31 و من وصيّة له عليه السّلام للحسن بن على عليهما السلام ، كتبها إليه بحاضرين 1 منصرفا من صفين

من الوالد الفان ، المقرّ للزّمان ، المدبر العمر ، المستسلم للدّهر ، الذّامّ للدّنيا ،

السّاكن مساكن الموتى ، و الظّاعن عنها غدا ، إلى المولود المؤمّل ما لا يدرك ، السّالك سبيل من قد هلك ، غرض الأسقام ، و رهينة الأيّام ، و رميّة المصائب ، و عبد الدّنيا ، و تاجر الغرور ، و غريم المنايا ، و أسير الموت ، و حليف الهموم ، و قرين الأحزان ، و نصب الآفات ، و صريع الشّهوات ، و خليفة الأموات .

أمّا بعد ، فإنّ فيما تبيّنت من إدبار الدّنيا عنّى ، و جموح الدّهر علىّ ، و إقبال الآخرة إلىّ ، ما يزعنى عن ذكر من سواى ، و الإهتمام بما و رائى غير أنّى حيث تفرّد بى دون

-----------
( 1 ) اسم بلدة فى نواحى صفين . معجم البلدان 2 206 .

[ 504 ]

هموم النّاس همّ نفسى ، فصدفنى رأيى ، و صرفنى عن هوائى ، و صرّح لى محض أمرى ،

فأفضى بى إلى جدّ لا يكون فيه لعب ، و صدق لا يشوبه كذب ، و وجدتك بعضى ، بل وجدتك كلّى ، حتّى كأنّ شيئا لو أصابك أصابنى ، و كأنّ الموت لو أتاك أتانى فعنانى من أمرك ما يعنينى من أمر نفسى ، فكتبت إليك كتابى هذا مستظهرا به إن أنا بقيت لك أو فنيت .

فانّى أوصيك بتقوى اللّه أي بنيّ و لزوم أمره ، و عمارة قلبك بذكره ، و الاعتصام بحبله ، و أىّ سبب أوثق من سبب بينك و بين اللّه إن أنت أخذت به ؟ ؟

أحى قلبك بالموعظة ، و أمته بالزّهادة ، و قوّه باليقين ، و نوّره بالحكمة ، و ذلّله بذكر الموت ، و قرّره بالفناء ، و بصّره فجائع الدّنيا ، و حذّره صولة الدهر ، و فحش تقلّب اللّيالى و الأيّام ، و اعرض عليه أخبار الماضين ، و ذكّره بما أصاب من كان قبلك من الأوّلين ، و سر فى ديارهم و آثارهم ، فانظر فيما فعلوا ، و عمّا انتقلوا ، و أين حلّوا و نزلوا ،

فإنّك تجدهم قد انتقلوا عن الأحبّة و حلّوا ديار الغربة ، و كأنّك عن قليل قد صرت كأحدهم ، فأصلح مثواك ، و لا تبع آخرتك بدنياك ، و دع القول فيما لا تعرف ، و الخطاب فيما لم تكلّف و أمسك عن طريق إذا خفت ضلالته ، فإنّ الكفّ عند حيرة الضّلال خير من ركوب الأهوال ، و أمر بالمعروف تكن من أهله ، و أنكر المنكر بيدك و لسانك ،

و باين من فعله بجهدك ، و جاهد فى اللّه حقّ جهاده ، و لا تأخذك فى اللّه لومة لائم ، و خض الغمرات للحقّ حيث كان ، و تفقّه فى الدّين ، و عوّد نفسك التّصبّر على المكروه ،

و نعم الخلق التّصبّر ، و ألجى‏ء نفسك فى الأمور كلّها إلى إلهك فإنّك تلجئها إلى كهف حريز ، و مانع عزيز ، و أخلص فى المسألة لربّك فإنّ بيده العطاء و الحرمان ، و أكثر الاستخارة و تفهّم وصيّتى ، و لا تذهبنّ عنها صفحا ، فإنّ خير القول ما نفع ، و اعلم أنّه لا خير فى علم لا ينفع ، و لا ينتفع بعلم لا يحقّ تعلّمه .

أى بنىّ ، إنّى لمّا رأيتنى قد بلغت سنّا ، و رأيتنى أزداد و هنا ، بادرت بوصيّتى إليك ،

و أوردت خصالا منها قبل أن يعجل بى أجلى دون أن أفضى إليك بما فى نفسى ، و أن أنقص فى رأيى كما نقصت فى جسمى ، أو يسبقنى إليك بعض غلبات الهوى ، أو فتن الدّنيا ، فتكون كالصّعب النّفور ، و إنّما قلب الحدث كالأرض الخالية : ما ألقى فيها من شى‏ء قبلته ، فبادرتك بالأدب قبل ان يقسو قبلك و يشتغل لبّك ، لتستقبل بجدّ رأيك

[ 505 ]

من الأمر ما قد كفاك أهل التّجارب بغيته و تجربته ، فتكون قد كفيت مؤونة الطّلب ، و عوفيت من علاج التّجربة ، فأتاك من ذلك ما قد كنّا نأتيه ، و استبان لك ما ربّما أظلم علينا منه .

أى بنىّ ، إنّى و إن لم أكن عمّرت عمر من كان قبلى فقد نظرت فى أعمالهم ،

و فكّرت فى أخبارهم ، و سرت فى آثارهم ، حتّى عدت كأحدهم ، بل كأنّى بما انتهى إلىّ من امورهم قد عمّرت مع أوّلهم إلى آخرهم ، فعرفت صفو ذلك من كدره ، و نفعه من ضرره ، فاستخلصت لك من كلّ أمر نخيله و توخّيت لك جميله ، و صرفت عنك مجهوله ،

و رأيت حيث عنانى من أمرك ما يعنى الوالد الشّفيق ، و أجمعت عليه من أدبك أن يكون ذلك و أنت مقبل العمر ، و مقتبل الدّهر ذونيّة سليمة و نفس صافية ، و أن أبتدئك بتعليم كتاب اللّه و تأويله ، و شرائع الاسلام و أحكامه ، و حلاله و حرامه ، لا أجاوز ذلك بك إلى غيره ، ثمّ أشفقت أن يلتبس عليك ما اختلف النّاس فيه من أهوائهم و آرائهم مثل الّذى التبس عليهم ، فكان إحكام ذلك على ما كرهت من تنبيهك له أحبّ إلىّ من إسلامك إلى أمر لا آمن عليك فيه الهلكة ، و رجوت أن يوفّقك اللّه لرشدك ، و أن يهديك لقصدك ، فعهدت إليك وصيّتى هذه .

