44 و من كتاب له عليه السّلام إلى عثمان بن حنيف الأنصارى ، و هو عامله على البصرة

و قد بلغه أنه دعي إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها أمّا بعد يا ابن حنيف : فقد بلغنى أنّ رجلا من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة فأسرعت إليها 1 تستطاب لك الألوان ، و تنقل إليك الجفان و ما ظننت أنّك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفوّ ، و غنيّهم مدعو ، فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم ، فما اشتبه عليك علمه فالفظه ، و ما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه .

ألا و إنّ لكلّ مأموم اماما يقتدى به و يستضى‏ء بنور علمه ، ألا و إنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ، و من طعمه بقرصيه ، ألا و إنّكم لا تقدرون على ذلك ، و لكن أعينونى بورع و اجتهاد ، و عفّة و سداد . فو اللّه ما كنزت من دنياكم تبرا و لا ادّخرت من غنائمها و فرا ، و لا أعددت لبالى ثوبى طمرا . بلى ؟ كانت فى أيدينا فدك من كلّ ما أظلّته السّماء ، فشحّت عليها نفوس قوم ، و سخت عنها نفوس قوم آخرين . و نعم الحكم اللّه و ما أصنع بفدك و غير فدك و النّفس مظانّها فى غد جدث ؟ تنقطع فى ظلمته آثارها و تغيب أخبارها ، و حفرة لوزيد فى فسحتها ، و أوسعت يدا حافرها لأضغطها الحجر و المدر ، و سدّ فرجها التّراب المتراكم ، و إنّما هى نفسى أروضها بالتّقوى لتأتى آمنة يوم الخوف الأكبر ، و تثبت على جوانب المزلق ، و لو شئت لاهتديت الطّريق إلى مصفّى هذا العسل و لباب هذا القمح ، و نسائج هذا القزّ ، و لكن هيهات أن يغلبنى هو اى ، و يقودنى جشعى إلى تخيّر الأطعمة ، و لعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له فى القرص ، و لا عهد له بالشّبع أو أبيت مبطانا و حولى بطون غرثى ، و أكباد حرّى أو أكون كما قال القائل :

[ 531 ]

و حسبك داء أن تبيت ببطنة
و حولك أكباد تحنّ إلى القدّ

أ أقنع من نفسى بأن يقال أمير المؤمنين و لا أشاركهم فى مكاره الدّهر ؟ أو أكون أسوة لهم فى جشوبة العيش ، فما خلقت ليشغلنى أكل الطّيّبات كالبهيمة المربوطة همّها علفها ، أو المرسلة شغلها تقمّمها ، تكترش من أعلافها ، و تلهو عمّا يراد بها ، أو أترك سدى و أهمل عابثا ، أو أجرّ حبل الضّلالة ، أو أعتسف طريق المتاهة . و كأنّى بقائلكم يقول :

« إذا كان هذا قوت ابن أبى طالب فقد قعد به الضّعف عن قتال الأقران و منازلة الشّجعان » ؟ ألا و إنّ الشّجرة البريّة أصلب عودا ، و الرّوائع الخضرة أرقّ جلودا ، و النّباتات البدوية أقوى وقودا و أبطأ خمودا و أنا من رسول اللّه كالصّنو من الصّنو ، و الذّراع من العضد .

و اللّه لو تظاهرت العرب على قتالى لما ولّيت عنها ، و لو أمكنت الفرص من رقابها لسارعت إليها . و سأجهد فى أن أطهّر الأرض من هذا الشّخص المعكوس ، و الجسم المركوس حتّى تخرج المدرة من بين حبّ الحصيد .

إليك عنّى يا دنيا فحبلك على غاربك ، قد انسللت من مخالبك ، و أفلتّ من حبائلك ، و اجتنبت الذّهاب فى مداحضك . أين القوم الّذين غررتهم بمداعبك ؟ أين الأمم الّذين فتنتهم بز خارفك ؟ هاهم رهائن القبور ، و مضامين اللّحود و اللّه لو كنت شخصا مرئيّا ، و قالبا حسّيّا ، لأقمت عليك حدود اللّه فى عباد غررتهم بالأمانى ، و أمم ألقيتهم فى المهاوى ، و ملوك أسلمتهم إلى التّلف و أوردتهم موارد البلاء ، إذ لا ورد و لا صدر .

هيهات من وطى‏ء دحضك زلق ، و من ركب لججك غرق ، و من ازورّ عن حبالك وفّق ،

و السّالم منك لا يبالى إن ضاق به مناخه ، و الدّنيا عنده كيوم حان انسلاخه .

