233 و من خطبة له عليه السّلام تسمى القاصعة

و هي تتضمّن ذمّ ابليس على استكباره و تركه السجود لآدم عليه السلام و انّه اوّل من أظهر العصبيّة و تبع الحميّة و تحذير الناس من سلوك طريقته و من الناس من يسمّي هذه الخطبه « القاصعة » الحمد للّه الّذى لبس العزّ و الكبرياء ، و اختارهما لنفسه دون خلقه ، و جعلهما حمى و حرما على غيره ، و اصطفاهما لجلاله ، و جعل اللّعنة على من نازعه فيهما من عباده . ثمّ اختبر بذلك ملائكته المقرّبين ، ليميز المتواضعين منهم من المستكبرين فقال سبحانه و هو العالم بمضمرات القلوب و محجوبات الغيوب . ( إنِّى خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ ، فإذَا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِى فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ، فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاَّ إبْلِيسَ ) 1 اعترضته الحميّة فافتخر على آدم بخلقه ، و تعصّب عليه لأصله ، فعدوّ اللّه إمام المتعصّبين ،

و سلف المستكبرين ، الّذى وضع أساس العصبيّة ، و نازع اللّه رداء الجبريّة ، و ادّرع لباس التّعزّز ، و خلع قناع التّذللّ .

ألا ترون كيف صغّره اللّه بتكبّره ؟ و وضعه اللّه بترفّعه ؟ فجعله فى الدّنيا مدحورا ،

و أعدّ له فى الآخرة سعيرا .

و لو أراد اللّه أن يخلق آدم من نور يخطف الأبصار ضياؤه ، و يبهر العقول رواؤه ، و طيب يأخذ الأنفاس عرفه لفعل ، و لو فعل لظلّت له الأعناق خاضعة ، و لخفّت البلوى فيه على الملائكة ، و لكنّ اللّه سبحانه ابتلى خلقه ببعض ما يجهلون أصله تمييزا بالاختبار لهم ،

و نفيا للاستكبار عنهم ، و إبعادا للخيلاء منهم .

فاعتبروا بما كان من فعل اللّه بإبليس ، إذ أحبط عمله الطّويل ، و جهده الجهيد ،

و كان قد عبد اللّه ستّة آلاف سنة لا يدرى أمن سنى الدّنيا أم سنى الآخرة عن كبر ساعة واحدة ، فمن بعد إبليس يسلم على اللّه بمثل معصيته ؟ كلاّ ما كان اللّه سبحانه ليدخل

-----------
( 1 ) سورة ص 71 72 73 .

[ 450 ]

الجنّة بشرا بأمر أخرج به منها ملكا ، إنّ حكمه فى أهل السّماء و أهل الأرض لواحد ، و ما بين اللّه و بين أحد من خلقه هوادة فى إباحة حمى حرّمه على العالمين .

فاحذروا عدوّ اللّه ، أن يعديكم بدائه ، و أن يستفزّكم بندائه ، و أن يجلب عليكم بخيله و رجله ، فلعمرى لقد فوّق لكم سهم الوعيد ، و أغرق لكم بالنّزع الشّديد ، و رماكم من مكان قريب ، و قال : ( رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِى لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِى الْأَرْضِ وَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) 1 ، قذفا بغيب بعيد ، و رجما بظنّ مصيب ، صدّقه به أبناء الحميّة ، و إخوان العصبيّة ، و فرسان الكبر و الجاهليّة ، حتّى إذا انقادت له الجامحة منكم ، و استحكمت الطّماعية منه فيكم ،

فنجمت الحال من السّرّ الخفىّ إلى الأمر الجلىّ ، استفحل سلطانه عليكم ، و دلف بجنوده نحوكم ، فأقحموكم و لجات الذّلّ ، و أحلوّكم ورطات القتل ، و أوطاؤكم إثخان الجراحة :

طعنا فى عيونكم و حزّا فى حلوقكم ، و دقّا لمناخركم ، و قصدا لمقاتلكم ، و سوقا بخزائم القهر إلى النّار المعدّة لكم ، فأصبح أعظم فى دينكم جرحا ، و أورى فى دنياكم قدحا ،

من الّذين أصبحتم لهم مناصبين ، و عليهم متألّبين ، فاجعلوا عليه حدّكم و له جدّكم فلعمر اللّه لقد فخر على أصلكم ، و وقع فى حسبكم ، و دفع فى نسبكم ، و أجلب بخيله عليكم ،

و قصد برجله سبيلكم : يقتنصونكم بكلّ مكان ، و يضربون منكم كلّ بنان ، لا تمتنعون بحيلة ، و لا تدفعون بعزيمة فى حومة ذلّ ، و حلقة ضيق ، و عرصة موت ، و جولة بلاء . فأطفئوا ما كمن فى قلوبكم من نيران العصبيّة ، و أحقاد الجاهليّة ، فإنّما تلك الحميّة تكون فى المسلم من خطرات الشّيطان و نخواته ، و نزغاته و نفثاته ، و اعتمدوا وضع التّذلّل على رءوسكم ، و إلقاء التّعزّز تحت أقدامكم ، و خلع التّكبّر من أعناقكم ، و اتّخذوا التّواضع مسلحة ، بينكم و بين عدوّكم : إبليس و جنوده فإنّ له من كلّ أمّة جنودا و أعوانا ، و رجلا و فرسانا . و لا تكونوا كالمتكبّر على ابن أمّه من غير ما فضل جعله اللّه فيه سوى ما ألحقت العظمة بنفسه من عداوة الحسد ، و قدحت الحميّة فى قلبه من نار الغضب ، و نفخ الشّيطان فى أنفه من ريح الكبر الّذى أعقبه اللّه به النّدامة ، و ألزمه آثام القاتلين إلى يوم القيامة .

ألا و قد أمعنتم فى البغى ، و أفسدتم فى الأرض ، مصارحة للّه بالمناصبة ، و مبارزة للمؤمنين بالمحاربة فاللّه اللّه فى كبر الحميّة ، و فخر الجاهليّة ، فانّه ملاقح الشّنآن ، و منافخ

-----------
( 1 ) سورة الحجر 39 .

[ 451 ]

الشّيطان ، الّتى خدع بها الأمم الماضية ، و القرون الخالية ، حتّى أعنقوا فى حنادس جهالته و مهاوى ضلالته ، ذللا على سياقه سلسا فى قياده ، أمرا تشابهت القلوب فيه ،

و تتابعت القرون عليه ، و كبرا تضايقت الصّدور به ألا فالحذر الحذر من طاعة ساداتكم و كبرائكم الّذين تكبّروا عن حسبهم ، و ترفّعوا فوق نسبهم ، و ألقوا الهجينة على ربّهم ،

و جاحدوا اللّه على ما صنع بهم ، مكابرة لقضائه ، و مغالبة لآلائه فإنّهم قواعد أساس العصبيّة ، و دعائم أركان الفتنة ، و سيوف اعتزاء الجاهليّة ، فاتّقوا اللّه و لا تكونوا لنعمه عليكم أضدادا ، و لا لفضله عندكم حسّادا و لا تطيعوا الأدعياء الّذين شربتم بصفوكم كدرهم ، و خلطتم بصحّتكم مرضهم ، و أدخلتم فى حقّكم باطلهم ، و هم أساس الفسوق ،

و أحلاس العقوق ، اتّخذهم إبليس مطايا ضلال ، و جندا بهم يصول على النّاس ، و تراجمة ينطق على ألسنتهم استراقا لعقولكم ، و دخولا فى عيونكم ، و نفثا فى أسماعكم ، فجعلكم مرمى نبله ، و موطى‏ء قدمه ، و مأخذيده . اقول : القصع : ابتلاع الماء و الجرّة . و قصعه قصعا : صغرّه و حقرّه . و قيل : فى معنى تسميتها بذلك : انّه عليه السلام خطب بها اهل الكوفة على ناقة و هى تقصع بجرّتها فسمّيت خطبة القاصعة . و قيل : بل لانّ فيها قصع إبليس و تحقيره .