و اعلم ، يا بنىّ ، أنّ أحبّ ما أنت آخذ به إلىّ من وصيّتى ، تقوى اللّه و الإقتصار على ما فرضه اللّه عليك ، و الأخذ بما مضى عليه الأوّلون من آبائك و الصّالحون من أهل بيتك ،

فإنّهم لم يدعوا أن نظروا لأنفسهم كما أنت ناظر ، و فكّروا كما أنت مفكّر ، ثمّ ردّهم آخر ذلك إلى الأخذ بما عرفوا و الامساك عمّا لم يكلّفوا ، فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما علموا فليكن طلبك ذلك بتفهّم و تعلّم ، لا بتورّط الشّبهات ، و غلوّ الخصومات و ابدأ قبل نظرك فى ذلك بالاستعانة بالهك ، و الرّغبة إليه فى توفيقك ، و ترك كلّ شائبة أولجتك فى شبهة ، أو أسلمتك إلى ضلالة ، فإذا أيقنت أن قد صفا قلبك فخشع ، و تّمّ رأيك فاجتمع ، و كان همّك فى ذلك همّا واحدا ، فانظر فيما فسّرت لك ، و إن أنت لم يجتمع لك ما تحبّ من نفسك و فراغ نظرك و فكرك ، فاعلم أنّك إنّما تخبط العشواء ، و تتورّط الظّلماء ، و ليس طالب الدّين من خبط أو خلط و الامساك عن ذلك أمثل .

[ 506 ]

فتفهّم ، يا بنىّ ، وصيّتى ، و اعلم أنّ مالك الموت هو مالك الحياة ، و أنّ الخالق هو المميت ، و أنّ المفنى هو المعيد ، و أنّ المبتلى هو المعافى ، و أنّ الدّنيا لم تكن لتستقرّ إلاّ على ما جعلها اللّه عليه من النّعماء ، و الابتلاء و الجزاء فى المعاد ، أو ما شاء ممّا لا نعلم . فإن أشكل عليك شى‏ء من ذلك فاحمله على جهالتك به ، فإنّك أوّل ما خلقت خلقت جاهلا ثمّ علّمت ، و ما أكثر ما تجهل من الأمر ، و يتحيّر فيه رأيك ، و يضلّ فيه بصرك ، ثمّ تبصره بعد ذلك ، فاعتصم بالّذى خلقك و رزقك و سوّاك ، و ليكن له تعبّدك ، و إليه رغبتك ، و منه شفقتك .

و اعلم ، يا بنىّ ، أنّ أحدا لم ينبئ عن اللّه كما أنبأ عنه الرّسول ، صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، فارض به رائدا ، و إلى النّجاة قائدا ، فإنّى لم آلك نصيحة ، و إنّك لن تبلغ فى النّظر لنفسك و إن اجتهدت مبلغ نظرى لك .

و اعلم ، يا بنىّ ، أنّه لو كان لربّك شريك لأتتك رسله ، و لرأيت آثار ملكه و سلطانه ،

و لعرفت أفعاله و صفاته ، و لكنّه إله واحد كما وصف نفسه ، لا يضادّه فى ملكه أحد ،

و لا يزول أبدا ، و لم يزل ، أوّل قبل الأشياء بلا أوّليّة ، و آخر بعد الأشياء بلا نهاية . عظم عن أن تثبت ربوبيّته باحاطة قلب أو بصر ، فإذا عرفت ذلك فافعل كما ينبغى لمثلك أن يفعله فى صغر خطره ، و قلّة مقدرته ، و كثرة عجزه ، و عظيم حاجته إلى ربّه ، فى طلب طاعته ، و الرّهبة من عقوبته ، و الشّفقة من سخطه ، فإنّه لم يأمرك إلاّ بحسن ، و لم ينهك إلاّ عن قبيح . أقول : أطلق لفظ الفانى عليه مجازا اطلاقا لاسم الغاية على ذى الغاية ، و استعار له لفظ الرهينة باعتبار أن الانسان مربوط الوجود بالأيام كالرهن لما عليه . و الرمية : الغرض و الهدف . و لفظ التاجر : باعتبار بذله لنفسه فى تحصيل الدنيا و اضافه الى الغرور : اضافة المسبّب الى السبب ، اذ الغفلة هى مبدأ ذلك . و لفظ الغريم : باعتبار طلب الموت له كالمتقاضى . و النصب : المنصوب . و استعار لفظ الجموح للدهر : باعتبار اختلاف تصرفاته ، و عدم جريانه على قانون يحفظ كالجموح من الخيل . و يزعني : يمنعنى . و محض أمره : خالصه ، اي : انكشف له انّه راحل الى الآخرة ، و انه لا بدّ من لزوم الأمر الذى ينبغى له . و وجدتك بعضى ، اي : بمنزلة بعضى كقوله :

[ 507 ]

و انّما أولادنا بيننا
أكبادنا تمشى على الأرض 1

و كلّي اي : قائما مقام كلّى . و عبارة عني كان هو خليفته ، و القائم مقامه فى علمه و فضائله ، و اكّد قربه منه ، و تنزيله منزلة نفسه بذكر الغايتين . و كذلك استعار لفظ الحبل : لما يتمسّك به من دين اللّه الموصل اليه ، و قلبه الذى يحييه نفسه العاقلة . و احياؤها بالعلم و الحكمة ، و الذى يميته هي نفسه الامارة بالسوء . و اماتتها : كسرها عن ميولها المخالفة لآراء العقل بترك الدنيا و الاعراض عنها ، و تطويعها بذلك . و يحتمل أن يريد به النفس العاقلة ايضا ، و اماتتها : قطعها عن متابعة هواها و تقويته باليقين اي : من ضعف الجهل ، للنهوض الى افق علّيّين ، و تقريره بالفناء : حمله على الاقرار به و ذلك بأدامة ذكره و كثرة اخطاره بالبال . و اراد بالإمساك عن طريق يخاف ضلالته التوقّف عند الشبهات . و الغمرات : الشدائد . و الاستخارة : الطلب الى اللّه ان يخيّر له فيما يأتى . و يذره صفحا اى : معرضا . و العلم الذى لا يحق تعلمه اي : لا ينبغى ، كالعلوم التى لا تجدى نفعا فى الآخرة كالسحر و التكهّن و نحوهما . و الوهن : الضعف من الكبر و كان عليه السلام جاوز الستّين ، و خصالا : مفعولا به . و بادرتها : سابقتها و سارعتها . و أفضى :

أوصل . و ضعف الرأى فى الكبر لضعف القوى النفسانية ، و الارواح الحاملة لها و عجزها عن التصرّف فى طلب الآراء الصالحة ، و سبق غلبات الهوى ، لانّ الصبىّ اذا لم يؤخذ بالآداب فى حداثته و لم ترض قواه بمطاوعة عقله كان بصدد أن تميل به القوى الحيوانيّة الى مشتهياته ، و تنجذب فى قياد هواه و تصرفه عن الوجهة الحقيقية فيكون حينئذ كالصعب النفور من البهائم فى عسر تصريفه على حسب المنفعة .

