40 و من كتاب له عليه السّلام إلى بعض عماله

أمّا بعد ، فإنّى كنت أشركتك فى أمانتى ، و جعلتك شعارى و بطانتى ، و لم يكن فى أهلى رجل أوثق منك فى نفسى لمواساتى و موازرتى ، و أداء الأمانة إلىّ ، فلمّا رأيت الزّمان على ابن عمّك قد كلب ، و العدوّ قد حرب ، و أمانة النّاس قد خزيت ، و هذه الأمّة قد فنكت و شغرت ، قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ ، ففارقته مع المفارقين ، و خذلته مع الخاذلين ،

-----------
( 1 ) في ش : يستفزّ .

-----------
( 2 ) سورة طه 127 .

[ 526 ]

و خنته مع الخائنين فلا ابن عمّك آسيت ، و لا الأمانة أدّيت ، و كأنّك لم تكن اللّه تريد بجهادك و كأنّك لم تكن على بيّنة من ربّك ، و كأنّك انّما كنت تكيد هذه الأمّة عن دنياهم ، و تنوى غرّتهم عن فيئهم ، فلمّا أمكنتك الشّدّة فى خيانة الأمّة أسرعت الكرّة ،

و عاجلت الوثبة ، و اختطفت ما قدرت عليه من أموالهم المصونة لأراملهم و أيتامهم اختطاف الذّئب الأزلّ دامية المعزى الكسيرة ، فحملته إلى الحجاز رحيب الصّدر بحمله غير متأثّم من أخذه كأنّك لا أبا لغيرك حدرت إلى أهلك تراثك من أبيك و أمّك فسبحان اللّه أما تؤمن بالمعاد ؟ أو ما تخاف من نقاش الحساب ؟ أيّها المعدود كان عندنا من ذوى الألباب كيف تسيغ شرابا و طعاما و أنت تعلم أنّك تأكل حراما و تشرب حراما ؟ و تبتاع الإماء و تنكح النّساء من مال اليتامى و المساكين و المؤمنين و المجاهدين الّذين أفاء اللّه عليهم هذه الاموال و أحرزبهم هذه البلاد فاتّق اللّه و اردد إلى هؤلاء القوم أموالهم ،

فانّك إن لم تفعل ثمّ أمكننى اللّه منك لأعذرنّ إلى اللّه فيك ، و لأضربنّك بسيفى الّذى ما ضربت به أحدا إلاّ دخل النّار و اللّه لو أنّ الحسن و الحسين فعلا مثل الّذى فعلت ما كانت لهما عندى هوادة ، و لا ظفرا منّى بارادة ، حتّى آخذ الحقّ منهما ، و أزيح الباطل عن مظلمتهما ، و أقسم باللّه ربّ العالمين : ما يسرّنى أنّ ما أخذت من أموالهم حلال لى أتركه ميراثا لمن بعدى ، فضحّ رويدا فكأنّك قد بلغت المدى ، و دفنت تحت الثّرى ، و عرضت عليك أعمالك بالمحلّ الّذى ينادى الظّالم فيه بالحسرة ، و يتمنّى المضيّع الرّجعة ، و لات حين مناص . أقول : المرويّ انّ الكتاب الى عبد اللّه بن العباس كما هو فى بعض النسخ ، حين كان واليا له على البصرة . و امانته : هى ولاية أمور المسلمين . و الشعار : ما يلى الجسد من الثياب ، و استعار له لفظه باعتبار قربه منه . و بطانته خاصّته . و الموازرة : المعاونة .

و كلب الزمان : شدّته . و حرب العدوّ : اشتد غضبه . و خزيت الامانة : هانت و ذلّت .

و الفتك : القتل على غرة . و شغرت : تفرقت . و قوله : قلبت ، الى قوله : ظهر المجن : مثل يضرب لمن يكون مع اخيه فيتغيّر عنه و يقاتله . و اصله ان الترس انما يقاتل به الرجل و يعطى ظهره فى الحرب ، فكنّى به عن : تغيّره عليه و خروجه عن امر ، و لم يكن على بيّنة

[ 527 ]

من ربّه اى : على ثقة من وعده و وعيده و يقين من ذلك . و غرّتهم غفلتهم . و الشدة :

الحملة . و الازل خفيف الوركين ، و وجه التشبيه سرعة الاخذ ، و رحب الصدر كناية عن الفرح و السرور به ، و نقاش الحساب استقصاؤه و ادخل حسابه له فى الفضلاء فى خبر كان :

تنبيها على انّه لم يبق عنده كذلك . و آفاه : جعله فيا ، و الفى‏ء : الغنيمة . و الهوادة :

المصالحة و المصانعة . و قوله فضح رويدا : كلمة يؤمر بها للتؤدة ، و اصلها الرجل يطعم ابله ضحى و يثيرها مسرعا للسير ، فلا يشبعها فيقال : ضح رويدا اى : مهلا . و المدى : الغاية و هى الموت و ما بعده . المناص : المهرب و المخلص ، و النوص : التخلص . و شبّهوا لات بليس ، و اضمروا فيها اسم الفاعل ، و قد جاءت مرفوعة على أنها اسمها ، و لا يستعمل لات إلاّ مع حين ، و قيل : التاء زائدة كهى فى ثمت ، و ربت . و معانى الكتاب ظاهرة ، و باللّه التوفيق .