاقتداء بهم ، لحق بدرجة الشهداء ، و وقع اجره على اللّه بذلك ، و قام صبره على المكاره و نيته انّه من انصار الحق و اهله مقام جهاده بسيفه فى استحقاق الأجر . و قوله : فانّ لكل شى‏ء مدّة و أجلا : تنبيه على انّ لجهادهم وقتا يجب فيه ، و لعدّوهم مدّة و دولة لا يجوز لهم القيام فيها مع غير امام حق . هذا هو المتبادر الى الفهم من الكلام و اللّه اعلم .