و قوله : و أتاك من ذلك ، اى : من العلم التجربىّ ما كنا نأتيه و نطلبه . و عدت اى :

صرت . و نخيلة : خلاصته و مختاره . و اجمعت : صممت عزمى . و قوله : ثم اشفقت ،

عطف على رأيت اي : كنت رأيت أن أقتصر بك على ذلك ، و لا اتجاوزه بك الى غيره من العلوم العقليّة ، ثم خفت ان يلتبس عليك ما اختلف الناس فيه ، من اهوائهم و آرائهم مثل ما التبس عليهم فكان أحكام ذلك اى ما اختلف الناس فيه ، من المسائل العقلية الإلهية التي تكثر التباس الحق فيها بالباطل ، و تكتنفها الشّبهات المغلطة التى هى منشأ

-----------
( 1 ) التمثيل و المحاضرة 460 .

[ 508 ]

فساد العقائد ، و الهلاك بها فى الآخرة ، و احكام ذلك ببيان وجه البرهان فيه . و اولجتك ادخلتك و اراد خبط العشواء فحذف المضاف . و نبّهه بقوله : و اعلم ، الى قوله : المعاد ،

على جملة من صفات اللّه تعالى و افعاله التى يتوهّم تضادّها ، و التناهى استنادها الى مبدأ واحد ، امّا الصفات فأشار الى انّها ليست بمتضادّة ، و إنّ مبدءها واحد ، و قد اشرنا فى الخطب السابقة الى كيفية وصفه تعالى بالاعتبارات المتعدّدة .

و اما الأفعال فهو انّه تعالى ، لما خلق الدنيا لم يكن خلقها و استقرار وجودها الاّ على ما خلقها عليه من سائر ما يعدّ نعمة ، و ابتلاء ، ثم لزوم الجزاء فى المعاد لنفوس المبتلين ،

و المنعم عليهم بحسب طاعتهم و معصيتهم فى النعماء ، و الابتلاء و كذلك خلقه لها على ما شاء مما لا يعلم وجه الحكمة فيه الاّ هو ، اذ ثبت فى اصول الحكمة انّ المقصود من العناية الألهية بالذات انّما هو الخير . و اما الشرور الواقعة فى الوجود فبالعرض من حيث انّه لا يمكن نزع الخير و تجريده عما يعدّ شرّا ، مثلا كون النار نارا منتفعا بها انما يكون بكونها محرقة ، و هو باعتبار احراق بيت الناسك مثلا شرّ ، و كون الماء منتفعا به انّما هو من حيث هو سيّال من شأنه ان يغرق و هو باعتبار اغراقه شرّ ، و لما كان الخير اغلب فى الوجود و كانت الشرور امورا لازمة لم يجز ترك الخير الكثير لأجلها ، لان تركه لوجود شرّ قليل ينافى الحكمة و ذلك معنى قوله : و الدنيا لم تكن تستقر الاّ على ما جعلها اللّه عليه مما عدّده ، اى لم يكن يمكن خلقها الاّ على ما فيها من خير مقصود بالذات ، و شرّ لازم له .

و لزوم الجزاء على السّببية ، و عقاب النفوس فى المعاد عليها من الشرور اللازمة لما حصلت عليه من الهيئات البدنية ، و الملكات الرديّة فى الدنيا ، و شفقتك : خوفك . و استعار وصف 1 الرائد للنبىّ صلى اللّه عليه و آله ، ملاحظة : لشبهه فى استعلام اخبار السماء بالرائد فى استعلامه بالكلاء و الماء ، و لم آلك نصيحة اي : لم أقصّر فى نصيحتك ، و نصيحة تمييز .

و قوله : و اعلم يا بنى ، الى قوله : عن قبيح : اشارة الى الحجّة على وحدانيّة الصانع تعالى ، و على جملة من صفاته اما الحجّة على وحدانيّته فهى مقدم الشرطيّة فيه . قوله : لو كان لربّك شريك ، و تاليها قوله : لأتتك رسله الى قوله : و صفاته ، و ينتج باستثناء

-----------
( 1 ) في ش : لفظ الرائد .

[ 509 ]

نقائض اقسام التالى نقيض المقدّم ، بيان الملازمة انّه لو كان له شريك لكان شريكه الصالح لشركته إلها ، مستجمعا لجميع شرائط الألهيّة و الاّ لم يصلح لها ، لكن من لوازم الألهية امور :

احدها ، الحكمة فى وجوب بعثة الرسل الى الخلق لما علمت من وجوب البعثة .

الثانية ، أن تكون آثار ملكه و سلطانه و صفات أفعاله ظاهرة مشاهدة .

الثالثة ، أن تعرف أفعاله و صفات ذاته ، لكن هذه اللوازم باطلة .

امّا الاوّل ، فلأنه لم يأتنا رسول ذو معجزة 1 يدلنا على الثانى و يخبرنا عنه . و أما الثانى ، و الثالث ، فلأنّ آثار الملك ، و السلطان ، و مجرّد الأفعال انّما يدلّ على فاعل حكيم قادر ، اما على تعدّد الفاعلين فلا ، و كذلك صفات الألهية المكتسبة لنا من الأفعال ، كالعلم و القدرة و الارادة و غيرها ، إنّما تدلّ على صانع موصوف بها ، فأمّا التعدّد فلا ، فاذن القول بانّ له شريكا قول باطل . و أما الصفات فظاهرة ، و اشار بقوله عظم :

الى قوله : او بصر ، الى نزاهة صفات الربوبيّة عن احاطة العقول و الابصار بها . و الشفّقة :

الخوف ، و باقى الفصل واضح . و باللّه التوفيق .

