الفصل الثالث فى اوامر و نواهى مصلحية و آداب خلقية و سياسيّة

بعضها خاصة بنفسه و احوال عباده و بخاصته و عماله الى غير ذلك ، و هو قوله :

و اجعل لذوى الحاجات منك قسما تفرّغ لهم فيه شخصك ، و تجلس لهم مجلسا عامّا فتتواضع فيه للّه الّذى خلقك ، و تقعد عنهم جندك و أعوانك من أحراسك و شرطك حتّى يكلّمك متكلّمهم غير متتعتع ، فإنّى سمعت رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ،

يقول فى غير موطن : ( لن تقدّس أمّة لا يؤخذ للضّعيف فيها حقّه من القوىّ غير متتعتع ) 2 ثمّ

-----------
( 1 ) فى نسخة ش : امالته كبرا .

-----------
( 2 ) النهاية فى الحديث 1 190 .

[ 551 ]

احتمل الخرق منهم و العىّ ، و نحّ عنك الضّيق و الأنف يبسط اللّه عليك بذلك أكناف رحمته ، و يوجب لك ثواب طاعته ، و أعط ما أعطيت هنيئا ، و امنع فى إجمال و إعذار ثمّ أمور من أمورك لا بدّ لك من مباشرتها : منها إجابة عمّالك بما يعيا عنه كتّابك ،

و منها إصدار حاجات النّاس يوم ورودها عليك بما تحرج به صدور أعوانك ، و أمض لكلّ يوم عمله ، فإنّ لكلّ يوم ما فيه ، و اجعل لنفسك فيما بينك و بين اللّه أفضل تلك المواقيت ،

و أجزل تلك الأقسام و إن كانت كلّها للّه إذا صلحت فيها النّيّة ، و سلمت منها الرّعيّة .

و ليكن فى خاصّة ما تخلص به للّه دينك : إقامة فرائضه الّتى هى له خاصّة فأعط اللّه من بدنك فى ليلك و نهارك ، و وفّ ما تقرّبت به إلى اللّه من ذلك كاملا غير مثلوم و لا منقوص بالغا من بدنك ما بلغ ، و إذا قمت فى صلاتك للنّاس فلا تكوننّ منفّرا و لا مضيّعا ، فإنّ فى النّاس من به العلّة و له الحاجة . و قد سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حين وجّهنى إلى اليمن كيف أصلّى بهم ؟ فقال « صلّ بهم كصلاة أضعفهم ،

و كن بالمؤمنين رحيما » 1 .

و أمّا بعد ، فلا تطوّلنّ احتجابك عن رعيّتك ، فإنّ احتجاب الولاة عن الرّعيّة شعبة من الضّيق ، و قلّة علم بالأمور ، و الاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه فيصغر عندهم الكبير ، و يعظم الصّغير ، و يقبح الحسن و يحسن القبيح ، و يشاب الحقّ بالباطل ،

و إنّما الوالى بشر لا يعرف ما توارى عنه النّاس به من الأمور ، و ليست على الحقّ سمات تعرف بها ضروب الصّدق من الكذب ، و إنّما أنت أحد رجلين : إمّا امرو سخت نفسك بالبذل فى الحقّ ففيم احتجابك من واجب حقّ تعطيه ؟ أو فعل كريم تسديه ، أو مبتلى بالمنع فما أسرع كفّ النّاس عن مسألتك إذا أيسوا من بذلك مع أنّ أكثر حاجات النّاس إليك ممّا لا مؤونة فيه عليك من شكاة مظلمة أو طلب إنصاف فى معاملة .

ثمّ إنّ للوالى خاصّة و بطانة فيهم استئثار ، و تطاول ، و قلّة إنصاف فى معاملة فاحسم مادّة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال و لا تقطعنّ لأحد من حاشيتك و حامّتك قطيعة و لا يطمعنّ منك فى اعتقاد عقدة تضرّ بمن يليها من النّاس فى شرب أو عمل مشترك يحملون مؤونته على غيرهم فيكون مهنأ ذلك لهم دونك و عيبه عليك فى الدّنيا و الآخرة .

