61 و من كتاب له عليه السّلام إلى أهل مصر ، مع مالك الأشتر لمّا ولاّه إمارتها

أمّا بعد ، فإنّ اللّه سبحانه بعث محمّدا ، صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، نذيرا للعالمين ،

و مهيمنا على المرسلين ، فلمّا مضى عليه السّلام تنازع المسلمون الأمر من بعده ، فو اللّه ما كان يلقى فى روعى و لا يخطر ببالى أنّ العرب تزعج هذا الأمر من بعده صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن أهل بيته و لا أنّهم منحّوه عنّى من بعده فما راعنى إلاّ انثيال النّاس على فلان يبايعونه ، فأمسكت يدى حتّى رأيت راجعة النّاس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمّد ، صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، فخشيت إن لم أنصر الإسلام و أهله أن أرى فيه ثلما أو هدما تكون المصيبة به علىّ أعظم من فوت ولايتكم الّتى إنّما هى متاع أيّام قلائل يزول منها ما كان كما يزول السّراب أو كما يتقشّع السّحاب ، فنهضت فى تلك

[ 562 ]

الأحداث حتّى زاح الباطل و زهق ، و اطمأنّ الدّين و تنهنه .

و منه : إنّى و اللّه لو لقيتهم واحدا و هم طلاع الأرض كلّها ما باليت و لا استوحشت ،

و إنّى من ضلالهم الّذى هم فيه و الهدى الّذى أنا عليه لعلى بصيرة من نفسى و يقين من ربّى ، و إنّى إلى لقاء اللّه لمشتاق ، و لحسن ثوابه لمنتظر راج ، و لكنّنى آسى أن يلى أمر هذه الأمّة سفهاؤها و فجّارها ، فيتّخذوا مال اللّه دولا ، و عباده خولا ، و الصّالحين حربا ،

و الفاسقين حزبا فانّ منهم الّذى [ قد ] شرب فيكم الحرام ، و جلد حدّا فى الاسلام ، و إنّ منهم من لم يسلم حتّى رضخت له على الاسلام الرّضائخ ، فلو لا ذلك ما أكثرت تأليبكم و تأنيبكم ، و جمعكم و تحريضكم ، و لتركتكم إذ أبيتم و ونيتم .

ألا ترون إلى أطرافكم قد انتقصت ، و إلى أمصاركم قد افتتحت ، و إلى ممالككم تزوى ، و إلى بلادكم تغزى ، انفروا رحمكم اللّه إلى قتال عدوّكم و لا تثّاقلوا إلى الأرض فتقرّوا بالخسف ، و تبوءوا بالذّلّ ، و يكون نصيبكم الأخسّ ، و إنّ أخا الحرب الأرق ، و من نام لم ينم عنه ، و السّلام . اقول : المهيمن : الشاهد . و الروع بالضّم : القلب و كذلك البال . و الانثيال :

الانصاب . و فلان هو : ابو بكر . و راجعة الناس الذين رجعوا عن الدّين و ارتدّوا فى خلافته .

و المحق : الهلاك . و الثلم : الكسر . و تلك الأحداث و قائع العرب الذّين ارتدّوا و راح :

ذهب . و زهق : اضمحل . و تنهنه : اتّسع . و طلاع الارض : ملاؤها . و آسى : أحزن . و اراد بالسفهاء و الفجّار : بنو امية . و الدّول بالضم : جمع دولة بالضم و الفتح . و انّما خصّص الضمّ بالمال ، و الفتح بالحرب ، هو : ان يصير المال او الغلبة مرّة لهذا ، و مرّة لذلك . و الخول : العبيد . و الذى شرب فيكم الحرام من بنى امية ، هو : المغيرة بن شعبة فى عهد عمر حين كان واليا من قبله على الكوفة فانه شرب الخمر ، و صلّى بالناس سكران و زاد فى الركعات ، و قاء الخمر فى المحراب فشهدوا عليه و جلد الحد 1 . و كذلك عتبة بن ابى سفيان جلده فى الخمر خالد بن عبد اللّه بالطائف . و الرضايخ ، جمع رضيخة و الرضخ و الرضيخة : العطّية . و الذى رضخ له قيل : هو ابو سفيان ، و ابنه معاوية ، حين كانا من المؤلّفة

-----------
( 1 ) افحام الاعداء 1 12 . الغدير 6 138 .

[ 563 ]

قلوبهم يستمالون الى نصرة الدين بالعطاء ، و قيل : هو عمرو بن العاص حين اطعم مصر على حرب عليّ عليه السلام . و التأليب : الجمع و التحريض . و التأنيب : التعنيف و اللوم .

و نيتم : فترتم ، و الونى : الفتور و الضعف و التّباطى عن الامر . و تزوى : تقبض و تجمع . و تقرّوا بالخسف : ترضوا بالدنية و النقصان . تبؤوا : ترجعوا ، و باء بكذا : رجع به . و الارق :

كثير السهر ، و هو كناية عن المتيّقظ فى الامور المهتمّ بها .