يا بنىّ ، إنّى قد أنبأتك عن الدّنيا و حالها ، و زوالها و انتقالها ، و أنبأتك عن الآخرة و ما أعدّ لأهلها فيها ، و ضربت لك فيهما الأمثال لتعتبر بها ، و تحذو عليها إنّما مثل من خبر الدّنيا ، كمثل قوم سفر نبابهم منزل جديب فأمّوا منزلا خصيبا ، و جنابا مريعا ،

فاحتملوا و عثاء الطّريق ، و فراق الصّديق ، و خشونة السّفر ، و جشوبة المطعم ، ليأتوا سعة دارهم و منزل قرارهم ، فليس يجدون لشى‏ء من ذلك ألما ، و لا يرون نفقة مغرما ، و لا شى‏ء أحبّ إليهم ممّا قرّبهم من منزلهم ، و أدناهم من محلّهم . و مثل من اغترّ بها كمثل قوم كانوا بمنزل خصيب فنبا بهم إلى منزل جديب ، فليس شى‏ء أكره إليهم و لا أفظع عندهم من مفارقة ما كانوا فيه إلى ما يهجمون عليه و يصيرون إليه يا بنىّ ، اجعل نفسك ميزانا فيما بينك و بين غيرك ، فأحبب لغيرك ما تحبّ لنفسك ، و اكره له ما تكره لها ، و لا تظلم كما لا تحبّ أن تظلم ، و أحسن كما تحبّ أن

-----------
( 1 ) نسخة ش : رسول معجزة .

[ 510 ]

يحسن إليك ، و استقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك ، و ارض من النّاس بما ترضاه لهم من نفسك ، و لا تقل ما لا تعلم ، و إن قلّ ما تعلم و لا تقل ما لا تحبّ أن يقال لك .

و اعلم أنّ الاعجاب ضدّ الصّواب ، و آفة الألباب ، فاسع فى كدحك ، و لا تكن خازنا لغيرك ، و إذا أنت هديت لقصدك فكن أخشع ما تكون لربّك .

و اعلم أنّ أمامك طريقا ذامسافة بعيدة ، و مشقّة شديدة . و أنّه لا غنى لك فيه عن حسن الارتياد ، و قدّر بلاغك من الزّاد مع خفّة الظّهر فلا تحملنّ على ظهرك فوق طاقتك فيكون ثقل ذلك وبالا عليك . و إذا وجدت من أهل الفاقة من يحمل لك زادك إلى يوم القيامة فيوافيك به غدا حيث تحتاج إليه فاغتنمه و حمّله إيّاه ، و أكثر من تزويده و أنت قادر عليه ، فلعلّك تطلبه فلا تجده ، و اغتنم من استقرضك فى حال غناك ليجعل قضاءه لك فى يوم عسرتك .

و اعلم أنّ أمامك عقبة كئودا ، المخفّ فيها أحسن حالا من المثقل و البطى‏ء عليها أقبح حالا من المسرع ، و أنّ مهبطك بها لا محالة على جنّة أو على نار ، فارتد لنفسك قبل نزولك ، و وطّى‏ء المنزل قبل حلولك ، فليس بعد الموت مستعتب ، و لا إلى الدّنيا منصرف .

و اعلم أنّ الّذى بيده خزائن السّموات و الأرض قد أذن لك فى الدّعاء ، و تكفّل لك بالاجابة ، و أمرك أن تسأله ليعطيك ، و تسترحمه ليرحمك ، و لم يجعل بينك و بينه من يحجبه عنك ، و لم يلجئك إلى من يشفع لك إليه . و لم يمنعك إن أسأت من التّوبة ، و لم يعيّرك بالانابة ، و لم يعاجلك بالنّقمة ، و لم يفضحك حيث الفضيحة بك أولى ، و لم يشدّد عليك فى قبول الانابة ، و لم يناقشك بالجريمة ، و لم يوئسك من الرّحمة ، بل جعل نزوعك عن الذّنب حسنة ، و حسب سيّئتك واحدة و حسب حسنتك عشرا ، و فتح لك باب المتاب ، و باب الأستعتاب ، فاذا ناديته سمع نداءك ، و إذا ناجيته علم نجواك ، فأفضيت إليه بحاجتك ، و أبثثته ذات نفسك ، و شكوت إليه همومك ، و استكشفته كروبك ، و استعنته على أمورك ، و سألته من خزائن رحمته مالا يقدر على إعطائه غيره : من زيادة الأعمار ، و صحّة الأبدان ، و سعة الأرزاق . ثمّ جعل فى يديك مفاتيح خزائنه بما أذن لك فيه من مسألته ، فمتى شئت استفتحت بالدّعاء أبواب نعمته ، و استمطرت شآبيب

[ 511 ]

رحمته ، فلا يقنطنّك إبطاء إجابته ، فإنّ العطيّة على قدر النّيّة ، و ربّما أخّرت عنك الاجابة ليكون ذلك أعظم لأجر السّائل ، و أجزل لعطاء الآمل ، و ربّما سألت الشّى‏ء فلا تؤتاه ،

و أوتيت خيرا منه عاجلا أو آجلا ، أو صرف عنك لما هو خير لك ، فلربّ أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته . فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله ، و ينفى عنك و باله ، و المال لا يبقى لك ، و لا تبقى له . اقول : تحذو : تقتدى ، و جذبه عن الدنيا الى الآخرة بتمثيلين : فالأول ذكر حال من خبّر الدنيا و زوالها ، و خبّر الآخرة و بقاؤها ، و مثلهم بحال قوم سفر اى : مسافرين ، فارقوا منزلا جديبا الى منزل خصيب ، و وجه التمثيل ان النفوس البشريّة لما كانت الحكمة فى هبوطها الى هذا العالم ، و مقارنتها لهذه الهياكل المظلمة فى دار الغربة و محل الوحشة من عالمها ، هو ان تحصل بواسطتها الكمالات العقليّة ثم ترجع بعد الكمال طاهرة عن علايقها و هيئاتها الرذيلة كانت كلّ نفس لزمت الصراط المستقيم ، و حفظت العهد المأخوذ عليها فى المدة المضروبة لها ، ناظرة بعين الاعتبار انّ الدنيا كالمنزل المجدب لخلوّه عن المطاعم الحقيقية ، فهو لذلك غير صالح للاستيطان ، و انّ الآخرة كالمنزل المخصب : المربع للفناء ذى الكلاء و الماء ، من وصل اليه مستقيما على طريق الحق فاز بالمقاصد السنيّة و اللذات الباقيّة فكانت فى الدنيا فى طريق السفر ، و قطع منازل سبيل اللّه و الاستعداد للوصول الى بهجة حضرته الشريفة ، محتملة و عثاء السفر اى :

مشقّته . و جشوبة المطعم اى : غلظه قصدا الى سعة الدار لا تجد لذلك الما ، و لا احب اليها منه لكونه وسيلة الى مطلوبها الأعظم .

