57 و من كتاب له عليه السّلام كتبه إلى أهل الأمصار ، يقتصّ فيه ما جرى بينه و بين أهل صفين

و كان بدء أمرنا أنّا التقينا و القوم من أهل الشّام ، و الظّاهر أنّ ربّنا واحد ، و نبيّنا واحد ، و دعوتنا فى الاسلام واحدة ، و لا نستزيدهم فى الايمان باللّه و التّصديق برسوله و لا يستزيدوننا : الأمر واحد إلاّ ما اختلفنا فيه من دم عثمان ، و نحن منه براء فقلنا : تعالوا نداو مالا يدرك اليوم باطفاء النّائرة ، و تسكين العامّة ، حتّى يشتدّ الأمر و يستجمع فنقوى على وضع الحقّ مواضعه ، فقالوا : بل نداويه بالمكابرة فأبوا حتّى جنحت الحرب و ركدت ، و وقدت نيرانها و حمست . فلمّا ضرّستنا و إيّاهم ، و وضعت مخالبها فيناوفيهم ،

أجابوا عند ذلك إلى الّذى دعوناهم إليه ، فأجبناهم إلى ما دعوا ، و سارعناهم إلى ما طلبوا ، حتّى استبانت عليهم الحجّة ، و انقطعت منهم المعذرة . فمن تمّ على ذلك منهم فهو الّذى أنقذه اللّه من الهلكة ، و من لجّ و تمادى فهو الرّاكس الّذى ران اللّه على قلبه ،

و صارت دائرة السّوء على رأسه .

[ 559 ]

اقول : يروى بدء امرنا اى : مبتدأه . و الثائرة : العداوة . و قوله : فقلنا ، الى قوله مواضعه : كناية عن دعائه لهم الى حقن الدماء بترك الحرب . و قوله : فقالوا الى قوله المكابرة : كناية عن إبائهم و مخالفتهم له . و جنحت : مالت . و ركدت : ثبتت . و حمست :

اشتدّت . و روى بالشين المعجمة اى : التهبت غضبا . و اجابتهم الى ما دعاهم اليه طلبهم للصلح ، و حقن الدماء : صبيحة ليلة الهرير كما سبق ، و اجابته لهم فى رضاه :

بالتّحكيم و ظهور الحجّة عليهم ، برجوعهم الى عين ما كان يدعوهم اليه من حقن الدماء ،

و فى ذلك انقطاع عذرهم : فى المطالبة بدم عثمان ، اذ كان سكوتهم عن دم صحابىّ لا حق لهم فيه ، اسهل من سفك دماء سبعين الفا من المهاجرين و الانصار و التابعين بإحسان . و من تمّ على ذلك اى : على الصلح و الرضا به ، فهو الذى انقذه اللّه اى : اخلصه من الهلكة . و من لجّ اى : فى انكار الصلح ، و تحكيم كتاب اللّه و تمادى فى ذلك اى :

اقام عليه ، و هم الخوارج ، و استعار لهم لفظ الراكس ، و هو : المردود مقلوبا باعتبار انتكاس عقولهم ، فى ظلمة الجهل ، و الشبه الباطلة ، بعد استنارتها و ظهورها بنور الايمان او انتكاسهم فى العقوبة ، و القتل فى الدنيا ، و العذاب فى الآخرة كقوله تعالى : ( و اللَّهُ أركَسَهُم بما كسبوا ) 1 اى ردّهم الى عقوبة كفرهم .