232 و من خطبة له عليه السّلام

الحمد للّه الفاشى حمده ، و الغالب جنده ، و المتعالى جدّه ، أحمده على نعمه التّؤام ،

و آلائه العظام ، الّذى عظم حلمه فعفا ، و عدل فى كلّ ما قضى ، و علم ما يمضى و ما مضى ،

مبتدع الخلائق بعلمه ، و منشئهم بحكمه بلا اقتداء و لا تعليم ، و لا احتذاء لمثال صانع حكيم ، و لا إصابة خطا ، و لا حضرة ملا . و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله ابتعثه و النّاس يضربون فى غمرة ، و يموجون فى حيرة . قد قادتهم أزمّة الحين ، و استغلقت على أفئدتهم أقفال الرّين .

أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه فإنّها حقّ اللّه عليكم ، و الموجبة على اللّه حقّكم ، و أن تستعينوا عليها باللّه و تستعينوا بها على اللّه ، فإنّ التّقوى فى اليوم الحرز و الجنّة ، و فى غد الطّريق إلى الجنّة : مسلكها واضح ، و سالكها رابح ، و مستودعها حافظ ، لم تبرح عارضة نفسها على الأمم الماضين و الغابرين لحاجتهم إليها غدا إذا أعاد اللّه ما أبدى . و أخذ ما أعطى . و سأل عمّا أسدى . فما أقلّ من قبلها و حملها حقّ حملها : اؤلئك الأقلّون عددا .

و هم أهل صفة اللّه سبحانه إذ يقول : ( وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ ) 1 . فأهطعوا بأسماعكم إليها ، و اكظوا بجدّكم عليها ، و اعتاضوها من كلّ سلف خلفا ، و من كلّ مخالف موافقا ، أيقظوا بها نومكم ، و اقطعوا بها يومكم ، و أشعروها قلوبكم ، و ارحضوا بها ذنوبكم . و داووا بها الأسقام ، و بادروا بها الحمام ، و اعتبروا بمن أضاعها ، و لا يعتبرنّ بكم من أطاعها . ألا و صونوها و تصوّنوا بها . و كونوا عن الدّنيا نزّاها ، و إلى الآخرة ولاّها ،

-----------
( 1 ) سورة سبأ 13 .

[ 447 ]

و لا تضعوا من رفعته التّقوى ، و لا ترفعوا من رفعته الدّنيا ، و لا تشيموا بارقها ، و لا تستمعوا ناطقها ، و لا تجيبوا ناعقها ، و لا تستضيئوا بإشراقها ، و لا تفتنوا بأعلاقها ، فإنّ برقها خالب ،

و نطقها كاذب ، و أموالها محروبة ، و أعلاقها مسلوبة ، ألا و هى المتصدّية العنون ، و الجامحة الحرون ، و المائنة الخؤون و الجحود الكنود ، و العنود الصّدود ، و الحيود الميود : حالها انتقال ، و وطأتها زلزال ، و عزّها ذلّ ، و جدّها هزل ، و علوها سفل ، دار حرب و سلب ، و نهب و عطب ، أهلها على ساق و سياق ، و لحاق و فراق . قد تحيّرت مذاهبها ، و أعجزت مهاربها .

و خابت مطالبها ، فأسلمتهم المعاقل ، و لفظتهم المنازل ، و أعيتهم المحاول ، فمن ناج معقور ، و لحم مجزور ، و شلو مذبوح و دم مسفوح ، و عاضّ على يديه ، و صافق بكفّيه ، و مرتفق بخدّيه ، و زار على رأيه ، و راجع عن عزمه ، و قد أدبرت الحيلة ، و أقبلت الغيلة ، و لات حين مناص ، و هيهات ، ثمّ هيهات قد فات مافات ، و ذهب ما ذهب ، و مضت الدّنيا لحال بالها ( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَ الْأَرْضُ وَ مَا كَانُوا مُنْظَرِينَ ) 1 . أقول : الفاشى : المنتشر . و الجدّ : العظمة . و الغمرة : غلبة الجهل . و الحين بالفتح :

الهلاك . و الرين : غطاء الجهل ، و غلبة الذنوب المغطّية لأعين البصائر . و استعار لفظ الاقفال : للجهل و الذنوب . و تستعينوا بها على اللّه اى : على نيل ثوابه ، و دفع عقابه ، و كونها فى اليوم حرزا و جنة اى : فى الحياة الدنيا لقوله تعالى : ( و من يتق اللَّه يجعل له مخرجا ) الآية 2 و غداى : يوم القيامة . و مستودعها : بالفتح من أودعها ، و قبلها ، و حافظ اى :

لها و لنفسه من التّورط فى الآثام و عذاب اللّه و عرضها لنفسها : كونها للأخذ و الاقتناء .

