52 و من عهد له عليه السّلام كتبه للأشتر النخعى رحمه اللّه ، لما ولاه على مصر و اعمالها حين اضطرب أمر محمد بن أبى بكر

و هو أطول عهد كتبه و أجمعه للمحاسن 1 بِسْمِ اللَّه الرَّحْمنِ الرَّحيم هذا ما أمر به عبد اللّه علىّ أمير المؤمنين مالك بن الحارث الأشتر فى عهده إليه ،

حين ولاّه مصر : جباية خراجها ، و جهاد عدوّها ، و استصلاح أهلها ، و عمارة بلادها .

أمره بتقوى اللّه ، و إيثار طاعته ، و اتّباع ما أمر به فى كتابه : من فرائضه ، و سننه ،

الّتى لا يسعد أحد إلاّ باتّباعها ، و لا يشقى إلاّ مع جحودها و إضاعتها ، و أن ينصر اللّه سبحانه بقلبه و يده و لسانه ، فإنّه ، جلّ اسمه ، قد تكفّل بنصر من نصره ، و إعزاز من أعزّه .

و أمره أن يكسر نفسه من الشّهوات و يزعها عند الجمحات ، فإنّ النّفس أمّارة بالسّوء ،

إلاّ ما رحم اللّه .

ثمّ اعلم ، يا مالك أنّى قد وجّهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل و جور ، و أنّ النّاس ينظرون من أمورك فى مثل ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك ،

و يقولون فيك ما كنت تقول فيهم ، و إنّما يستدلّ على الصّالحين بما يجرى اللّه لهم على ألسن عباده ، فليكن أحبّ الذّخائر إليك ذخيرة العمل الصّالح ، فاملك هواك و شحّ بنفسك عمّا لا يحلّ لك فإنّ الشّحّ بالنّفس الإنصاف منها فيما أحبّت أو كرهت . و أشعر قلبك الرّحمة للرّعيّة ، و المحبّة لهم ، و اللّطف بهم ، و لا تكوننّ عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم فإنّهم صنفان : إمّا أخ لك فى الدّين ، أو نظير لك فى الخلق ، يفرط منهم الزّلل ،

و تعرض لهم العلل ، و يؤتى على أيديهم فى العمد و الخطإ . فأعطهم من عفوك و صفحك مثل الّذى تحبّ أن يعطيك اللّه من عفوه و صفحه ، فإنّك فوقهم و والى الأمر عليك فوقك ،

-----------
( 1 ) تصدى الى شرحه و نقله الى سائر اللغات نفر من اعلام العلم و الادب . الذريعة 4 118 و ج 13 373 .

[ 541 ]

و اللّه فوق من ولاّك و قد استكفاك أمرهم و ابتلاك بهم ، و لا تنصبنّ نفسك لحرب اللّه .

فإنّه لا يدى لك بنقمته ، و لا غنى بك عن عفوه و رحمته ، و لا تندمنّ على عفو ، و لا تبجحنّ بعقوبة ، و لا تسر عنّ إلى بادرة وجدت منها مندوحة ، و لا تقولنّ إنّى مؤمّر آمر فأطاع فإنّ ذلك إدغال فى القلب ، و منهكة للدّين ، و تقرّب من الغير . و إذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبّهة أو مخيلة فانظر إلى عظم ملك اللّه فوقك و قدرته منك على مالا تقدر عليه من نفسك ، فإنّ ذلك يطا من إليك من طماحك ، و يكفّ عنك من غربك ، و يفى‏ء إليك بما عزب عنك من عقلك .

إيّاك و مساماة اللّه فى عظمته و التّشبّه به فى جبروته ، فإنّ اللّه يذلّ كلّ جبّار ، و يهين كلّ مختال .

أنصف اللّه و أنصف النّاس من نفسك و من خاصّة أهلك و من لك فيه هوى من رعيّتك ، فانّك إلاّ تفعل تظلم و من ظلم عباد اللّه كان اللّه خصمه دون عباده ، و من خاصمه اللّه أدحض حجّته و كان للّه حربا حتّى ينزع و يتوب و ليس شى‏ء أدعى إلى تغيير نعمة اللّه و تعجيل نقمته من إقامة على ظلم ، فانّ اللّه سميع دعوة المضطهدين و هو للظّالمين بالمرصاد .