و اعلم انّ مدار هذه الخطبة على النّهى عن الكبر ، و الفخر ، و ما يلزمه من التفرقة و الفتنة و وصف الابليس : مستعار لوصفه تعالى بالعزّ و الكبريأ ، و اختياره تعالى لهما يعود الى استحقاقه لهما بالذات اذ الممكن لا يليق به التغرّر و التكبّر من حيث هو ممكن محتاج ، و خلقه من نور خلقه شفافا او خلقه مجرّدا عن علائق المواد ، اى : لو اراد خلقه كذلك لكان مقدورا له : فلم يخلقه من طين ظلمانى كثيف . و الخيلاء : الكبر ، و قد اشرنا في الخطبة الاولى الى قصة آدم و هي واضحة هنا . و الاحباط : الابطال . و جهده : اجتهاده . و قد صرّح عليه السلام : انّ ابليس كان من الملائكة . و قد اشرنا فى الخطبة الاولى الى وجه الجمع بين ذلك و بين قوله تعالى : ( الاّ ابليس كان من الجنّ ) 1 و الهوادة : الصلح . و قوله فمن ذا الّذى يسلم على اللّه اى : يرجع اليه سالما . و محل ان يعيدكم : نصب على البدل من عدوّ اللّه . و خيله و رجله : كناية عن اعوانه الضّالين

-----------
( 1 ) سورة الكهف 50 .

[ 452 ]

المضلّين . و استعار لفظ السهم : لما توعدّهم به من التزّين و الوسوسة ، و مكانه القريب : ما اشار اليه الخبر النبوىّ : ( انّ الشيطان ليجرى من ابن آدم مجرى الدم ) 1 . و قوله صلى اللّه عليه و آله : ( لو لا انّ الشياطين يحومون على قلوب بنى آدم لنظروا الى ملكوت السماوات ) و الغيب : ما غاب عنه فلم يعلمه فقذف بحكم بعيد عن علمه ، و هو : الاغواء و الاعراف فى النزع استيفاء مدّ السهم ، فان قلت : فلم قال ، غير مصيب مع انّ ابليس صدق ظنه فى اغواء الناس كما قال تعالى : ( و لقد صَدَّقَ الى قوله الْمُؤْمِنِينَ ) 2 ؟ اجيب من وجهين : احدهما انّه ظن ان اغوائهم يكون منه و كان منهم اختيارا لانّهم احبّوا العمى على الهدى ، فغووا عن الطريق و كان ظنّه فى نسبة ذلك اليه غير مصيب ، و انّما صدّقوه فى وقوع الغواية منهم وفق ظنه .

الثانى : انّ حكمه بانّه يغوى الخلق اجمعين حكم فاسد عن ظن غير مصيب . و امّا استثناؤه للمخلصين : فكان تصديقا لقوله تعالى ( انّ عبادى ليس لك عليهم سلطان 3 ) لا عن ظن منه لذلك ، و الحميّة المذمومة و العصبية فى الباطل . و استعار لفظ الجامحة :

للنفوس التى تقوى على ابليس ثم تلين له . و قوله فنجمت الى قوله الحال ، اى : فظهرت الحال التى كان يرومها منكم و يظنها فيكم و هى الغواية من القوّة الى الفعل . و الطماعية :

الطمع . و ولف : مشى و دنا . و اقحموكم : ادخلوكم . و الولجات : جمع ولجة بالفتح ، موضع كالكهف و نحوه تستتر به المارّة من المطر و غيره . و الورطة : الارض المطمئنة لا طريق فيها . و انتصب طعنا و ما بعده على المصادر عن افعالها المقدّرة . و الخزائم : جمع خزامة بالكسر و هى حلقة من شعر يكون فى انف البعير يشد بها الزمام . و المناصبة : المعاداة .

و التألّب : الاجتماع . و حدّهم بأسهم و سطوتهم . و الرفع فى النسب : كناية عن الوقوع فيه .

و حومة الشى‏ء : معظمه و ما استدار منه على كثرة . و المسلحة : قوم ذو سلاح يحفظون الثغر .

و اراد بالمتكبر على ابن امّه ، قابيل حين قتل اخاه هابيل عن حسد و كبر .

قيل : و انّما قال ابن امّه دون ابيه لانّ الوالد الحق هو الام ، و امّا الأب فلم يصدر منه غير النطفة التى ليست بولد بل جزءا ماديا له . و قوله : و الذّمة آثام القاتلين اشارة الى قوله تعالى : ( من اجل ذلك كتبنا على بنى اسرائيل 4 ) الى قوله تعالى ( جميعًا ) اى : يكونوا

-----------
( 1 ) الجامع الصغير 1 311 . صحيح مسلم 4 1712 .

-----------
( 2 ) سورة سبأ 20

-----------
( 3 ) سورة الحجر 42 . سورة الاسراء 65 .

-----------
( 4 ) سورة المائدة 32 .

[ 453 ]

اثمه و عقابه فى الشدّة كأثم قاتل الناس جميعا و عقابه . و قول الرسول عليه السلام : ( من سنّ سنّة سيّئة فعليه وزرها و وزر من يعمل بها الى يوم القيامة ) 1 و قابيل اوّل من سنّ القتل ، فلا جرم لزمه آثام القاتلين الى يوم القيامة . و الشنآن العداوة . و المصارحة :

المكاشفة . و الملاقح : جمع ملقح بفتح الميم و هو الفحل . و الشنآن : البغضاء . و اعنق البعير فى السير مدّعنقه و خطوه . و الحنادس : جمع حندس بالكسر و هو الليل شديد الظلمة .

