43 و من كتاب له عليه السّلام إلى زياد بن ابيه ، و قد بلغه أن معاوية كتب إليه يريد خديعته باستلحاقه

و قد عرفت معاوية كتب إليك يستزلّ لبّك ، و يستفلّ غربك ، فاحذره ، فانّما هو الشّيطان : يأتى المؤمن من بين يديه و من خلفه ، و عن يمينه و عن شماله ، ليقتحم غفلته ، و يستلب غرّته .

و قد كان من أبى سفيان فى زمن عمر بن الخطّاب فلتة من حديث النّفس ، و نزغة من نزغات الشّيطان : لا يثبت بها نسب ، و لا يستحقّ بها إرث ، و المتعلّق بها كالواغل المدفّع ، و النّوط المذبذب . فلمّا قرأ زياد الكتاب قال : شهد بها و رب الكعبه ، و لم تزل فى نفسه حتى ادّعاه

[ 529 ]

معاويه . قال السيد رحمه اللّه : قوله عليه السلام « الواغل » : هو الذى يهجم على الشّرب يشرب معهم ، و ليس منهم ، فلا يزال مدفّعا محاجزا . و « النوط المذبذب » : هو ما يناط برحل الراكب من قعب أو قدح أو ما أشبه ذلك ، فهو أبدا يتقلقل اذا حثّ ظهره و استعجل سيره . اقول : زياد هذا هو دعىّ ابى سفيان ، و ولاّه على عليه السلام فارس ، فضبطها و حماها فكتب اليه معاوية يخدعه باستلحاقه اخا له فعلم عليه السلام بذلك فكتب اليه الكتاب .

و غرب السيف : حدّه . و الاستفلال : طلب الفل ، ، و هو الثلم و هو كناية عن كسر قوته فى نصح على عليه السلام ، و اتيانه من الجهات الأربع : كناية عن تمام حيلته فى الخدعة . قال سفيان الثورى رحمه اللّه : ما من صباح إلا و يقعد الشيطان على اربعة مراصد ، من بين يدى ، فيقول : لا تخف فانّ اللّه غفور رحيم . فاقرأ و انّى لغفار لمن تاب و آمن و عمل صالحا ثم اهتدى 1 . و من خلفى فيخوّفنى الضيعة على مخلّفي فأقرء : و ما من دابة فى الارض الاّ على اللَّه رزقها 2 . و من قبل يمينى فيأتينى من جهة الثناء فاقرأ :

و العاقبة للمتقين 3 . و من قبل شمالى فياتينى من قبل الشهوات فاقرأ : و حيل بينهم و بين ما يشتهون 4 .

و اما الفلتة من ابى سفيان فى ادعائه اياه فهو : ما روى انّه تكلم يوما بحضرة عمر فأعجب الحاضرين كلامه ، فقال عمرو بن العاص : للّه ابوه لو كان قرشيا لساق العرب بعصاه ، فقال ابو سفيان : و اللّه انّه لقرشىّ و لو عرفته لعرفت انّه من خير اهلك ، فقال : و من ابوه ؟ فقال : انا و اللّه وضعته فى رحم امه ، فقال : هلا تستلحقه ؟ قال : اخاف هذا العبر الجالس ان يخرق علىّ اهابى يعنى عمر . و حديث النفس الوسوسة و كونها نزعة من نزعات الشيطان : باعتبار انّها على غير وجه شرعىّ و فيها اقرار بالزنا . و شبه المتوغّل فى

-----------
( 1 ) سورة طه 82

-----------
( 2 ) سورة هود 6

-----------
( 3 ) سورة القصص 83

-----------
( 4 ) سورة سبأ 54 .

[ 530 ]

هذا النسب اى : الداخل فيه بامعان بالواغل ، و وجه الشبه كونه لا يزال مدفعا عنه ، كما يدفع الواغل عن الشراب و كذلك تشبيهه بالنوط المذبذب ، باعتبار انّه لا يستقرّ بنسبه .

و التذبذب التحرّك و التردد .