54 و من كتاب له عليه السّلام إلى معاوية

أمّا بعد ، فإنّ اللّه سبحانه جعل الدّنيا لما بعدها ، و ابتلى فيها أهلها ، ليعلم أيّهم أحسن عملا ، و لسنا للدّنيا خلقنا ، و لا بالسّعى فيها أمرنا ، و إنّما وضعنا فيها لنبتلى بها ، و قد ابتلانى اللّه بك و ابتلاك بى : فجعل أحدنا حجّة على الآخر ، فعدوت على طلب الدّنيا بتأويل القرآن ، فطلبتنى بما لم تجن يدى و لا لسانى ، و عصبته أنت و أهل الشّام بى ، و ألّب عالمكم جاهلكم و قائمكم قاعدكم ، فاتّق اللّه فى نفسك ، و نازع الشّيطان قيادك ،

و اصرف إلى الآخرة وجهك فهى طريقنا و طريقك ، و احذر أن يصيبك اللّه منه بعاجل قارعة تمسّ الأصل ، و تقطع الدّابر ، فإنّى أولى لك باللّه أليّة غير فاجرة : لئن جمعتنى و إيّاك جوامع الأقدار لا أزال بباحتك ( حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَ هُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ) 3 . اقول : اراد بالسعى فيها : السّعى المذموم فى طلبها لنفسها ، و قد سبق معنى ابتلاء

-----------
( 1 ) معجم البلدان 1 181

-----------
( 2 ) فهرست ابن النديم 213

-----------
( 3 ) سورة الاعراف 87 .

[ 557 ]

لعباده . و وجه كونه عليه السلام ، حجّة على معاوية : دعائه اياه الى طاعة اللّه ، و ذلك حجّة اللّه عليه ان يقول يوم القيامة انى كنت من الغافلين . و وجه كون معاوية حجّة عليه :

عصيانه للّه و محاربته ايّاه ، حتى لو قصّر فى مقاومته كان ملوما ، فكان معاوية حجّة اللّه على تقصيره فى طاعته : و عدوت : يحتمل ان يكون من العدو فهو الجرى ، او من العدوان ، و تأويل القرآن كقوله تعالى : ( يا ايها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص فى القتلى ) 1 و تأويله لذلك : بإدخال نفسه فيه و طلب القصاص لعثمان ، و انما دخل بالتأويل : لان الخطاب خاص ممن قتل ، و قتل منه ، و معاوية بمعزل عن ذلك ، اذا لم يكن ولىّ دمه فتأول الآية بالعموم : ليدخل فيها . و ما لم تجن يدى ، اى : من القتل و المشاركة فيه . و عصبته : علقته .

و التأليب : التحريض . و القارعة : الدّاهية . و الدابر ألمتأخّر : من النسل . و الاليّة : اليمين . و باحة الدار : ساحتها . و فى وعيده بعدم انفكاكه عنه الى الغاية المذكورة بلاغ فى التخويف و الانذار .