و الهجينة : الفعل القبيح . و الاعتزاء : الانتساب الى أب او قبيلة كقولهم بآل فلان . و استعار لفظ الاضداد لمن يكفر نعمة اللّه باعتبار بعدها عنه و مفارقته ايّاها بذلك . و لفظ الحساد اذ كافر النعمة كأنّه يطردها عنه بكفرانه لها حاسد . و يحتمل ان يكون نهيا عن حسد الغير . و قوله و شربتم بصفوكم كدرهم اى : فرّجتم اكدار فتنتهم و رذائلهم بما صفى من دينكم ، و خلص فشربتموه و وصف الشرب مستعار . و كذلك قوله : و خلطتم بصحتكم مرضهم اى : بخالص ايمانكم و دينكم نفاقهم و رذائلهم . و الحلس : كساء رقيق تحت بردعته 2 و استعار لفظه لهم باعتبار ملازمتهم للعقوق كملازمة الحلس لظهر البعير و نصب استراقا على المفعول له او على المصدر . و اراد ينطق على السنتهم : بما يخدعكم به من جهة عقولكم ، بالوهميات الكاذبة التى تشبه البديهيات . و العاديات : التى يخدع بها العقل و من جهة ابصاركم كالوسوسة بالمبصرات و تزيّنها و من جهة اسماعكم كتزيّن الجواذب السمعيّة الى الدنيا .

الثانى ، فى الأمر بالاعتبار بحال الماضين : و ما اصاب الامم المتكبّرين ، و بحال الانبياء و فضلهم فى التواضع و حال اختبار اللّه المتواضعين من خلقه نصبها بيتا لعبادته و ذلك قوله :

فاعتبروا بما أصاب الأمم المستكبرين من قبلكم من بأس اللّه و صولاته ، و وقائعه و مثلاته ، و اتّعظوا بمثاوى خدودهم ، و مصارع جنوبهم .

و استعيذوا باللّه من لواقح الكبر ، كما تستعيذونه من طوارق الدّهر ، فلو رخّص اللّه فى الكبر لأحد من عباده لرخّص فيه لخاصّة أنبيائه و ملائكته ، و لكنّ اللّه كرّه إليهم التّكابر ، و رضى لهم التّواضع ، فألصقوا بالأرض خدودهم و عفّروا فى التّراب وجوههم ،

-----------
( 1 ) صحيح مسلم 2 705 و ج 4 2059 .

-----------
( 2 ) في نسخة ش : تحت القتب .

[ 454 ]

و خفضوا أجنحتهم للمؤمنين و كانوا أقواما مستضعفين ، و قد اختبرهم اللّه بالمخمصة ،

و ابتلاهم بالمجهدة ، و امتحنهم بالمخاوف ، و محصّهم بالمكاره ، فلا تعتبروا الرّضا و السّخط بالمال و الولد جهلا بمواقع الفتنة ، و الإختبار فى مواضع الغنى و الإقتدار ، و قد قال سبحانه و تعالى ( أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَ بَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِى الْخَيْرَاتِ ، 1 بَلْ لاَ يَشْعُرُونَ ) فإنّ اللّه سبحانه يختبر عباده المستكبرين فى أنفسهم ، بأوليائه المستضعفين فى أعينهم .

و لقد دخل موسى بن عمران و معه أخوه هارون ، عليهما السّلام على فرعون و عليهما مدارع الصّوف و بأيديهما العصىّ فشرطا له إن أسلم بقاء ملكه و دوام عزّه فقال : « ألا تعجبون من هذين يشرطان لى دوام العزّ و بقاء الملك و هما بما ترون من حال الفقر و الذّلّ ، فهلاّ القى عليهما أساورة من ذهب ؟ » إعظاما للذّهب و جمعه ، و احتقارا للصّوف و لبسه . و لو أراد اللّه سبحانه لأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذّهبان ، و معادن العقيان ، و مغارس الجنان ، و أن يحشر معهم طير السّماء و وحوش الأرض لفعل ، و لو فعل لسقط البلاء ، و بطل الجزاء ، و اضمحلّت الأنباء ، و لما وجب للقابلين أجور المبتلين ،

و لا استحقّ المؤمنون ثواب المحسنين ، و لا لزمت الأسماء معانيها ، و لكنّ اللّه سبحانه جعل رسله أولى قوّة فى عزائمهم و ضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم ، مع قناعة تملأ القلوب و العيون غنى ، و خصاصة تملأ الأبصار و الأسماع أذى .

و لو كانت الأنبياء أهل قوّة لا ترام ، و عزّة لا تضام ، و ملك تمتدّ نحوه أعناق الرّجال ، و تشدّ إليه عقد الرّحال ، لكان ذلك أهون على الخلق فى الاعتبار ، و أبعد لهم فى الاستكبار ، و لآمنوا عن رهبة قاهرة لهم ، أو رغبة مائلة بهم ، فكانت النّيّات مشتركة ،

و الحسنات مقتسمة ، و لكنّ اللّه سبحانه أراد أن يكون الاتّباع لرسله ، و التّصديق بكتبه ،

و الخشوع لوجهه ، و الاستكانة لأمره ، و الاستسلام لطاعته ، أمورا له خاصّة لا يشوبها من غيرها شائبة و كلّما كانت البلوى و الاختبار أعظم ، كانت المثوبة و الجزاء أجزل .

ألا ترون أنّ اللّه سبحانه اختبر الأوّلين من لدن آدم ، صلوات اللّه عليه ، إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار لا تضرّ و لا تنفع ، و لا تسمع و لا تبصر فجعلها بيته الحرام الّذي جعله

-----------
( 1 ) سورة المؤمنون 55 .

[ 455 ]

للنّاس قياما ثمّ وضعه بأوعر بقاع الأرض حجرا ، و أقلّ نتائق الأرض مدرا . و أضيق بطون الأودية قطرا : بين جبال خشنة ، و رمال دمثة ، و عيون و شلة ، و قرى منقطعة ، لا يزكوبها خفّ ، و لا حافر و لا ظلف ، ثمّ أمر آدم و ولده ، أن يثنوا أعطافهم نحوه ، فصار مثابة لمنتجع أسفارهم ، و غاية لملقى رحالهم . تهوى إليه ثمار الأفئدة من مفاوز قفار سحيقة ، و مهاوى فجاج عميقة ، و جزائر بحار منقطعة ، حتّى يهزّوا منا كبهم ذللا يهلّلون للّه حوله ، و يرملون على أقدامهم شعثا غبرا له ، قد نبذوا السّرابيل وراء ظهورهم ، و شوّهوا بإعفاء الشّعور محاسن خلقهم ، ابتلاء عظيما ، و امتحانا شديدا ، و اختبارا مبينا ، و تمحيصا بليغا ، جعله اللّه سببا لرحمته ، و وصلة إلى جنّته . و لو أراد سبحانه أن يضع بيته الحرام ، و مشاعره العظام ، بين جنّات و أنهار ، و سهل و قرار ، جمّ الأشجار ، دانى الثّمار ، ملتفّ البنى ،

متّصل القوى ، بين برّة سمراء ، و روضة خضراء ، و أرياف محدقة ، و عراص مغدقة ،

و رياض ناضرة ، و طرق عامرة ، لكان قد صغر قدر الجزاء على حسب ضعف البلاء ، و لو كان الإساس المحمول عليها ، و الأحجار المرفوع بها بين زمرّدة خضراء ، و ياقوته حمراء ، و نور و ضياء ، لخفّف ذلك مسارعة الشّكّ فى الصّدور ، و لوضع مجاهدة إبليس عن القلوب ، و لنفى معتلج الرّيب من النّاس و لكنّ اللّه يختبر عباده بأنواع الشّدائد و يتعبّدهم بأنواع المجاهد ، و يبتليهم بضروب المكاره ، إخراجا للتّكبّر من قلوبهم ، و إسكانا للتّذلّل فى نفوسهم ، و ليجعل ذلك أبوابا فتحا إلى فضله ، و أسبابا ذللا لعفوه .