و أما التمثيل الثانى ، فذكر حال اهل الدنيا الذين قادتهم نفوسهم الامّارة بالسوء اليها فغفلوا عما ورائها و نسوا عهد ربّهم ، و مثلهم بحال قوم كانوا فى منزل خصيب فنبا بهم الى منزل جديب ، و المنزل الخصيب هنا الدنيا لانها محلّ سعادة اهلها و لذّاتهم ،

و المنزل الجديب هو الآخرة اذ لم يكونوا قد استعدّوا لدرك السعادة فيها ، و وجه التمثيل هو فى ذلك من الشّر العظيم ، و الحكم اللازم له هو ما ذكره من انّه ليس شى‏ء اكره اليهم ،

الى قوله اليه : و مضادة الاعجاب للصواب مضادة الرذيلة للفضيلة . و كونه آفة الألباب

[ 512 ]

باعتبار انّه من الأمراض النفسانية المهلكة فى الآخرة كما سبق بيانه . و الكدح : الكسب ،

و السعى فيه اى : فيما ينبغى منه و هو كسب الفضائل . و خزنة لغيره : كناية عن رذيلة البخل : و استعار لفظ الطريق : لما يستقبله الانسان من احوال الدنيا و يعبر عنها الى الآخرة ، و احوالها مسافر الى اللّه . و اشار بطولها و شدّتها الى عسر النجاة و السلامة من خطرها ، اذ كان ذلك انّما يكون بلزوم القصد فيها و الثبات على صراط اللّه المستقيم ،

فبالحرىّ ان يكون ذا مسافة بعيدة و مشقّة شديدة ، و انّه لاغناء فيه عن حسن الارتياد ، اى طلب ما يقوم مقام الكلأ و الماء من الكمالات العقلية الموصلة الى الغاية الحقيقية .

و الزاد : هو التقوى . و خفة الظهر اى : من الرذائل و الآثام . و الوبال : الهلاك . و اشار بتجميل الفقراء الزاد الى ما يحصل له من ثواب الصدقة عليهم ، و المواساة لهم و كذلك ثواب القرض . و استعار لفظ العقبة الكؤود اى : شاقة المصعد للطريق الى الآخرة ، باعتبار ما فيها من الصعود و الارتقاء فى درجات الكمال بالفضائل ، عن مهابط الرذائل ، و وصفها بالمشّقة باعتبار ما فيها من العسر و كثرة الموانع . و المخف اى : من ثقل الآثام . و المبطى اى : عن اقتناص الفضائل . و ارتده اى : الطلب . و اذنه تعالى فى الدعاء و تكفّله بالاجابة فى قوله تعالى : ( ادعونى استجب لكم ) 1 .

و الانابة : الرجوع . و نزع عن الذنب : خرج منه . و افضت : وصلت . و البثّ : النشر و الكشف . و ذات نفسك : حاجتك . و الشآبيب جمع شؤبوب و هى : الدفعة من المطر . و يقنطك : يؤيسك . و الفصل من الطف التأديب و الاستدراج الى طاعة اللّه و محبّته و هو واضح ، و باللّه التوفيق .

و اعلم أنّك إنّما خلقت للآخرة لا للدّنيا ، و للفناء لا للبقاء ، و للموت لا للحياة و أنّك فى منزل قلعة ، و دار بلغة ، و طريق إلى الآخرة ، و أنّك طريد الموت الّذى لا ينجوا منه هاربه ، و لا يفوته طالبه ، و لا بدّ أنّه مدركه فكن منه على حذر أن يدركك و أنت على حال سيّئة قد كنت تحدّث نفسك منها بالتّوبة فيحول بينك و بين ذلك ، فإذا أنت قد أهلكت نفسك .

-----------
( 1 ) سورة غافر 60 .

[ 513 ]

يا بنىّ ، أكثر من ذكر الموت ، و ذكر ما تهجم عليه ، و تفضى بعد الموت إليه ، حتّى يأتيك و قد أخذت منه حذرك ، و شددت له أزرك ، و لا يأتيك بغتة فيبهرك و إيّاك أن تغترّ بما ترى من إخلاد أهل الدّنيا إليها ، و تكالبهم عليها ، فقد نبّأ اللّه عنها ، و نعت لك نفسها ، و تكشّفت لك عن مساويها ، فإنّما أهلها كلاب عاوية ، و سباع ضارية ، يهرّ بعضها بعضا ، و يأكل عزيزها ذليلها ، و يقهر كبيرها صغيرها ، نعم معقّلة ، و أخرى مهملة قد أضلّت عقولها ، و ركبت مجهولها ، سروح عاهة ، بواد وعث ليس لها راع يقيمها ، و لا مسيم يسيمها سلكت بهم الدّنيا طريق العمى ، و أخذت بأبصارهم عن منار الهدى ،

فتاهوا فى حيرتها ، و غرقوا فى نعمتها ، و اتّخذوها ربّا فلعبت بهم و لعبوا بها و نسوا ما وراءها رويدا يسفر الظّلام كأن قد وردت الأظعان يوشك من أسرع أن يلحق .

و اعلم يا بنىّ أنّ من كانت مطيّته اللّيل و النّهار فانّه يسار به و إن كان واقفا ، و يقطع المسافة و إن كان مقيما وادعا .