أعزبى عنّى ، فو اللّه لا أذلّ لك فتستذلّنى ، و لا أسلس لك فتقودينى ، و ايم اللّه يمينا برّة أستثنى فيها بمشيئة اللّه لأروضنّ نفسى رياضة تهشّ معها إلى القرص إذا قدرت عليه مطعوما ، و تقنع بالملح مأدوما ، و لأدعنّ مقلتى كعين ماء نضب معينها مستفرغة دموعها . أتمتلى‏ء السّائمة من رعيها فتبرك ؟ و تشبع الرّبيضة من عشبها فتربض ؟ و يأكل علىّ من زاده فيهجع ؟ قرّت اذا عينه إذا اقتدى بعد السّنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة ، و السّائمة المرعيّة طوبى لنفس أدّت إلى ربّها فرضها ، و عركت بجنبها بؤسها ، و هجرت فى اللّيل

[ 532 ]

غمضها ، حتّى إذا غلب الكرى عليها افترشت أرضها ، و توسّدت كفّها ، فى معشر أسهر عيونهم خوف معادهم ، و تجافت عن مضاجعهم جنوبهم و همهمت بذكر ربّهم شفاههم ،

و تقشّعت بطول استغفارهم ذنوبهم ( أُولئِكَ حِزْبُ اللَّه ، أَلا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ ) 1 .

فاتّق اللّه يا ابن حنيف ، و لتكفك أقراصك ، ليكون من النّار خلاصك . اقول : المأدبة بالضم : الطعام يدعى اليه . و العائل : الفقير . و القضم : الأكل . و علمه اى : علم حله و حرامه . و الطمر : الثوب الخلق و طمراه : كانا عمامة و مدرعة قد استحيا من راقعها . و قرصاه : كانا من شعير غير منخول . و اراد بالورع هنا : الكف عن المحارم .

و الوفر : المال الكثير . و فدك : قرية كانت لرسول اللّه عليه و آله خاصة صالح اهلها على النصف بعد فتح خيبر ، و اجماع الشيعة على انه اعطاها فاطمة عليها السلام فى حياته 2 فلما ولى ابو بكر الخلافة ، عزم على اخذها منها فارسلت اليه تطلب ميراثها من رسول صلى اللّه عليه و آله ، و يقول : انّه اعطانى فدكا فى حياته ، و استشهدت على ذلك عليا و امّ ايمن ، فشهدا لها بها ، فأجابها عن الميراث بخبر رواه و هو ( نحن معاشر الانبياء لا نورث ما تركناه فهو صدقة ) و عن دعوى فدك انها لم تكن للنبى صلى اللّه عليه و آله ، و انما كانت مالا للمسلمين فى يده يحمل به الرجال و ينفقه فى سبيل اللّه و انا اليه ، كما كان يليه فلما بلغها ذلك لاثت و اقبلت فى لمّة من حفدتها ، و نساء قومها تطأ فى ذيولها حتى دخلت عليه و معه ، جلّ المهاجرين و الانصار ، فضربت بينها و بينهم قطيفة ، ثم انّت انّة اجهش لها القوم بالبكاء ، ثم امهلت طويلا حتى سكتوا من فورتهم ثم خطبت خطبة طويلة 3 ذكرنا مختصرا منها فى الأصل ، تشتمل على توبيخ الجماعة و تقصيرهم فى حقها ، ثم رجعت الى بيتها ، و اقسمت ان لا تكلم ابا بكر ، و لتدعونّ اللّه عليه 4 ، و لم تزل كذلك حتى حضرتها الوفاة ، فاوصت ان لا يصلى عليها ، فصلّى عليها العباس و دفنت ليلا 5 و اشار

-----------
( 1 ) سورة المجادلة 22

-----------
( 2 ) الغدير 7 194

-----------
( 3 ) السقيفة و فدك 98 . شرح ابن ابى الحديد 16 211 . كشف الغمة 1 481

-----------
( 4 ) الامامة و السياسة 1 14 . اعلام النساء 3 1215

-----------
( 5 ) الغدير 7 191 .

[ 533 ]

بالنفوس التى سخت عنها الى بنى هاشم . و قوله : و انّما هى ، اى : و انما همتى و حاجتى نفسى ، و رياضتها و رياضة النفس مأخوذة من رياضة البهيمة ، و هى منعها عن الاقدام على حركات غير صالحة لصاحبها .