-----------
( 1 ) الجامع الصغير 2 96 .

[ 552 ]

و ألزم الحقّ من لزمه من القريب و البعيد ، و كن فى ذلك صابرا محتسبا ، واقعا ذلك من قرابتك و خاصّتك حيث وقع ، و ابتغ عاقبته بما يثقل عليك منه ، فإنّ مغبّة ذلك محمودة .

و إن ظنّت الرّعيّة بك حيفا فأصحر لهم بعذرك ، و اعدل عنك ظنونهم بإصحارك ،

فانّ فى ذلك رياضة منك لنفسك ، و رفقا برعيّتك ، و إعذارا تبلغ به حاجتك من تقويمهم على الحقّ .

و لا تدفعنّ صلحا دعاك إليه عدوّك و للّه فيه رضى ، فانّ فى الصّلح دعة لجنودك و راحة من همومك ، و أمنا لبلادك ، و لكن الحذر كلّ الحذر من عدوّك بعد صلحه ، فانّ العدوّ ربّما قارب ليتغفّل ، فخذ بالحزم ، و اتّهم فى ذلك حسن الظّنّ . و إن عقدت بينك و بين عدوّك عقدة أو ألبسته منك ذمّة ، فحط عهدك بالوفاء ، و ارع ذمّتك بالأمانة ، و اجعل نفسك جنّة دون ما أعطيت ، فانّه ليس من فرائض اللّه شى‏ء النّاس أشدّ عليه اجتماعا مع تفرّق أهوائهم و تشتّت آرائهم من تعظيم الوفاء بالعهود و قد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين لما استوبلوا من عواقب الغدر ، فلا تغدرنّ بذمّتك و لا تخيسنّ بعهدك و لا تختلنّ عدوّك ، فانّه لا يجترئ على اللّه إلاّ جاهل شقىّ . و قد جعل اللّه عهده و ذمّته أمنا أفضاه بين العباد برحمته ، و حريما يسكنون إلى منعته ، و يستفيضون إلى جواره ، فلا إدغال و لا مدالسة و لا خداع فيه ، و لا تعقد عقدا تجوّز فيه العلل ، و لا تعوّلنّ على لحن قول بعد التّأكيد و التّوثقة ، و لا يدعونّك ضيق أمر لزمك فيه عهد اللّه إلى طلب انفساخه بغير الحقّ ، فإنّ صبرك على ضيق أمر ترجو انفراجه و فضل عاقبته خير من غدر تخاف تبعته ، و أن تحيط بك من اللّه فيه طلبة ، فلا تستقيل فيها دنياك و لا آخرتك .

إيّاك و الدّماء و سفكها بغير حلّها ، فإنّه ليس شى‏ء أدنى لنقمة ، و لا أعظم لتبعة ، و لا أحرى بزوال نعمة و انقطاع مدّة ، من سفك الدّماء بغير حقّها ، و اللّه سبحانه مبتدى‏ء بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدّماء يوم القيامة ، فلا تقوّينّ سلطانك بسفك دم حرام ، فإنّ ذلك ممّا يضعفه و يوهنه بل يزيله و ينقله ، و لا عذر لك عند اللّه و لا عندى فى قتل العمد ، لأنّ فيه قود البدن ، و إن ابتليت بخطاء و أفرط عليك سوطك أو سيفك أو يدك بعقوبة ، فانّ فى الوكزة فما فوقها مقتلة ، فلا تطمحنّ بك نخوة سلطانك عن أن تؤدّى إلى أولياء المقتول حقّهم .

[ 553 ]

و إيّاك و الاعجاب بنفسك ، و الثّقة بما يعجبك منها ، و حبّ الأطراء ، فإنّ ذلك من أوثق فرص الشّيطان فى نفسه ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين .

و إيّاك و المنّ على رعيّتك باحسانك ، أو التّزيّد فيما كان من فعلك أو أن تعدهم فتتبع موعودك بخلفك ، فإنّ المنّ يبطل الاحسان ، و التّزيّد يذهب بنور الحقّ ، و الخلف يوجب المقت عند اللّه و النّاس ، قال اللّه تعالى : ( كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّه أَنْ تَقُولُوا مَالاَ تَفْعَلُونَ ) 1 .

و إيّاك و العجلة بالأمور قبل أوانها ، أو التّسقّط فيها عند إمكانها ، أو اللّجاجة فيها إذا تنكّرت ، أو الوهن عنها إذا استوضحت . فضع كلّ أمر موضعه ، و أوقع كلّ عمل موقعه .

و إيّاك و الاستئثار بما النّاس فيه أسوة ، و التّغابى عمّا تعنى به ممّا قد وضح للعيون ،

فإنّه مأخوذ منك لغيرك ، و عمّا قليل تنكشف عنك أغطية الأمور ، و ينتصف منك للمظلوم ، املك حميّة أنفك ، و سورة حدّك ، و سطوة يدك ، و غرب لسانك ، و احترس من كلّ ذلك بكفّ البادرة ، و تأخير السّطوة ، حتّى يسكن غضبك فتملك الاختيار ، و لن تحكم ذلك من نفسك حتّى تكثر همومك بذكر المعاد إلى ربّك .

و الواجب عليك أن تتذكّر ما مضى لمن تقدّمك من حكومة عادلة ، أو سنّة فاضلة ، أو أثر عن نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، أو فريضة فى كتاب اللّه ، فتقتدى بما شاهدت ممّا عملنا به فيها ، و تجتهد لنفسك فى اتّباع ما عهدت إليك فى عهدى هذا ، و استوثقت به من الحجّة لنفسى عليك ، لكيلا تكون لك علّة عند تسرّع نفسك إلى هواها .

و أنا أسأل اللّه بسعة رحمته ، و عظيم قدرته على إعطاء كلّ رغبة ، أن يوفّقنى و إيّاك لما فيه رضاه من الاقامة على العذر الواضح إليه و إلى خلقه ، مع حسن الثّناء فى العباد ،

و جميل الأثر فى البلاد ، و تمام النّعمة ، و تضعيف الكرامة ، و أن يختم لى و لك بالسّعادة و الشّهادة ، إنّا إليه راغبون . و السّلام على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الطّيّبين الطّاهرين ، و سلّم تسليما كثيرا . الشّرط : العلامة ، و سمّى الشرطة بذلك ، لأعلامهم أنفسهم بعلامة يعرفون بها .

و التقديس : التطهير . و الخرق العنف فى القول و هو : ضدّ الرفق . و الضيق : سوء الخلق . و أكناف رحمته : جوانبها و امور مبتدأ قدّم خبره أى ثمّ هناك امور . و كنّى بحرج صدور

-----------
( 1 ) سورة الصف 3 .

[ 554 ]

اعوانه : عن عجزهم عن اصدار ما يرد عليهم . و أجزل : أعظم . و الجزل : العظيم . و قوله و ان كانت كلّها للّه ، الى قوله و الرّعية : اشارة الى حسن التدبير فى الولاية عن الامام الحق بعباده . و منفّرا أى : يطوّل الصلاة . و الضمير فى منهم : للولاة . و قوله فيصغر ، الى قوله :

القبيح : اشارة الى المفاسد اللازمة من الأحتجاب . و الضمير فى عندهم : للرعيّة . و صغر الامر الكبير : كان يظلم القوىّ فيصغّر النّاس حرمته ، و كبر الضعيف كان يقع من بعض الضعفاء صغيرة فيعظمها الناس ، و كذلك قبح الحسن ، و حسن القبيح . و السمات :

العلامات . و تلك الأحوال ، اشارة الى الاستيثار و التطوّل و قلة الانصاف 1 . و الحسم :

القطع و اسباب تلك الاحوال هو : كما اشار اليه و نهاه عنه من اقطاع القطائع لحاشيته و خاصّته و هى قرابته . و اعتقاد : العقد ، و كنى بها عمّا يقتنى من الضياع . و العقدة :

الضيعة ، و المكان كثير الشجر و النخل . و اعتقد الضيعة : اقتناها . و من لزمه أى : الحق . و محتسبا اى : متقرّبا به الى اللّه تعالى . و قوله : واقعا ذلك ، اى : الزام الحق ، و حيث وقع اى : من سخط او رضى منهم ، و عاقبته : هو ثواب الآخرة و الذكر الجميل 2 .