و اعلم يقينا أنّك لن تبلغ أملك ، و لن تعدو أجلك ، و أنّك فى سبيل من كان قبلك ،

فخفّض فى الطّلب ، و أجمل فى المكتسب ، فانّه ربّ طلب قد جرّ إلى حرب ، فليس كلّ طالب بمرزوق ، و لا كلّ مجمل بمحروم ، و أكرم نفسك عن كلّ دنيّة و إن ساقتك إلى الرّغائب ، فانّك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا ، و لا تكن عبد غيرك و قد جعلك اللّه حرّا ، و ما خير خير لا ينال إلاّ بشرّ ، و يسر لا ينال إلاّ بعسر ؟ و إيّاك ان توجف بك مطايا الطّمع ، فتوردك مناهل الهلكة ، و إن استطعت أن لا يكون بينك و بين اللّه ذو نعمة فافعل ، فإنّك مدرك قسمك ، و آخذ سهمك و إنّ اليسير من اللّه سبحانه أعظم و أكرم من الكثير من خلقه و إن كان كلّ منه .

و تلافيك ما فرط من صمتك أيسر من إدراكك ما فات من منطقك ، و حفظ ما فى الوعاء بشدّ الوكاء ، و حفظ ما فى يديك أحبّ إلىّ من طلب ما فى يد غيرك . و مرارة اليأس خير من الطّلب إلى النّاس ، و الحرفة مع العفّة خير من الغنى مع الفجور ، و المرء أحفظ لسرّه . و ربّ ساع فيما يضرّه من أكثر أهجر ، و من تفكّر أبصر قارن أهل الخير تكن منهم ،

و باين أهل الشّرّ تبن عنهم بئس الطّعام الحرام ، و ظلم الضّعيف أفحش الظلم . إذا كان الرّفق خرقا كان الخرق رفقا . ربّما كان الدّواء داء و الدّاء دواء ، و ربّما نصح غير

[ 514 ]

النّاصح و غشّ المستنصح . و إيّاك و اتّكالك على المنى فإنّها بضائع النّوكى ، و العقل حفظ التّجارب . و خير ما جرّبت ما وعظك بادر الفرصة قبل أن تكون غصّة . ليس كلّ طالب يصيب ، و لا كلّ غائب يؤوب ، و من الفساد إضاعة الزّاد ، و مفسدة المعاد ، و لكلّ أمر عاقبة ،

سوف يأتيك ما قدّر لك ، التّاجر مخاطر و ربّ يسير أنمى من كثير ، و لا خير فى معين مهين ، و لا فى صديق ظنين ، ساهل الدّهر ما ذلّ لك قعوده ، و لا تخاطر بشى‏ء رجاء أكثر منه ، و إيّاك أن تجمح بك مطيّة اللّجاج احمل نفسك من أخيك عند صرمه على الصّلة ، و عند صدوده على اللّطف و المقاربة ، و عند جموده على البذل ، و عند تباعده على الدّنوّ ، و عند شدّته على اللّين و عند جرمه على العذر ، حتّى كأنّك له عبد ، و كأنّه ذو نعمة عليك ، و إيّاك أن تضع ذلك فى غير موضعه ، أو أن تفعله بغير أهله ، لا تتّخذنّ عدوّ صديقك صديقا فتعادى صديقك ، و امحض أخاك النّصيحة حسنة كانت أو قبيحة ،

و تجرّع الغيظ فانّى لم أرجرعة أحلى منها عاقبة و لا ألذّ مغبّة ، و لن لمن غالظك ، فإنّه يوشك أن يلين لك ، و جد على عدوّك بالفضل فانّه أحلى الظّفرين و إن أردت قطيعة أخيك فاستبق له من نفسك بقيّة يرجع إليها إن بدا له ذلك يوما ما ، و من ظنّ بك خيرا فصدّق ظنّه ، و لا تضيعنّ حقّ أخيك اتّكالا على ما بينك و بينه ، فإنّه ليس لك بأخ من أضعت حقّه ، و لا يكن أهلك أشقى الخلق بك ، و لا ترغبنّ فيمن زهد عنك ، و لا يكوننّ أخوك على مقاطعتك أقوى منك على صلته ، و لا يكوننّ على الاساءة أقوى منك على الإحسان ، و لا يكبرنّ عليك ظلم من ظلمك ، فانّه يسعى فى مضرّته و نفعك ، و ليس جزاء من سرّك أن تسوءه .

و اعلم ، يا بنىّ ، أنّ الرّزق رزقان : رزق تطلبه ، و رزق يطلبك ، فإن أنت لم تأته أتاك .

ما أقبح الخضوع عند الحاجة و الجفاء عند الغنى . إنّ لك من دنياك ما أصلحت به مثواك ، و إن جزعت على ما تفلّت من يديك ، فاجزع على كلّ ما لم يصل إليك . استدلّ على ما لم يكن بما قد كان فإنّ الأمور أشباه ، و لا تكوننّ ممّن لا تنفعه العظة إلاّ إذا بالغت فى إيلامه ، فإنّ العاقل يتّعظ بالآداب ، و البهائم لا تتّعظ إلاّ بالضّرب . اطرح عنك واردات الهموم بعزائم الصّبر و حسن اليقين ، من ترك القصد جار ، و الصّاحب مناسب ،

[ 515 ]

و الصّديق من صدق غيبه ، و الهوى شريك العناء ، ربّ قريب أبعد من بعيد ، و ربّ بعيد أقرب من قريب ، و الغريب من لم يكن له حبيب . من تعدّى الحقّ ضاق مذهبه ، و من اقتصر على قدره كان أبقى له . و أوثق سبب أخذت به سبب بينك و بين اللّه ، و من لم يبالك فهو عدوّك ، قد يكون اليأس إدراكا إذا كان الطّمع هلاكا . ليس كلّ عورة تظهر ،

و لا كلّ فرصة تصاب ، و ربّما أخطأ البصير قصده ، و أصاب الأعمى رشده . أخّر الشّرّ فإنّك إذا شئت تعجّلته ، و قطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل . من أمن الزّمان خانه ، و من أعظمه أهانه ليس كلّ من رمى أصاب ، إذا تغيّر السّلطان تغيّر الزّمان ، سل عن الرّفيق قبل الطّريق ، و عن الجار قبل الدّار . إيّاك أن تذكر من الكلام ما كان مضحكا ، و إن حكيت ذلك عن غيرك ، و إيّاك و مشاورة النّساء ، فانّ رأيهنّ إلى أفن و عزمهنّ إلى و هن ، و اكفف عليهنّ من أبصارهنّ بحجابك إيّاهنّ ، فانّ شدّة الحجاب أبقى عليهنّ ، و ليس خروجهنّ بأشدّ من إدخالك من لا يوثق به عليهنّ ، و إن استطعت أن لا يعرفن غيرك فافعل ، و لا تملّك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها ، فانّ المرأة ريحانة و ليست بقهرمانة ، و لا تعد بكرامتها نفسها ، و لا تطمعها فى أن تشفع لغيرها ، و إيّاك و التّغاير فى غير موضع غيرة ، فانّ ذلك يدعو الصّحيحة إلى السّقم ، و البريئة إلى الرّيب ، و اجعل لكلّ إنسان من خدمك عملا تأخذه به ، فانّه أحرى أن لا يتواكلوا فى خدمتك ، و أكرم عشيرتك فانّهم جناحك الّذى به تطير ، و أصلك الّذى إليه تصير ، و يدك الّتى بها تصول .