فالقوة الحيوانية التى هى مبدأ الادراكات و الافعال ، اذا لم تكن مطيعة للقوّة العاقلة كانت بمنزلة بهيمة لم ترض فهى تتّبع الشهوة تارة ، و الغضب اخرى . و تستخدم القوّة العاقلة فى تحصيل مراداتها فتكون هى امّارة ، و العاقلة مؤتمرة . اما اذا راضتها القوة العاقلة حتى صارت مؤتمرة لها متمرّنة على ما يقتضيه العقل العملىّ ، تأتمر بأمره و تنتهى بنهيه كانت العاقلة مطمئنّة لا تفعل افعالا مختلفة المبادى ، و كانت باقى القوى مسالمة لها ،

اذا عرفت ذلك فنقول : لما كان الغرض الاقصى من رياضة الانسان نفسه انما هو نيل الكمال الحقيقى ، و لا بدّ له من استعداد ، و كان ذلك الاستعداد موقوفا على زوال الموانع الخارجيّة و الدّاخلية ، كانت للرياضة اغراض ثلاثة :

احدها ، حذف كل محبوب و مرغوب عدا الحق سبحانه عن القصد ، و هو حذف الموانع الخارجية .

و الثانى ، تطويع النفس الامّارة للنفس المطمئنّة فينجذب التخيّل ، و التّوهم عن الجانب السفلى الى العلوىّ و يتبعهما سائر القوى فتزول الدواعى الحيوانيّة ، و هو حذف الموانع الداخلية .

و الثالث ، توجيه السّر الى الجنّة العالية لتلقى السوانح الالهية و اقتناصها . و يعين على الاوّل الزهد الحقيقى ، و هو الاعراض عن متاع الدنيا ، و طيّباتها بالقلب . و على الثانى العبادة المشفوعة بالفكر فى ملكوت السماوات و الارض ، و عظمة اللّه سبحانه و الأعمال الصالحة المنويّة لوجهه خالصا ، و عبّر عن هذه الأمور المعيّنة بالتقوى التى يروّض نفسه بها . و نبّه على بعض لوازم الغاية ، بقوله : لتأتى ، الى قوله المزلق : و هو الصراط المستقيم .

و القمح : الحنطة و الجشع : اشدّ الحرص على الطعام . و المبطان عظيم البطن من كثرة الأكل . و غرثى : جائعة ، و كبد حرّى : عطشى . و جشوبة العيش : غلظه . التقمّم : تتبع القمامة و هى الكناسة . و الاكراش : ملأ الكرش . و سدى اى : مهملا . و المتاهة : موضع التيه و الحيرة . و الروائع : الاشجار التى تروع بنضارتها . و الغدية التى لا يسقيها الاّ المطر .

[ 534 ]

و شبّه نفسه من رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله بالصنو من الصنو ، و هما : النخلتان يجمعهما اصل واحد ، و هو وجه الشبه . و كذلك تشبيهه منه بالذراع من العضد و وجه الشبه كونه ذرعا 1 عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فى المعاونة و المعاضدة كالذراع . و تظاهرت :

تعاونت . و قوله : لسارعت اليها اى : حين القتال لكفرهم و عداوتهم للحق ، و قبح العفو عنهم حينئذ . و اشار بالشخص المعكوس و الجسم المنكوس : الى معاوية ، و جعله مجرّد جسم كأنه خال عن النفس الانسانية ، لا تباعه الكمالات الجسمانية دون العقليّة . و كونه منكوسا و معكوسا : باعتبار التفاته عن الامور العالية و انتكاسه عن تلقى الكمالات الروحانية ، و انعكاس وجه عقله عن القبلة الحقيقية الى تحصيل الدنيا و العناية بها . و استعار لفظ المدرّة : له و حبّ الحصيد للمؤمنين ، و وجه المشابهة : أنه يخلص المؤمنين من وجوده بينهم ، لئلا يفسد عقائدهم و يستغويهم كما يفعله اهل البيادر من تصفية غلاّتهم من المدر و غيره . و استعار لفظ المداحض و هى المزالق لطرق تحصيلها التى هى مظنّة الزلق ،

و الوقوع فى الرذائل المهلكة . و لفظ المضامين للموتى : ملاحظة لشبههم فى اللحود بالأجنة فى بطون امّهاتهم . و ازورّ أخذ جانبا . و اعزبى : ابعدى . و هش الى كذا : انطلق وجهه بشرا به . و الهشاشة : طلاقة الوجه . و سلس بالفتح : يسلس بالكسر ، سهل قياده . و المعين :

الماء الجارى . و الربيضة : الجماعة الرابضة من الغنم . و قوله : و عركت بجنبها بؤسها : كناية عن الصبر على الشدائد ، يقال : عرك فلان بجنبه الاذى : اذا اغضى عمن يؤذيه و صبر عليه . و استعار وصف التقشّع : لزوال الذنوب عن لوح النفس ملاحظة لشبهه بالسحاب المنجاب عن وجه السماء . و باللّه التوفيق .