و مغبّة ذلك : عاقبته المذكورة . و أصحر : اظهر . و الدّعة : الراحة . و لما استوبلوا ، اى : لما وجدوه من الوبال فى عاقبة الغدر ، و هو وخمها و سوءها . و خاس بالعهد : نقضه . و الختل :

الخداع ، و نبّه على انّ الخداع بالمعاهدة و العذر بها جرأة على اللّه يستلزم الشقاوة ، بقوله :

فانّه الى قوله : شقّى ، و فيه : تنبيه على ضمير تقدير صغراه فانّك بذلك مجتر على اللّه و تقدير كبراه ، و كلّ مجتر على اللّه تلزمه الشقاوة الأخروية . و افضا : وسعه و بسطه . و يستفيضون : يندفعون الى جواره و لزومه . و الادغال : الافساد . و المدالسة : مفاعلة من التدليس . و العلل : الاحداث المفسدة للعهود و نحوها . و لحن القول : كالتورية ، و التعرض فيه . كما ادّعاه طلحة فى بيعته لعليّ عليه السلام . و لا يستقبل و يتلقى الاّ الخير ،

و روى يستقيل بالياء اى : لا يكون لك من تلك البيعة اقالة فى الدنيا و الآخرة . و أحرى :

أولى . و القود : قتل القاتل بالمقتول . و أفرط : سبق . و الوكزة : مثل الضربة بجمع اليد على الذقن . و لا يطمحن اى : لا ترتفع . و الفرصة : امكان الشى‏ء من نفسه . و التزيد : اظهار

-----------
( 1 ) في ش : الانتصاف

-----------
( 2 ) من كلمة قوله ، الى آخر السطر غير موجود في نسخة ش .

[ 555 ]

الزيادة مع عدمها فى معرض الافتخار ، و نفر عن المنّ ، و التزيد ، و الخلف : بضمائر ثلاثة و تقدير كبرياتها ، و كلّ ما كان كذلك فلا يجوز فعله ، و نبّه على صغرى الثالث ، و هى قوله : الخلف ، الى قوله : الناس ، ضمير صغراه قوله : فان اللّه سبحانه . الى قوله تفعلون . و قولهم مالا يفعلون هو الخلف ، و تقدير كبراه و كلّ ما وعد اللّه المقت على فعله ، اوجب فعله المقت عنده و عند الناس . و العجلة فى الامور قبل أوانها . و اللجاجة فى طلبها اذا تنكّرت اى : لم يعرف وجه تحصيلها . و تعسّرت : هو طرف الافراط فى طلبها ، و التساقط فيها و القعود عنها عند امكانها ، و الوهن عنها عند وضوحها . وضع كل أمر موضعه . و اسوة اى :

سوآء . التغابى : التغافل . و يعنى به اى : ما ينبغى العناية به من رد المظالم الواقعة منك او بسببك . و اشار باغطية الامور : الى غطاء البدن ، و هيئته الحاجبة لحقائق الأمور : ان يدركها بعين بصيرته . و حميّة الانف : الغضب و الأنفه . و سورة حدته : غضبه و بأسه . و غرب اللسان : حدّته . و البادرة : سرعة السطوة و العقوبة . و العلّة : التعلّل بما يشبه الغدر .

و اعلم انّ مقاصد هذا العهد واضحة بيّنة و لا مزيد على ما اودعه عليه السلام من الحكمة الخلقية و المدنية و السياسية ، و كمالات القوّة العملية التى ورثها الأنبياء و المرسلون أوصياءهم ، و الحكماء السابقون من بعدهم ، و كفى بذلك شرفا و فضلا . و باللّه التوفيق .