استودع اللّه دينك و دنياك ، و أسأله خير القضاء لك فى العاجلة و الآجلة ، و الدّنيا و الآخرة ، إن شاء اللّه . اقول : اشار بالأمور التى خلق لها الى غاياته . و منزل قلعة : لا يصلح للاستيطان ،

و الدنيا دار بلغة : باعتبار انّ الواجب فى استعمالها قدر الضرورة التى يتبلّغ بها الى الآخرة ،

دون الاستكثار منها اذ كانت طريقا اليها . و استعار لفظ الطريد : باعتبار طلب الموت له كالطريدة من الصيد . و الازر : القوة . و بهره : غلبه و أتعبه . و الاخلاد الى الشى‏ء : السكون اليه . و التكالب : التواثب . و المساوئ : العيوب . و الضراوة : تعوّد الصيد و الجرأة عليه . و اشار بقوله : فإنما اهلها الى قوله : صغيرها الى اهل الدنيا : باعتبار قواهم الغضبيّة و

[ 516 ]

اتباعها . و بقوله : نعم معقلة ، الى قوله : و رآها الى اهلها : باعتبار اتبّاعهم لقواهم الشهويّة ،

ثم قسم هؤلاء قسمين فاستعار لفظ المعقلة : للذين تمسّكوا منهم بظواهر الشريعة و تقيّدوا بها عن الاسترسال الظاهر فى الشهوات المحرمة فى الدين ، و ان لم يعقلوا اسرار الشريعة فهم : كالنعم التى عقلها راعيها ، و اشعار لفظ المهملة : للّذين استرسلوا فى اتبّاع شهواتهم مطلقا و خرجوا عن طاعة امامهم . و قوله : عقولها قيل : اراد عقلها فاشبع الضمّة فقلبها و اوا للمناسبة بين القرينتين . و المجهول و المجهل : المفازة التى لا اعلام بها . و واد وعث :

لا يثبت به خفّ و لا حافر لكثرة سهولته . و المسيم : الراعى . و اراد بالعمى : الجهل .

و رويدا اى : أمهل . و استعار لفظ الظلام : لحجب الابدان و ظلمات هيأتها الحاجبة لأبصار البصائر عن ادراك امور الآخرة ، و هو وعيد بالموت و ما بعده . و كنّى بالاظعان عن المسافرين الى اللّه ، و كأن المخفّفة من الثّقيلة و تفيد تقريب المستقبل من الامور يوشك من اسرع ان يلحق : ترغيب فى اسراع السير فى مراتب القربة الى اللّه تعالى ، بذكر الغاية و هى اللحوق بمراتب السابقين و يحتمل ان يكون من تمام الوعيد بالموت و قربه ،

اذ الناس فى حد الاسراع اليه على مطيّتى الليل ، و النهار ، و من كان كذلك قربت لحوقه بمن سبقه . و الوادع ، ذو الدّعة و لا يبلغ أمله لانّ الآمال لا تزال تتجدّد . و لا تعد اى :

لا تتجاوز . و خفّض : سهل على نفسك . و الاجمال فى الاكتساب : ان يكون على وجه جميل ، و هو الوجه الذي ينبغى . و الحرب : سلب المال . و نهيه عن التعبّد للغير :

يستلزم النهى عن سببه و هو الطّمع .

و قوله : فانك ، الى قوله عرضا : صغرى ضمير ، بيّن فيه علّة الامر باكرام نفسه و تقدير كبراه ، و كلّ من كان كذلك فواجب عليه ان لا يبذل نفسه فى الدّنايا و يكرمها عنها .

و الوجيف : ضرب من السير فيه سرعة . و استعار لفظ المطايا للاطماع و وصف الوجيف لها : باعتبار هجومها بالانسان على الهلاك الاخروى . و استعار لها لفظ المناهل و هى :

الشرائع و موارد الشرب . و قسمة المدرك له هو : ما قسمه اللّه له من رزق و غيره ، فى كتابه المبين ، و لوحه المحفوظ . و قوله : و تلافيك اى : تداركك الى قوله الوكاء : ارشاد الى حفظ اللسان و ضبطه عمّا لا ينبغى من القول . و قوله : و حفظ ما فى يدك الى قوله :

غيرك : ارشاد الى الاقتصاد فى المال ، و ترك الاسراف ، لما يستلزمه من الحاجة

[ 517 ]

الى الغير . و الحرفة : ضيق الرزق . و اهجر قال الهجر ، و هو : الفحش فى المنطق . و قوله :

المرء احفظ لسرّه : اخبار فى معنى الأمر . و فى قوله احفظ : تنبيه على الفرق بين حفظ الانسان لسر نفسه و بين ايداعه الغير ، و كذلك من تفكّر ابصر . و قوله : اذ كان الرفق الى قوله : رفقا ، اى : اذا كان استعمال الرفق و هو اللين فى بعض المواضع ، كالخرق و هو العنف فى كونه مفسدا و مفوتا للغرض كون استعمال الخرق فى ذلك الموضع كاستعمال الرفق فى استلزامه المصلحة غالبا ، فكان اولى من الرفق فى ذلك الموضع و نحوه قول ابى الطيب 1 :

و وضع الندى فى موضع السيف بالعلى
مضرّ كوضع السيف فى موضع الندى

و هو : اخبار فى معنى النهى عن وضع كلّ منهما فى موضع الآخر ، و ربّما يفهم منه معنى آخر ، و هو : انّه اذ استعمل الرفق فى موضع الخرق لزم ذلك ان يستعمل الخرق فى غير موضعه و هو موضع الرفق ، و ذلك مما لا ينبغى . و قوله : ربّما كان الى قوله دواء : تنبيه على ان فعل بعض الامور قد يعتقد مصلحة و هو مفسدة ، و فعل بعض بالعكس ، و نحوه قول المتنبىّ :