و اسدى : ارسل معروفه . و اهطعوا بأسماعكم : اسرعوا بها . واكظوا اى : داوموا و واظبوا عليها ، و روى باللام اى : الزموا . و اشعروها قلوبكم اى : اجعلوها شعارا لازما لها .

و ارحضوا اى : اغسلوا . و الوله : التحيّر من شدّة الوجد . و شيم البرق : انتظار ان يمطر سحابه و الطمّع فى ذلك . و استعار لفظ البارق : لما يلوح من اطماعها ، و كنى بناطقها : عن مادحها . و ما كشف ريبتها من قول او فعل اوزينة او متاع . و بسماعه : عن الاصغاء اليه و الميل نحوه . و ناعقها : الداعى اليها . و استعار لفظ الاشراق : للآراء الهادية الى وجوه

-----------
( 1 ) سورة الدخان 29

-----------
( 2 ) سورة الطلاق 2 .

[ 448 ]

تحصيلها ، و وصف الاستضاءة لاتّباع تلك الآراء . و يحتمل ان يريد بإشراقها : زينتها التى تبهج بها ، و الاستضاءة بذلك : ابتهاج به . و اعلاقها : ما يعدّ فيها نفيسا . و الخلب : الّذى لا مطر معه .

و قوله : فانّ برقها ، الى قوله : مسلوبة : فى قوّة صغرى ضمير ، يقربه عنها تعليلا لتلك المناهى ، و تقدير كبراه : و كلما كان كذلك فلا ينبغى ان يلتفت اليه . و المحروب :

المأخوذ بأجمعه . و المتصدّية : المتعرّضة . و العنون : الدّابة المتقدّمة فى السير . و العنون :

كثيرة العنن و هو الاعتراض . قال بعض الشارحين : استعار لها وصف المرأة الفاجرة التى من شأنها التعرّض للرجال لتخدعهم عن انفسهم . و يحتمل ان يكون استعار : لوصف الدّابة يمشى عرض الطريق ، و الدنيا باعتبار كثرة تعثّراتها و تقلّباتها ، و جريها على غير قانون يحفظ فيه . و استعار لفظ الجموح و الحزون : لها ، باعتبار عدم انقيادها و عدم القدرة على تصريفها عند الحاجة اليها . و المائنة : الخائنة الكاذبة . و الكنود : الكفور للنعمة .

و العنود : المائلة عن القصد ، و كذلك الحيود : كثيرة الحيد و هو الميل . و الميود : المتمايلة .

و الحرب بفتح الحاء : سلب المال . و السلب : ما يسلب الانسان من ثوب و غيره . و على ساق : كناية عن عدم استقرارهم فيها . و قيل : الساق : الشدّة . و السياق : نزع الروح ،

و السياق : مصدر ساقه سياقا ، و هو ايضا : كناية عن الأمر الشديد . و اللحاق اى : بالماضين .

و فراق اى : لها . و تحيّر مذاهبها : عدم الاهتداء الى طرق خيرها ، و دفع شرّها . واسد الحيرة الى المذاهب مجازا اى : تحيّر أهلها فى مذاهبها . و كذلك اعجزت مهاربها اى :

اعجزت من طلبها فى مهاربها . و المحاول : جمع محالة و هى الحيلة . و قوله فمن ناح الى قوله عن عزمه : تقسيم لاهلها باعتبار ما يرميهم به من مصائبها . و الشلو : العضو من اللحم بعد الذبح ، و اشلاء الانسان : اعضاؤه المتفرّقة فى البلى . و الغيلة : للاخذ على غرّة .

و العضّ على اليدين : كناية عن الندم فى الآخرة . و المرتفق بخديّه : جاعل مرفقيه تحت خدّيه ندما . و زاد على رأيه اى : فى تفريطه ، و راجع عن عزمه فى ذلك ، و المناص : مصدر قولك ناص نوصا اى : فروّ زاغ . ولات : حرف سلب ، شبه ليس ، و اضمر فيها اسم الفاعل و لا يستعمل الاّ مع حين و قد تحذف حين . و البال : القلب . و الضمير فى مضت : للدنيا .

و باللّه التوفيق .

[ 449 ]