فاللّه اللّه فى عاجل البغى ، و آجل و خامة الظّلم ، و سوء عاقبة الكبر ، فإنّها مصيدة إبليس العظمى ، و مكيدته الكبرى ، الّتى تساور قلوب الرّجال مساورة السّموم القاتلة ، فما تكدى أبدا ، و لا تشوى أحدا : لا عالما لعلمه ، و لا مقلاّ فى طمره ، و عن ذلك ما حرس اللّه عباده المؤمنين بالصّلوات و الزّكوات ، و مجاهدة الصّيام فى الأيّام المفروضات ، تسكينا لأطرافهم ، و تخشيعا لأبصارهم ، و تذليلا لنفوسهم ، و تخفيضا لقلوبهم ، و إذهابا للخيلاء عنهم ، لما فى ذلك من تعفير عتاق الوجوه بالتّراب تواضعا ، و التصاق كرائم الجوارح بالأرض تصاغرا ، و لحوق البطون من الصّيام تذلّلا ، مع ما فى الزّكاة من صرف ثمرات الأرض ، و غير ذلك إلى أهل المسكنة و الفقر . انظروا إلى ما فى هذه الأفعال من قمع نواجم الفخر و قدع طوالع الكبر .

[ 456 ]

و لقد نظرت فما وجدت أحدا من العالمين يتعصّب لشى‏ء من الأشياء إلاّ عن علّة تحتمل تمويه الجهلاء ، أو حجّة تليط بعقول السّفهاء ، غيركم ، فإنّكم تتعصّبون لأمر لا يعرف له سبب و لا علّة : أمّا إبليس فتعصّب على آدم لأصله ، و طعن عليه فى خلقته .

فقال : ( أنا نارىّ و أنت طينىّ ) و أمّا الأغنياء من مترفة الأمم ، فتعصّبوا لآثار مواقع النّعم ،

فقالوا : ( نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَ أَوْلاَدًا ، وَ مَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) .

فإن كان لا بدّ من العصبيّة فليكن تعصّبكم لمكارم الأخلاق ، و محامد الأفعال ، و محاسن الأمور الّتى تفاضلت فيها المجداء و النّجداء من بيوتات العرب و يعاسيب القبائل ، بالأخلاق الرّغيبة ، و الأحلام العظيمة ، و الأخطار الجليلة ، و الآثار المحمودة . فتعصّبوا لخلال الحمد : من الحفظ للجوار ، و الوفاء بالذّمام ، و الطّاعة للبرّ ،

و المعصية للكبر ، و الأخذ بالفضل ، و الكفّ عن البغى ، و الإعظام للقتل ، و الإنصاف للخلق ، و الكظم للغيظ ، و اجتناب الفساد فى الأرض .

و احذروا ما نزل بالأمم قبلكم من المثلات ، بسوء الأفعال ، و ذميم الأعمال ،

فتذكّروا فى الخير و الشّرّ أحوالهم ، و احذروا أن تكونوا أمثالهم فإذا تفكّرتم فى تفاوت حاليهم ، فالزموا كلّ أمر لزمت العزّة به شأنهم ، و زاحت الأعداء له عنهم ، و مدّت العافية فيه بهم ، و انقادت النّعمة له معهم ، و وصلت الكرامة عليه حبلهم من الاجتناب للفرقة ،

و اللّزوم للألفة و التّحاضّ عليها ، و التّواصى بها ، و اجتنبوا كلّ أمر كسر فقرتهم و أوهن منّتهم : من تضاغن القلوب ، و تشاحن الصّدور ، و تدابر النّفوس ، و تخاذل الأيدى ، و تدبّروا أحوال الماضين المؤمنين قبلكم : كيف كانوا فى حال التّمحيص و البلاء ؟ ألم يكونوا أثقل الخلائق أعباء ، و أجهد العباد بلاء ، و أضيق أهل الدّنيا حالا ؟ اتّخذتهم الفراعنة عبيدا ، فساموهم سوء العذاب ، و جرّعوهم المرار ، فلم تبرح الحال بهم فى ذلّ الهلكة ، و قهر الغلبة : لا يجدون حيلة فى امتناع ، و لا سبيلا إلى دفاع ، حتّى إذا رأى اللّه جدّ الصّبر منهم على الأذى فى محبّته ، و الاحتمال للمكروه من خوفه ، جعل لهم من مضايق البلاء فرجا : فأبدلهم العزّ مكان الذّلّ ، و الأمن مكان الخوف ، فصاروا ملوكا حكّاما ، و أئمّة أعلاما ، و بلغت الكرامة من اللّه لهم ما لم تبلغ الآمال إليه بهم .

فانظروا كيف كانوا حيث كانت الأملاء مجتمعة ، و الأهواء متّفقة ، و القلوب

[ 457 ]

معتدلة ، و الأيدى مترادفة ، و السّيوف متناصرة ، و البصائر نافذة و العزائم واجدة ؟ ألم يكونوا أربابا فى أقطار الأرضين ، و ملوكا على رقاب العالمين ؟ ؟ فانظروا إلى ما صاروا إليه فى آخر أمورهم ، حين وقعت الفرقة ، و تشتّت الألفة ، و اختلفت الكلمة و الأفئدة ، و تشعبّوا مختلفين ، و تفرّقوا متحاربين ، قد خلع اللّه عنهم لباس كرامته ، و سلبهم غضارة نعمته ، و بقى قصص أخبارهم فيكم عبرة للمعتبرين منكم .

و اعتبروا بحال ولد إسماعيل و بنى إسحاق و بنى إسرائيل عليهم السّلام فما أشدّ اعتدال الاحوال ، و أقرب اشتباه الأمثال تأمّلوا أمرهم فى حال تشتّتهم و تفرّقهم ، ليالى كانت الأكاسرة و القياصرة أربابا لهم يحتازونهم عن ريف الآفاق ، و بحر العراق ، و خضرة الدّنيا ، إلى منابت الشّيح ، و مها فى الرّيح ، و نكد المعاش ، فتركوهم عالة مساكين إخوان دبر و وبر ، أذلّ الأمم دارا ، و أجدبهم قرارا ، لا يأوون إلى جناح دعوة يعتصمون بها ، و لا إلى ظلّ الفة يعتمدون على عزّها ،

فالأحوال مضطربة ، و الأيدى مختلفة ، و الكثرة متفرّقة ، فى بلاء أزل ، و أطباق جهل من بنات موءودة ، و أصنام معبودة ، و أرحام مقطوعة ، و غارات مشنونة .