و ربّما صحتّ الأجساد بالعلل

و النوكى : الحمقى و قوله : و العقل حفظ التجارب : رسم للعقل العملىّ ، ببعض كمالاته و صفاته . و انّما خصّ العلوم التجربية : لانها أصل عظيم فيما ينبغى ان يفعل ،

و العقل قد يراد به قوّة النفس ، و قد يراد به المصدر ، و هو فعل تلك القوة و هو محتمل الارادة هاهنا . و الفرصة : وقت امكان العمل للآخرة . و الغصة : هو ما يلحق من ألم الندم بعد فوت الفرصة . و المهين : الضعيف . و الظنين : المتّهم . و قوله : ساهل الدهر ، الى قوله :

قعوده : كمساهلته الجريان معه بقدر مقتضاه من دون تشدّد و تسخط عليه ، و لفظ القعود :

مستعار للوقت الذى تتيسر فيه الأمور ، و كذلك وصف الذلّة باعتبار سهولة المطالب فيه ، و خصّ العقود : باعتبار انّه فى مظنّة النفار براكبه ، و الزمان فى مظنّة التغير .

و قوله : احمل ، الى قوله غير أهله : امره ان يلزم نفسه و يحملها فى حقّ صديقه الاهل للصنيعة ، على ان يقابل رذائله المعدودة بما يضادها من الفضائل . و الصرم : القطيعة .

-----------
( 1 ) ابو الطيب احمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد المتنبى الجعدى الكندى 303 354 .

[ 518 ]

و الجمود : ضدّ البذل . و امحض اى : اخلص . و حسنة او قبيحة اى : فى نظر المنصوح .

و المغبة : العاقبة . و المغالظة : المخاشئة . و ما بينك و بينه ، اى : من المودة . و قوله : فانه ليس لك الى قوله : حقه ، صغرى ضمير نفرّ به عن اضاعة حق الأخ ، اي : انّك اذا اضعت حقّه لا بدّ ان يفارقك ، و نفعه على تقدير كونه مطلوبا حصوله على ثواب الصّابرين فى الآخرة .

و الرزق المطلوب : ما كان مبدؤه الحرص فى الدنيا ، و الرزق الطالب للانسان هو المقدّر له ، و فيه تنبيه على الاجمال فى طلب الرزق . و الجفاوة : قسوة القلب . و مثواه :

موضع اقامته من الآخرة . و عزائم الصبر : ما جزمت منه . و حسن اليقين اى : باللّه تعالى ، و هو ان يعلم يقينا انّ كل صادر فى الوجود فعلى وفق الحكمة الالهية ، و لازم لها . و جار :

دخل فى رذيلة الجور و هو الانحراف عن فضيلة العدل ، و روى بالحاء . و لفظ المناسب :

مستعار للصاحب باعتبار منفعته و قربه كالنسيب و الصديق اى : الخالص فى صداقته . و شريك العمى اى : فى كونهما لا يهتدى معهما الى ما ينبغى من المصلحة . و ضيق المذهب : المتعدّى باعتبار انّ الغالب على الخلق اتباع اكثر الحق ، و المتعدّى عنه : مأخوذ بالأقوال الذامة و الافعال الرادعة مضيق عليه بها مذهبه ، و حيث سلك من الباطل . و من لا يبالك اى : لا يهتمّ بأمرك عند حاجتك اليه ، و استعار له لفظ العدوّ : باعتبار عدم المبالاة كالعدوّ . و قوله : و قد يكون ، الى قوله : هلاكا أي : اذا كان الطمع فى امر يؤدّى الى الهلاك كان اليأس منه ادراكا للنجاة . و قوله : ليس كل عورة ، الى قوله :

رشده : تنبيه على انّ من الامور الممكنة ، و الغرض ما يفعل الطالب البصير بالامور عن وجه طلبه ، فلا يصيبه و يهتدى له الأعمى الجاهل بما ينبغى . و العورة : كالفرصة و اعور : الفارس اذا بدامنه موضع للضرب . و قوله : و من اعظمه اهانة : فاعظامه من حيث انّه مشتمل على خيرات الدنيا و لذاتها بالصّحة و الشباب و الأمن و نحو ذلك ، و بذلك الاعتبار ، يكرم و يستعظم ، و امّا لزوم اهانة من يستعظمه ، فلاستلزام اعظامه الركون اليه ، و الاشتغال بما فيه من اللّذات . ثم انّ الزمان بعد ذلك يكر ( يدور ) عليه بمقتضى طباعه فيزيل ما كان فيه من لذّة و خير ، و يبدّله بالعزة هوانا و باللّذة الما . و قوله : اذا تغيّر السلطان اى : فى نيّته و فعله تغير الزمان ، و ذلك ان الزمان انما يحمد او يذمّ بحسب ما يقع فيه من خير و شرّ .

[ 519 ]

و ظاهر ان تغيّر السلطان من احدهما الى الآخر يستلزم وقوع ما تغير اليه فى وقت وقوعه ،

و بحسب ذلك يكون تغيّر الزمان و نسبته الى الخير او الشر الواقع بعد ان لم يكن ، و السابق الى الفهم من التغير هو التغير من الخير الى الشرّ .

و الافن بالسكون : النقص و الضّعف ، و ما جاوز نفسها : هو ما عدا ما يحلّ لها تملكه فى عرف الشريعة ، و استعار لها لفظ الريحانة : باعتبار انّ الغرض بها اللذّة و الاستمتاع ، و كرامة نفسها بما يجب من كسوة و نحوها . و الصحيحة : البريئة من الفساد . و غيرة الرجل على البريئة و اشعارها بتهمتها بالفساد ربّما يؤدى الى فسادها ، لأنها ربما تستقبح ذلك فى اول الأمر و يعظم عليها ذكره فاذا تكررت المواجهة به هان عليها ، و صار فى قوة اغرائها به . و الريب : الشك . و احرى : اولى و يتواكلوا اى : تكل كل منهم الأمر الى صاحبه . و اليه تصير اى : ترجع . و اكثر المقاصد فى هذه الوصية واضحة غنيّة عن الشرح و الاستقصاء فيها مذكور فى الاصل ، و باللّه التوفيق .