و ليكن أحبّ الأمور إليك أوسطها فى الحقّ ، و أعمّها فى العدل و أجمعها لرضا الرّعيّة ، فانّ سخط العامّة يجحف برضا الخاصّة و إنّ سخط الخاصّة يغتفر مع رضا العامّة .

و ليس أحد من الرّعيّة أثقل على الوالى مؤونة فى الرّخاء و أقلّ معونة له فى البلاء ، و أكره للانصاف ، و أسأل بالالحاف ، و أقلّ شكرا عند الاعطاء ، و أبطأ عذرا عند المنع ،

و أضعف صبرا عند ملمّات الدّهر من أهل الخاصّة و إنّما عماد الدّين و جماع المسلمين .

و العدّة للأعداء العامّة من الأمّة ، فليكن صغوك لهم ، و ميلك معهم .

و ليكن أبعد رعيّتك منك و أشنأهم عندك أطلبهم لمعائب النّاس ، فإنّ فى النّاس عيوبا الوالى أحقّ من سترها ، فلا تكشفنّ عمّا غاب عنك منها فإنّما عليك تطهير ما ظهر لك ، و اللّه يحكم على ما غاب عنك ، فاستر العورة ما استطعت يستر اللّه منك ما تحبّ ستره من رعيّتك . أطلق عن النّاس عقدة كلّ حقد ، و اقطع عنك سبب كلّ وتر ، و تغاب عن كلّ مالا يصحّ لك ، و لا تعجلنّ إلى تصديق ساع ، فإنّ السّاعى غاشّ و إن تشبّه بالنّاصحين .

[ 542 ]

و لا تدخلنّ فى مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل و يعدك الفقر ، و لا جبانا يضعفك عن الأمور ، و لا حريصا يزيّن لك الشّره بالجور ، فإنّ البخل و الجبن و الحرص غرائز شتّى يجمعها سوء الظّنّ باللّه إنّ شرّ وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيرا ، و من شركهم فى الآثام فلا يكوننّ لك بطانة ، فإنّهم أعوان الأثمة ، و إخوان الظّلمة ، و أنت واجد منهم خير الخلف ممّن له مثل آرائهم و نفاذهم ، و ليس عليه مثل آصارهم و أوزارهم ممّن لم يعاون ظالما على ظلمه و لا آثما على إثمه : أولئك أخفّ عليك مؤونة ، و أحسن لك معونة ، و أحنى عليك عطفا ، و أقلّ لغيرك إلفا ، فاتّخذ أولئك خاصّة لخلواتك و حفلاتك ، ثمّ ليكن آثرهم عندك أقولهم بمرّ الحقّ لك و أقلّهم مساعدة فيما يكون منك ممّا كره اللّه لأوليائه واقعا ذلك من هواك حيث وقع . و الصق بأهل الورع و الصدق ، ثمّ رضهم على أن لا يطروك و لا يبجحوك بباطل لم تفعله ، فإنّ كثرة الاطراء تحدث الزّهو و تدنى من العزّة .

و لا يكوننّ المحسن و المسى‏ء عندك بمنزلة سواء ، فإنّ فى ذلك تزهيدا لأهل الاحسان فى الاحسان ، و تدريبا لأهل الإساءة على الاساءة و ألزم كلاّ منهم ما ألزم نفسه . و اعلم أنّه ليس شى‏ء بأدعى إلى حسن ظنّ راع برعيّته من إحسانه إليهم و تخفيفه المؤونات عليهم ، و ترك استكراهه إياهم على ما ليس له قبلهم ، فليكن منك فى ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظّنّ برعيّتك ، فانّ حسن الظّنّ يقطع عنك نصبا طويلا و إنّ أحقّ من حسن ظنّك به لمن حسن بلاؤك عنده ، و إنّ أحقّ من ساء ظنّك به لمن ساء بلاؤك عنده .

و لا تنقض سنّة صالحة عمل بها صدور هذه الأمّة ، و اجتمعت بها الألفة ، و صلحت عليها الرّعيّة ، و لا تحدثنّ سنّة تضرّ بشى‏ء من ماضى تلك السّنن فيكون الأجر لمن سنّها ، و الوزر عليك بما نقضت منها .