فانظروا إلى مواقع نعم اللّه عليهم ، حين بعث إليهم رسولا ، فعقد بملّتهم طاعتهم ،

و جمع على دعوته ألفتهم ، كيف نشرت النّعمة عليهم جناح كرامتها ، و أسالت لهم جداول نعيمها ، و التفّت الملّة بهم فى عوائد بركتها ، فأصبحوا فى نعمتها غرقين ، و فى خضرة عيشها فكهين ؟ قد تربّعت الأمور بهم فى ظلّ سلطان قاهر ، و آوتهم الحال إلى كنف عزّ غالب ، و تعطّفت الأمور عليهم فى ذرى ملك ثابت ، فهم حكّام على العالمين ، و ملوك فى أطراف الأرضين : يملكون الأمور على من كان يملكها عليهم ، و يمضون الأحكام فيمن كان يمضيها فيهم ، لا تغمز لهم قناة ، و لا تقرع لهم صفاة ألا و إنّكم قد نفضتم أيديكم من حبل الطّاعة ، و ثلمتم حصن اللّه المضروب عليكم بأحكام الجاهليّة ، و إنّ اللّه سبحانه قد امتنّ على جماعة هذه الأمّة فيما عقد بينهم من حبل هذه الألفة : الّتى ينتقلون فى ظلّها ، و يأوون إلى كنفها بنعمة لا يعرف أحد من المخلوقين لها قيمة : لإنّها أرجح من كلّ ثمن ، و أجلّ من كلّ خطر .

و اعلموا أنّكم صرتم بعد الهجرة أعرابا ، و بعد الموالاة أحزابا ، ما تتعلّقون

[ 458 ]

من الإسلام إلاّ باسمه ، و لا تعرفون من الإيمان إلاّ رسمه تقولون « النّار و لا العار » كأنّكم تريدون أن تكفئوا الإسلام على وجهه انتهاكا لحريمه ، و نقضا لميثاقه ، الّذى وضعه اللّه لكم حرما فى أرضه ، و أمنا بين خلقه ، و إنّكم إن لجأتم إلى غيره حاربكم أهل الكفر ، ثمّ لا جبرائيل و لا ميكائيل و لا مهاجرون و لا أنصار ينصرونكم ، إلاّ المقارعة بالسّيف حتّى يحكم اللّه بينكم .

و إنّ عندكم الأمثال من بأس اللّه و قوارعه ، و أيّامه و وقائعه ، فلا تستبطئوا وعيده جهلا بأخذه ، و تهاونا ببطشه ، و يأسا من بأسه ، فإنّ اللّه سبحانه لم يلعن القرن الماضى بين أيديكم إلاّ لتركهم الأمر بالمعروف و النّهى عن المنكر ، فلعن اللّه السّفهاء لركوب المعاصى ، و الحكماء لترك التّناهى ، ألا و قد قطعتم قيد الإسلام ، و عطّلتم حدوده ،

و أمتّم أحكامه . اقول : المثلات : العقوبات . و المثوى : المقام . و لواقح الكبرياء ما يلحقه من الشبهات و التخيّلات الفاسدة . و المخمصة : المجاعة . و المجهدة : المشقة .

و التمحيص : الاختبار . و الاقتار : الفقر . و الاساورة : جمع اسوار و هو السوار . و العقيان خالص الذهب . و الانباء : اخبار السماء . و البلاء الّذى كان يسقط بلاء المتكبّرين بالمستضعفين من اولياء اللّه اذ لا مستضعف اذن ، و كذلك يسقط بلاء الانبياء بالفقر و الصبر على اذى المتكبّرين . و كذلك جزاء العبادات و الطاعات بسقوط البلاء بها ، او لانّها اذن يكون عن رهبة فيسقط جزاؤها الاخروىّ ، و بحسب ذلك كان ينقطع خبر السماء من الوحي لانّ الدنيا و الآخرة ضرّتان . و الأنبياء عليهم السلام و ان كانوا افضل الخلق الاّ انّهم محتاجون الى الرياضة بالزهد و الاعراض عن الدنيا فى نزول الوحى عليهم ، كما هو المشهور من حالهم عليهم السلام . و المنقول عن نبينا صلى اللّه عليه و آله من فطام نفسه عن الدنيا و طيّباتها مشهور متواتر . و كذلك لا يكون لقائلى كلام الانبياء اجر المبتلين بهم فى حال ما هم بزىّ الفقر و المسكنة . و كان لا يستحق المؤمنون ثواب المحسنين الى انفسهم بمجاهدة الشيطان عنها ، لانّ ايمانهم يومئذ يكون عن رغبة او رهبة . او ثواب المحسنين الى الأنبياء بالايواء و النصر لهم حين البعثة . و لا لزمت الاسماء معانيها اى

[ 459 ]

لا يكون حقائق فيها مثلا من كان يسمى مؤمنا لا يكون هذا اللفظ حقيقة فيه اذ هو حقيقة فى الايمان الخالص القلبى ، و هو غير موجود الاّ باللسان عن رهبة او رغبة . و كذلك من سمىّ مسلما او زاهدا اونبيا لارتفاع كل ذلك . و الخصاصة : الجوع . و قوله لكان ذلك اهون على الخلق فى الاعتبار اى : انّ الانبياء اذا كانوا بزىّ الملوك كان اعتبار الناس بحالهم و رجوعهم اليه اسهل ، و كانوا ابعد من الاستكبار عليهم ممّا اذا كانوا بزىّ الفقر .

و النيّات مشتركة اى : خالصة للّه بل لرهبة او رغبة ، و لا كانت حسناتهم فى انفسهم و فى الانبياء خالصة بل منقسمة بحسب النيّات المختلفة . و الوعر : الصعب . و النتائق : جمع نتيقة و هى البقاع المرتفعة ، و اراد مكة . و كنّى بتتبعها عن شهرتها و علوّها بالنسبة الى ما استسفل عنها من البلاد . و قياما اى : مقيما لأحوال الناس فى الآخرة . او بحال اهل مكة باجتماع الناس اليه ، و القطر : الجانب . و الدمثة : اللينة . و الوشلة : قليلة الماء . و ثنى الاعطاف : كناية عن التوجّه و الرجوع الى البيت . و المثابة المرجع . و المنتجع اسم المفعول من الانتجاع و هو طلب الماء و الكلاء . و تهوى اليه ثمار الافئدة اى : تسقط ثمار كل شى‏ء كما قال : يجبى اليه ثمرات كل شى‏ء . و اضافها الى الافئدة باعتبار انّها مجلوبة اليها . و المفاوز : الفلوات . و السحيقة : البعيدة . و الفجاج : الطرق الواسعة . و وصف تلك الطرق بالعمق باعتبار بعدها عن سائر البلاد العالية منحدرة . و هزمنا كبهم : حركاتهم فى السعى و الطواف و نحوهما . و الاهلال رفع الصوت بالتلبية . و الرمل : الهرولة . و الشعث :

تفرّق الحال . و السرابيل : القمصان . و المشاعر : مواضع المناسك . و الارياف : جمع ريف بالكسر ، و هى الارض ذات الزرع و الخصب . و المحدقة : المحيطة . و المغدقة : كثيرة الماء و الخصب . و مصارعة الشك فى الصدور : هو التشكّك فى انّ التكليف بقصد هذه الأحجار حق او باطل . و المعتلج : اسم الفاعل او المفعول على الروايتين من الاعتلاج ، و هو مغالبة الشكّ لليقين ، و الاعتلاج : المصارعة و الغلبة . و فتحا : مفتوحة موسّعة . و ذللا : سهلة . و وخامة الظلم : سؤ عاقبته . و المساورة : المواثبة . و الضمير فى قوله فانّها : يعود الى الجملة من البغى و الظلم و الكبر . و قيل : الى الكبر فقط . و انّما انّثه باعتبار جعله ايّاه مصيدة . و مساورة السموم القاتلة اى : للطبيعة الحيوانية . و اكدى الحافر : اذا عجز و لم يؤثر فى الارض . و اكدت المطالب اعجزت . و اشوت الضربة يشوى : اخطأت المقتل .

[ 460 ]

فمنافاتها للتكبّر ظاهرة . و امّا الزكاة فلأنها شكر النعمة المالية و شكر النعم ينافى التكبّر عن طاعته . و امّا الصيام فلما فيه مصابرة الجوع و العطش فى الايام الصائفة طاعة للّه . و تذلّلا له و ذلك ينافى التكبّر عن طاعته ايضا . و عتائق الوجوه : جمع عتيقة و هى كرائمها و احسانها . و نواجم الفخر بما ظهر منه . و التمويه : التليين . و يليظ : يلتصق . و المجداء :

جمع ماجد . و النجداء : اهل النجدة و الشجاعة . و يعاسيب القبائل : رؤسائها و امراؤها . و قوله بالاخلاق : متعلّق بتفاضلت . و الرغبة الشى‏ء : يرغب فيه . و قوله فتذكّروا فى الخير و الشّر احوالهم ، فحال الخير حين كانوا فى طاعة انبيائهم و الالفة الجامعة بينهم . و حال الشرّ ما انقلبوا اليه عن تلك الحال حتى خالفوا صالح الأعمال و حالفوا ذميم الأفعال . و قوله : من الاجتناب الى قوله و التوصّى بها : تفصيل و تفسير للامر الّذى لزمت العزّة به حالهم اى : عزّت حالهم به و زاحت عنهم اعداؤهم له ، و مدّت العافية بهم . و الباء فى بهم : للظرفيّة 1 . و التحاض : التحاث . و الفقرة الواحدة من خرزات الظهر . و التشاحن :

التّعادى . و التدابر : التقاطع . و الّذين اتّخذتهم الفراعنة عبيدا كيوسف عليه السلام ، و كموسى ، و هارون ، و من آمن معهما من بنى اسرائيل فى مبدأ امرهم ، و ابدالهم العزّ بمكان الذّل هو ما امتن اللّه تعالى عليهم به فى قوله ( و اذ نجيّناكم من آل فرعون ) الآية 2 .

( و اذ فرقنا بكم البحر ) الآية 3 . و امّا كونهم ملوكا و حكّاما و ائمة و اعلاما : فانّ موسى و هارون عليهما السلام بعد هلاك فرعون ، و رثا ، و استقرّ لهما الملك و الدين . و كطالوت ، و داود ، بعد مجاهدتهما بجالوت كما قال تعالى : ( و قتل داود جالوت و آتيه اللَّه الملك و الحكمة 4 ) الآية .

و كذلك لم يزل الملك و النبوّة فى سليمان عليه السلام ، و ولده الى الأعرج منهم فانّه لم يكن نبيا و قتله ابنه ، و كان بخت نصر كاتبه فغضب لذلك و اغتر الإبن حتى قتله و ملك بعده . و نفوذ البصائر : خرقها حجب الشبهات عن الحق واصله اليه و غضارة النعمة :

-----------
( 1 ) في نسخة ش بزيادة : او للاستصحاب

-----------
( 2 ) سورة البقرة 49

-----------
( 3 ) سورة البقرة 50

-----------
( 4 ) سورة البقرة 251 .

[ 461 ]

و الطمر : الثوب الخلق . و قوله : لا عالما الى قوله طمرة اى : انّ رذيلة الكبر يؤثر فى نفس العالم مع علمه و الفقير مع فقره ، و ان كانت حالتهما ينافى ذلك . امّا العالم فلعلمه بأنّه رذيلة ينبغى ان يتجنب ، و امّا الفقير فظاهر .

و قوله : و غير ذلك الى قوله تذليلا : تنبيه على الأمور التى حرس اللّه بها الصالحين من عباده عن هذه الرذيلة و هى الصلوات ، و الزكوات ، و مجاهدة الصيام المفروض . امّا الصلاة طيبها . و ولد اسماعيل : هم العرب من آل قحطان و آل معد ، و من بنى اسحاق اولاد روم بن عيص بن اسحاق . و بنو اسرائيل اولاد يعقوب بن اسحاق . و استيلاء الاكاسرة و القياصرة على العرب قبل ظهور محمد صلى اللّه عليه و آله ظاهر . و امّا حال بنى اسحاق و اسرائيل فنحو ما جرى لاولاد روم بن عيص من اختلاف النسطورية ، و اليعقوبية و الملكاتية ، حتى كان ذلك سببا لضعفهم و استيلاء القياصرة عليهم فى الروم و على بنى اسرائيل فى الشام ، و ازعاج بخت نصر ، لهم عن بيت المقدس فى المرّة الثانية كما اشار اليه تعالى بقوله : ( فاذا جاء وعد الآخرة لِيَسُؤآ وجوههم ) الآية 1 . و قد كان عزّاهم حين افسدوا المرّة الاولى ، كما حكى عنهم تعالى بقوله : ( لَتُفسِدُنَّ فى الارض مرّتين ) 2 فلما تابوا ردّه عنهم ثم احدثوا الثانية ، فبعث اللّه اليهم ارميا فقام فيهم بوحى اللّه ، فضربوه و قيّدوه و سجنوه فغضب اللّه لذلك و سلط عليهم بخت نصر ثانيا ، فقتل منهم و صلب و احرق و سباذراريهم و نسائهم ، و الّذين فرّوا منهم ارتحلوا الى حدود المدينة ، كيهود خيبر و بنى قريظة و النضير و بنى قينقاع . و قوله : فما اشدّ اعتدال الأحوال اى : تساوى احوالكم بأحوالهم فى لزوم الخير لهم بالالفة و الاجتماع . و لزوم الشر بتفرّق الكلمة . و مها فى الريح مواضعها اى : حركتها اى هى البرارى و القفار . و النكد . شدّة العيش و قلته . و العالة : جمع عائل و هو الفقير و العيلة : الفقر . و استعار لفظ الجناح للدعوة الحاملة لهم .

و الازل : الشدّة . و الموؤدة : البنت . و قد كانت العرب تقتل البنات حين يولدن لهم و اليه الاشارة بقوله تعالى : ( و اذا المؤودة سُئِلَتْ باىّ ذنب قتلت ) 3 . و شن الغارة فرقها .

و الرسول المبعوث اليهم محمد صلى اللّه عليه و آله . و قوله : و التقت الى قوله : بركتها اى و اشتملت عليهم فى بركتها .

-----------
( 1 ) سورة الاسراء 7 .

-----------
( 2 ) سورة الاسراء 4 .

-----------
( 3 ) سورة التكوير 9 .