و أكثر مدارسة العلماء ، و منافثة الحكماء فى تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك ، و إقامة ما استقام به النّاس قبلك . أقول : النخع : قبيلة من مذحج . و جبوة : بدل من مصر . و يزعها : يكفها اى ، يروّض نفسه الامارة بتطويعها للعقل . و استعار لها وصف الجماح : باعتبار خروجها عن طاعة

[ 543 ]

العقل ، فلا يملكها كالفرس الجموح . و رسم الشح بالنفس : بانّه الانصاف منها ، و هو تعريف له ببعض لوازمه اذ كان الانصاف منها ملازما للضنّة بها عن عذاب اللّه . و يفرط :

يسبق . و اراد بالعلل التى تعرض لهم الامور المشغلة الصارفة لهم عمّا ينبغى من اجراء اوامر الوالى على وجوهها . و قوله : و يؤتى على أيديهم : كناية عن كونهم غير معصومين بل هم ممّن يخطى ، و تؤتى الناس أو انفسهم على أيديهم فى خطائهم و عمدهم ، فيدخل عليهم الزلاّت . و استكفاك امرهم : طلب منك كفاية امورهم و القيام بها . و ابتلاك :

اختبرك بهم . و استعار لفظ الحرب لمقابلة اللّه بالمعصية . و لا يدى لك أي : لا قوّة لك .

و التبجح : اظهار السرور و البجح بسكون الجيم ، السرور و الفرح . و البادرة : حدة الغضب .

و المندوحة : السّعة . و الادغال : الافساد ، و كنى به عن رذيلة الكبر و العجب و نحوهما .

و النهك : و هو الضعف . و الغير جمع غيرة و هى : الاسم من التغيّر و الاشارة الى قوله :

تعالى : ( انّ اللَّه لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم 1 ) و الأبّهة : العظم . و الخيلاء :

الكبر . و الطماح : العلو ، واصله ارتفاع البصر . و غربه : حدّته . و عزب غاب . و المساماة :

مفاعلة من السّمو . و الجبروت : اشد الكبر . و المختال : ذو الخيلاء . و حجّة داحضة : باطلة .

و يجحف برضا العامة اى : يذهب بأصله . و الالحاف : شدة الميل و السؤال . و ابطأ عذرا اى : اعذارا و مسامحة . و جماع المسلمين : جماعتهم . و الصغو : الميل . و اشنأهم :

ابغضهم . و العورة : القبيحة تبدو من الرجل . و الوتر : الحقد . و التغابىّ : التّجاهل . و يزيّن لك الشرة بالجور اذ الحريص فى تحصيل المال و جمعه انّما يشير بما يلائم خلقه فيخرج بالمشار عليه الى رذيلة الشره و الجور ، و الباء : للاستصحاب . و الغريزة الخلق و الطبيعة ، و بيان كون الثلاثة عن مبدأ هو : سوء الظن باللّه ، انّ سوء الظنّ ينشأ عن عدم معرفته تعالى بما هو اهله . فالجاهل به لا يعرفه من جهة ما هو جواد فيّاض بالخيرات لمن استعدّ لذلك ،

فيسوء ظنه به و لا يثق به ، بأنه مخلوق عليه عوض ما يبذله فيمنعه ذلك مع ملاحظة الفقر عن البذل و يقوى نفسه الامّارة فى الحرص .

و اما الجبان : فيجهله من جهة لطفه بعباده و عنايته بهم ، و لا يعلم سرّ القدر فى الآجال فيسوء ظنه بانه لا يحفظ من التّلف ، و يتصوّر الهلاك فيمنعه ذلك عن الاقدام

-----------
( 1 ) سورة الرعد آية 11 .

[ 544 ]

فى الحرب و يلزمه رذيلة الجبن . و البطانة : خاصّة الرجل . و الآصار : اثقال الآثام جمع اصر و هو الثقل . و عطفا مصدر أحنى ، اى : معنى قوله : و احنى عطفا اى : و احنى حنوا فجعل عطفا : بدل حنوا مصدر من غير اللفظ . و حفلا تك جمع حفلة بالكسر و هى : الجماعة او هي جفلة و هى : الخلوة ، و الظهور فى الجماعات . و قوله : واقعا الى قوله : حيث وقع اى :

واقعا ذلك القول منه ، و النصيحة و قلّة المساعدة حيث وقع من هواك سواء كان موافقا له او مخالفا . و الاطراء : المدح الكثير . و الزهو : الكبر . و التدريب : التعويد . و قوله : و الزم كلاما : الزم نفسه اى : من مقابلة الاحسان او الاسائة بمثلها . و النصب : التعب .

و المناقشة : المحادثة ، و باللّه التوفيق .