[ 462 ]

و الفكاهة : طيب النفس و السرور . و ترفّعت : تمكّنت . و السلطان القاهر : سلطان الاسلام . و كنى بعدم غمز قناتهم عن قوّتهم ، و عدم انقهارهم للغير ، و كذلك بعدم قرع صفاتهم و نقض الأيدى من حبل الطاعة : كناية عن تركها . و حصن اللّه : الاسلام .

و وبّخهم بصيرورتهم اعرابا بعد الهجرة لنقصان الاعرابى عن رتبة الصحابة فضلا عن المهاجرين . و الاحزاب الفرق تنقسم لمحاربة الانبياء و اوصيائهم . و لما انقسم هؤلاء الى مارقين ، و ناكثين ، و قاسطين ، و حاربوه كانوا اخوانا . و قولهم : النار و لا العار : كلمة تقرّ لها اهل الكبر و الانفة من احتمال الاذى و الضيم لأنفسهم ، او لقولهم فى الاستنهاض للفتنة . و النار و العار : منصوبان بفعلين مضمرين . و كفأت الأناء كبيته لوجهه . و قوله فانّكم الى قوله : بينكم تحذير من الاعتماد على عزّ الاسلام من حمية او شجاعة او كثرة قبيلة مع الخروج عن سلطان الدّين ، و التغرّر به لاستلزام ذلك خذلان الملائكة لهم ،

و الخروج عن الهجرة و النصرة . و نصب جبرئيل و ميكائيل ، على انّهما اسمان ملاحظا فيهما التنكير ، و الاستثناء منقطع . و الأمثال التى عندهم : هو ما ضربه اللّه لهم من الأمثال بالقرون الماضية عند خروجهم عن طاعة انبيائهم ، و التفرّق فى دينهم و باللّه التوفيق .

الثالث فى اقتصاصه عليه السلام بحاله فى تكليفه ، و شرح حاله مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله من اوّل عمره و التّنبيه على موضعه منه ، و ذلك قوله :

ألا و قد أمرنى اللّه بقتال أهل البغي و النّكث ، و الفساد فى الأرض : فأمّا النّاكثون فقد قاتلت ، و أمّا القاسطون فقد جاهدت ، و أمّا المارقة فقد دوّخت ، و أمّا شيطان الرّدهة فقد كفيته بصعقة سمعت لها وجبة قلبه و رجّة صدره ، و بقيت بقيّة من أهل البغى و لئن أذن اللّه فى الكرّة عليهم لأديلنّ منهم ، إلاّ ما يتشذّر فى أطراف البلاد تشذّرا .

أنا وضعت فى الصّغر بكلا كل العرب ، و كسرت نواجم قرون ربيعة و مضر ، و قد علمتم موضعى من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالقرابة القريبة و المنزلة الخصيصة ، وضعنى فى حجره و أنا وليد يضمّنى إلى صدره ، و يكنفنى فى فراشه ،

و يمسّنى جسده ، و يشمّنى عرفه ، و كان يمضغ الشّى‏ء ثمّ يلقمنيه ، و ما وجد لى كذبة فى قول ، و لا خطلة فى فعل ، و لقد قرن اللّه به ، صلّى اللّه عليه و آله ، من لدن أن كان فطيما

[ 463 ]

أعظم ملك من ملائكته ، يسلك به طريق المكارم ، و محاسن أخلاق العالم ، ليله و نهاره ،

و لقد كنت أتّبعه اتّباع الفصيل أثر أمّه ، يرفع لى فى كلّ يوم من أخلاقه علما ، و يأمرنى بالاقتداء به ، و لقد كان يجاور فى كلّ سنة بحراء ، فأراه و لا يراه غيرى ، و لم يجمع بيت واحد يومئذ فى الإسلام غير رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ، و خديجة ، و أنا ثالثهما ، أرى نور الوحى و الرّسالة ، و أشمّ ريح النّبّوة .

و لقد سمعت رنّة الشّيطان حين نزل الوحى عليه ، صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، فقلت :

يا رسول اللّه ، ما هذه الرّنة ؟ فقال : « هذا الشّيطان أيس من عبادته ، إنّك تسمع ما أسمع ،

و ترى ما أرى ، إلاّ أنّك لست بنبىّ ، و لكنّك وزير ، و إنّك لعلى خير » . و لقد كنت معه ،

صلّى اللّه عليه و آله ، لمّا أتاه الملأ من قريش ، فقالوا له : يا محمّد ، إنّك قد ادّعيت عظيما لم يدّعه آباؤك و لا أحد من بيتك ، و نحن نسألك أمرا إن أجبتنا إليه ، و أريتناه علمنا أنّك نبىّ و رسول ، و إن لم تفعل علمنا أنّك ساحر كذّاب . فقال صلّى اللّه عليه و آله : و ما تسألون ؟ قالوا : تدعو لنا هذه الشّجرة حتّى تنقلع بعروقها و تقف بين يديك . فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : إنّ اللّه على كلّ شى‏ء قدير ، فإن فعل اللّه لكم ذلك أتؤمنون و تشهدون بالحقّ ؟ قالوا : نعم ، قال : فإنّى سأريكم ما تطلبون ، و إنّى لأعلم أنّكم لا تفيئون إلى خير ،

و إنّ فيكم من يطرح فى القليب ، و من يحزّب الاحزاب ، ثم قال صلّى اللّه عليه و آله : يا ايّتها الشجرة إن كنت تؤمنين باللّه و اليوم الآخر و تعلمين أنّى رسول اللّه فانقلعى بعروقك حتّى تقفى بين يدىّ بإذن اللّه . و الّذى بعثه بالحقّ لانقلعت بعروقها و جاءت و لها دوىّ شديد ، و قصف كقصف أجنحة الطّير ، حتّى وقفت بين يدى رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، مرفوفة ، و ألقت بغصنها الأعلى على رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ،

و ببعض أغصانها على منكبى و كنت عن يمينه صلّى اللّه و آله و سلّم ، فلمّا نظر القوم إلى ذلك قالوا علوّا و استكبارا : فمرها فليأتك نصفها و يبقى نصفها ، فأمرها بذلك فأقبل إليه نصفها كأعجب إقبال و أشدّه دويّا ، فكادت تلتفّ برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، فقالوا كفرا و عتوّا : فمر هذا النّصف فليرجع إلى نصفه كما كان ، فأمره ، صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، فرجع فقلت أنا : لا إله إلاّ اللّه ، فإنّى أوّل مؤمن بك يا رسول اللّه ، و أوّل من أقرّ بأنّ الشّجرة فعلت ما فعلت بأمر اللّه تصديقا بنبوّتك و إجلالا لكلمتك ، فقال القوم

[ 464 ]

كلّهم : بل ساحر كذّاب عجيب السّحر خفيف فيه ، و هل يصدّقك فى أمرك إلاّ مثل هذا ؟ ( يعنوننى ) و إنّى لمن قوم لا تأخذهم فى اللّه لومة لائم : سيماهم سيما الصّدّيقين ،

و كلامهم كلام الأبرار ، عمّار اللّيل و منار النّهار ، متمسّكون بحبل القرآن ، يحيون سنن اللّه و سنن رسوله ، لا يستكبرون و لا يعلون و لا يغلّون ، و لا يفسدون : قلوبهم فى الجنان ،

و أجسادهم فى العمل . اقول : اهل البغى : أهل الشام . و أهل النكث : أصحاب الجمل ، و اهل الفساد .

و المارقة : الخوارج و تسمية الاوّلين بغاة لقوله تعالى : ( فان بغت إحديهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغى ) 1 و سمّى الناكثون بذلك : لنكثهم بيعته . و امّا المارقون : فلقوله صلى اللّه عليه و آله : لذى الثدية من الخوارج ، يخرج من ضيضى هذا ، اى : من اصله قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرّمية . و امّا امر اللّه تعالى ايّاه بقتال هذه الفرق ،

فلما ثبت عن الرسول صلى اللّه عليه و آله انّه قال : انّك ستقاتل بعدى الناكثين و القاسطين و المارقين ، و هو اخبار فى معنى الامر ، و امر الرسول صلى اللّه عليه و آله من امر ربّه و يحتمل ان يكون ذلك الامر فى قوله تعالى : ( فقاتلوا التى تبغى ) و قوله : ( انّما جزاء الذين يحاربون اللَّه و رسوله و يسعون فى الارض فسادا ) 2 الآية . و دوّخت : قهرت و اذللت .

الردهة : النقرة تكون فى الجبل يجتمع فيه الماء . و امّا شيطان الردهة فقيل : اراد به ذا الثدية ، و كونه شيطانا باعتبار اغوائه لأصحابه . و اضافته الى الردهة لانّه وجد قتيلا فى نقرة فيها ماء ، بعد قتل الخوارج ، و امّا الصعقة ، فقيل : انّ ذا الثدية اصابه من خوفه عليه السلام غشى ، و قيل : يحتمل ان يريد الشيطان المعهود ، و هو و ان كان لا يرى بحسّ البصر الاّ انّ الانبياء و الأولياء عليهم السلام قد يشاهدون الامور المجرّدة و المعانى المعقولة كالملائكة و الجن ، و الشيطان ، فى صورة محسوسة باستعانة من القوّة المتخيّلة و الوهمية كما قرّر فى مظانه . فيحتمل ان يقال : انّه عليه السلام رأى الشيطان بصورة محسوسة ، و لما كان فى مقام العصمة و ملكة النصر على الشيطان ، و قهره و ابعاده سمع من جلباب العزّة صيحة العذاب ارسلت على الشيطان ، فسمع لها وجيب قلبه و رجّة صدره ، كما سمع رنّته

-----------
( 1 ) سورة الحجرات 9 .

-----------
( 2 ) سورة المائدة 33 .

[ 465 ]

فيما يحكيه فى آخر الكلام .

و قيل : اراد به شيطانا من شياطين الجنّ الّذين قاتلهم فى البئر . و اراد بالردهة : البئر المعهودة و البقية من اهل البغى ، كمعاوية ، و من بقى من اصحابه بعد وقائع صفين . و قوله : لأديلنّ منهم اى : لأغلبنّهم . و الادالة : الغلبة . و هذا الحكم منه عليه السلام ثقة بقوله :

( و لينصرنّ اللَّه من ينصره ) و اذن اللّه اشارة : الى توفيقه لأسباب العود اليهم . و التشذّر :

التفرّق . و استعار لفظ الكلاكل و هى : الصدور لا كابر العرب : و رؤساء القبائل الذين قتلهم فى صدر الاسلام . و وضعت بهم اى : اوقعت بهم القتل و الاذلال . و قيل : الباء زائدة . و لفظ القرون لأكابر ربيعة و مضر ، و نواجمها : من ظهر منهم و اشتهر . و قوله : و قد علمتم الى آخره : ذكر لفضيلته و قربه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لغاية طاعته . و كنفه يكنفه اى : ضمّه و احاطه . و الخطلة : السيئة من قول و فعل و أشار بأعظم ملك الى جبرئيل عليه السلام . و حرّاء بالكسر و المدّ جبل بمكة يذكّر و يؤنث . و استعار لفظ النور :

لما يشاهده بعين بصيرته ، من اسرار الوحى و الرسالة و علوم التنزيل و دقائق التأويل .

و اشرافها على نفسه القدسيّة . و لفظ الريح لما ادركه من ذلك . و امّا سماعه لرنّة الشيطان فهو انّ نفسه القدسيّة اخذت معنى الشيطان مقرونا بمعنى اليأس من اتباع الناس لأمره و الحزن على ذلك . و كسته المتحيّلة صورة حزين صارخ و حطته الى لوح الخيال ، فصار مسموع الرنّة كما رآه النبى عليه السلام . و القصف : صوت جناح الطائر . و فى قوله : و لقد كنت معه الى قوله يعنوننى : نقل لاربع معجزات للنبى صلى اللّه عليه و آله ، و هو اخباره :

انّ السائلين لا يفيئون الى خير اى : لا يرجعون . و انّ منهم من يطرح فى القليب ، و هو قليب بدر ، فمنهم عتبة ، و شيبة ، ابنا ربيعة ، و اميّة بن عبد شمس ، و ابو جهل ، و الوليد بن المغيرة ،

طرحوا فيه بعد انقضاء الحرب . و من يحزب الاحزاب كأبى سفيان ، و عمرو بن عبد ودّ ،

و صفوان بن امية ، و عكرمة بن ابى جهل .

الثانية اجابة الشجرة لدعائه و هو مشهور فى كتب المحدّثين ، و نقله المتكلمون فى معجزاته صلى اللّه عليه و آله .

الثالثة اجابة نصفها لدعائه مع بقاء نصفها .

الرابعة عود ذلك النصف الى موضعه و سرّه ، ما علمت انّ نفوس الانبياء

[ 466 ]

عليهم السلام لها التصرّف فى هيولى عالم الكون و الفساد ، بفعل ما يخرج عن وسيع مثلهم . و خطابه للنبات خطاب من يعقل : مجاز باعتبار اجابته لدعوته ، كالعاقل و هذا الخطاب على رأى الاشعرىّ جائز ان يكون حقيقة اذ لا يجعلون البيّنة شرطا فى الحياة و ما يتعلق بها من السمع و الفهم . و امّا على رأى المعتزلة فقيل : الخطاب للّه فكأنه قال :

( اللهم ان كنت صادقا فى رسالتك فاجعل ما سألت من هذه الشجرة مصدّقا الى ) و عدم لومة اللائم فى اللّه : كناية عن لزوم طاعته ، و الصدّيقون هم ملازموا الصدق فى الأقوال و الأفعال طاعة للّه . و سيماهم : علامتهم . و كلام الأبرار الامر بالمعروف و النهى عن المنكر . و الذكر الدائم لمعبودهم ، و عمارتهم الليل قيامهم فيه بالعبادة ، و كونهم منارا بالنهار اى : اعلاما باعتبار هدايتهم للخلق الى طريق الحق . و الغلول : الخيانة . و قلوبهم فى الجنان اى : يشاهدون بأسرارهم و نفوسهم القدسيّة ما اعدّ فيها من الخيرات الباقية و ان كانت ابدانهم فى الدنيا مشغولة بعبادة ربّهم و العمل له و باللّه التوفيق .